مزرعة لإنتاج أرقام الفساد – محمد بن محمد أنعم

مزرعة لإنتاج أرقام الفساد – محمد بن محمد أنعم

تظل دائماً الارقام تخضع لعملية مخاض طويلة لدى السياسي أو التاجر؛ أو في الدهاليز المظلمة لصفقات الفساد.. أما في السوق اليمنية فتحددها «شطارة المراجلة» ولا تخضع أرقام الاسعار لقانون العرض والطلب إطلاقاً.
فإذا كانت الأرقام كمعلومة لا تقبل الاجتهاد لأكثر من قراءة فإننا بذلك نكتشف ان المسؤولين في وزارة الزراعة والري عندما زودوا مسؤولاً كبيراً في البلاد بارقام زعموا فيها ان الوزارة لديها حوالى (3000) منشأة مائية.. فهذا يعني ان المفسدين قد انتقلوا من مرحلة ممارسة إفسادهم عبر اساليب التضليل والكذب على المواطنين إلى محاولة دخول مرحلة التضليل والكذب على كبار المسؤولين في البلاد على أمل أخذ تعميدهم لصفقات الفساد التي يرتكبونها وكضمان حماية لهم وتصريح بعدم اعتراضهم على ما يلحقونه بالمال العام من عبث لاحقاً…
اليوم وزارة الزراعة نفسها تعترف في مشروع «خطتها الخمسية الثالثة للتنمية والتخفيف من الفقر 2006-2010» (القطاع الزراعي) أن الاراضي المزروعة تصنف بحسب مصادر الري لعام 2004 كالتالي:
54 ٪ تعتمد على مياه الامطار.
34 ٪ تعتمد على المياه الجوفية «المستخرجة من الآبار».
8 ٪ تعتمد على مياه السيول.
3 ٪ تعتمد على مياه الغيول.
إذاً فنحن أمام حقيقة واضحة تؤكد أن لدينا نسبة 99 ٪ من مساحة الاراضي المزروعة في اليمن تروى بالمياه من المصادر المذكورة أعلاه.. ويبقى السؤال المطروح هو: هل مئات السدود والحواجز المائية والكرفان والتي زعمت وزارة الزراعة ان لديها منها 3000 منشأة وبلغت تكلفتها عشرات المليارات تصب مياهها في البحر أم في صحاري الربع الخالي؟ أم ان نسبة 1٪ تعد من انجازات هذه الوزارة العملاقة؟!
لكن، الشيء المسلم به أن المنشآت المائية تتكون من خرسانات وصخور وحديد وأسمنت.. وليس «همبرجر» حتى يلتهمها الناس.. ومهما يقال إلا أن هذه الارقام هي الحقيقة الفاجعة التي تعصف بأفئدة الناس والتي تكشف عن واحدة من نتائج السياسات التي يستغلها المفسدون من وراء فرض حالة الطوارئ على المعلومات وحظر تداولها وحركتها داخل المجتمع نظراً لما تقتضيه المصلحة العليا لهم وليس للوطن والمواطن.
حقيقة أن مثل هذه الارقام والمعلومات تثير الهلع لدى الانسان اليمني الذي يدرك ان مشروعات كهذه لا يمكن ان يخسرها الوطن، خصوصاً وأنها لا تدخل -عالمياً- ضمن عمليات المضاربة في سوق الأسهم العالمية التي تخضع للربح والخسارة.. إنما هذا هو الواقع ومن الحماقة ان يبحث المرء عن هموم إذا كانت الحقائق والأرقام مفرحة. فعلاً نتمنى أن تكون قلوبنا أقوى لتحمل فجائع الارقام وفضائع أفعال الفساد، فمرحلة الهدنة انتهت ومن المصلحة الدينية والوطنية ان نعرف هذه الحقائق مهما كانت مرعبة.. وأن تسببت للبعض بجلطة أو ذبحة أو ارتفاع في الضغط والسكر فذلك يهون، امام وباء الفساد الذي سيتشري اكثر ويهلك الحرث والنسل في البلاد إذا ما ظللنا صامتين.
فها هو صوت المؤذن ينادي للجهاد الأكبر.. وقد آن الآوان لأن نختار!