وأخرى.. حياة في ال inbox

وأخرى.. حياة في ال inbox

وما تزال حياتك خسارات صافية أكثر مما يجب، ولاتستطيع العودة لمكانك الأول. كما لا يزال يؤلمك حرف الواو على طول وتعلم جيداً أنه لن يأخذ إجازة منك ويعتذر يوماً عن عدم الحضور بغية منحك جرعته اليومية. لم يعتذر يوماً عن عادته هذه ويأتي اليك بلا انقطاع وبمهنية عالية، يقدس المواعيد ويلتزم بها. كأنه هنا، ربما، يأتي اليك فقط كيما يتأكد أنك ما تزال على قيد الحياة وتسكن في الinbox.
وما تزال أنت وفياً لاستسلامك لكل هذا الحاصل فيك. كأنك هنا حاوية من الالمونيوم وفارغة تتنطط بداخلها قطط بأظافر حادة وتخربش روحك. كأنك حارس أدمن ولوج الأهداف في مرماه، كأنك عسكري في التقاعد، لم يعد صالحاً حتى لاطلاق رصاصة طائشة في الهواء وغير موجهة ضد أحد. جامد أو متكلس لا تدري بالذي يجيء ولا شأن لك بما يحدث حواليك.. كأنك توقفت عند عبارة «الرجل الواقف تحت المطر، مبلولاً ومتروكاً للأبد» وأدمنت عليها، صارت علّتك التي لاشفاء منها. هي عبارة كلينت ستود في فيلم «ذابر يدجز مادسون كنتري» وقالها لميريل ستريب في سياق رجائه أن ترحل معه وأن تترك اسرتها وعالمها مؤكداً على أن «هذا النوع من اليقين لا نملكه في حياتنا غير مرة واحدة». كانت تود الرحيل ومتلهفة عليه لكنها كانت غرقانة في ضبابها: «لمَ عليَّ البقاء، ولمَ عليَّ الرحيل». اتذكر هنا، عندما كنت كائناً طبيعياً وتعيشن في العالم، أتذكر عدد المرات الكثيرة التي عاودت فيها هذا الفيلم، وكنت في كل مشاهدة تأتي إليَّ كيما تخبرني أنك اكتشفت فيه شيئاً جديداً، وكأنك تشاهده للمرة الأولى. هذا عندما كنت كائناً طبيعياً وتعيش في العالم. هذا قبل ان تذهب ومجازفاً بكل هنائك وراحة بالك، قبل أن تذهب في محاولات البحث عن إمكانية إحداث الخلخلة. إثبات أن الحياة ترحال وشرود ولا عودة، أن الحياة نفي لما هي عليه ولن تكون كذلك إلا بشقلبة حالها، أن النصر والاحتفال للريح حتماً، أن الرصيف الأخير سيظل صامداً حتى اخر قطرة ولن يُسلِّم في وجه تحولات عمود النور. وكان هذا، كل هذا فاتحة لخسارات صافية تأخذ منك ولا تعطيك سوى مشية عرجاء لا تستطيع التنقل بها مكتفياً بإقامتك في الinbox.
أنت تفنى على مهل هكذا والوقت الذي يذرف لأجلك. أنت تروح في تلاشيك، تروح في شرخ عميق في جدار البيت الذي صار خراباً. البيت الذي لم يعد بيتاً وأهله، أهلك الذين ذهبوا لاشيائهم ولم يعودوا منتبهين للولد الذي أدمن إقامته في الinbox زاهداً وقانعاً بما كان. الولد الذي صارت بينهم وبينه مسافة طويلة كالفراغ والموت. الولد الذي كان يكره المطر ويقف الآن مبلولاً تحته، وحيداً وفي البرد مثل جرو يتيم أعرج. الولد الذي بجيوب مليانة بالرمل. الولد الذي مثل قمح حزين. الولد الذي مثل ساعة عطلانه على حائط مائل ومشروخ. الولد الذي يتنفس الآن بصعوبة ومرهقاً من كثرة فشله في محاولات المرور وعبثاً بين شجرتين ملتصقتين. الولد الذي صار يكبو دائماً وينكسر. الولد الذي كفصلين دراسيين في مدرسة قروية بلانوافذ. الولد الذي بلا يدين صار ولم يعد قادراً على التلويح.

– جمال جبران