فسحة.. القذيفة إلى حيث يرقد الموتى

فسحة.. القذيفة إلى حيث يرقد الموتى

تحت سماء رمادية مكفهرة، مُنذرة وقاتمة، تبعث القشعريرة كما في منظر سينمائي مشؤوم وراعب، تمتد أرض مقصوفة، أرض ما بعد المعارك، منكوبة وقد أصابها هجران وإخلاء.
لا تبدو الأشجار القريبة، كما ينبغي أن تكون. إنها مخلّعة، وهزالها طارئ على الأرجح، فتهافت أغصانها وضعف أوراقها ليس بعوامل طبيعية كالجفاف أو القحط، حدث مفاجئ أصابها، فأحالها هكذا شبه ميتة.
التراب، الذي عادة ما نراه في الأماكن المأهولة وفي الحقول مستوياً، مهندساً ومرصوصاً، يبدو هنا معفّراً، منبوشاً، كما لو أنه بات أنقاض تراب وأنقاض أحجار. كأنها بورة تعرضت لعنف ما قلّبها وعصف بها كحرث أهوج.
في الأرجاء، نعاين حطام قبور، عشوائية استبدت فجأة فأزاحت المدافن من أماكنها، شواهد محطمة، متشظية، ولا نعرف أن بقيت أسماء، وإن لم تنكسر اللوحات التي نقشت عليها “الفاتحة” والتواريخ.
مقبرة الحرب هذه، إذ خطفت من الموتى سكونهم و”راحتهم” الأبدية، وربما حطمت رفاتهم وخلطتها كرميم فوضوي من عظام وأسنان وبقايا.
الحرب نبشتهم لتعيدهم إلى سطح الحياة الخاوية والمقفرة هنا.. كي تجدد موتهم، ولكي يعود الأحياء إلى موتاهم مرة جديدة، إن هم فارقوهم أصلاً في مناماتهم وأحلامهم ونهاراتهم.
القصف هنا قتل الموتى القدماء، قبل أن يقتل الموتى الجدد، وقبل أن يخرب البيوت.
في أرض الموت والخواء، تصير الزوجةُ “الأرملةَ” المجللة بالسواد والأسى، وتصير “زائرة قبر” ومدبرة ذكرى وتذكارات. تصير المرأة “زوجة الشهيد” رفيقة الفقد والخسارة واللوعة. وحدها لا تأنس إلا للغائب خارج الحياة. وحدها مع زهور كثيرة ولا تكفي لتلوّن أرض الوحشة زهور ملونة وكثيرة لا تفعل إلا توكيد سيادة السواد.
في هذا العراء الرمادي، مع الخراب، تكفي حفنة باطون واسمنت لأن تثبت علم الحزب الغالب، الأصفر، المكلل بالسلاح الممشوق دوماً فوق رسم الكرة الأرضية وعداً ووعيداً.
راية خفاقة فوق الأرملة المقصوفة والجغرافيا المحروقة، علم لمآل الحياة هنا، ووعد للآخرة المبتدئة هنا.

– يوسف بزي – «نوافذ»