الآداب السلطانية – عبدالباري طاهر

الآداب السلطانية – عبدالباري طاهر

اهتم الفكر الإسلامي في عصوره المختلفة، وبالأخص في عصور الانحطاط، “بالآداب السلطانية”. فقد صنف ما يقرب من خمسين مؤلفا، وتحديداً، عشرين مؤلفا حول الآداب السلطانية. ابتداء من ابن المقفع فالجاحظ فابن قتيبة وصولاً إلى الماوردي فالمرادي المغربي، أول من افتتح هذا القول في المغرب، وصولاً إلى الإمام محمد بن علي الشوكاني والمفكر المهم على الوردي والسيد المجدد خاتمي و هادي العلوي. وقد أرّخت هذه الآداب لانقلاب الخلافة إلى ملك. وأسَّست في مراحلها الباكرة والوسطى للعلاقة المائلة بين السلطان والرعية. وجلها للأسف الشديد تؤكد على عصمة الإمام كما عند الشيعة، أو ماهت بين الله والسلطان كما عند السنة. وكلاهما: السنة والشيعة قد مازجا بين الدين والملك، وجعلا منهما وجهين لعملة واحدة وشرطين ضروريين للحياة الآمنة والمستقرة.
يشير كتَّاب الآداب السلطانية إلى الأثر الفارسي واليوناني في بناء الدولة العربية. ولا يشيرون من قريب أو من بعيد إلى تجربة الدولة في وادي الرافدين، والفرعونية في مصر، والسبئية و المعينية و الحميرية في اليمن، و مسميات متعددة في العراق والشام بما فيها الدول المتأخرة والمتأثرة بدول الجوار: المناذرة والغساسنة واللخميين الخ. و بعضها قد ترك بصمات و آثار واضحة في الحياة العربية، وقيام الدعوة الإسلامية “الإيلاف”، ودار الندوة، وفي أخبار وقصص القرآن الكريم، و كتب الملاحم و السير و التاريخ و ايام العرب، والذاكرة الشعبية، وكتاب “ملوك حمير” احد الشواهد كما هو الحال بالنسبة لكتاب “الشاهنامة”.
في مؤلفه “الآداب السلطانية” يشير الدكتور عز الدين العلام إلى: “انه يمكن العثور بسهولة على انعكاسات شتى لفكرة المماثلة الإلهية السلطانية، أو على الأقل تشبيه الحاكم السياسي بالذات الإلهية، فصاحب الواسطة يرى ان الملك خليفة الله في أرضه، الموكل بإقامة أمره و نهيه، قلده بقلائد الخلافة و آتاه من ملكه”. و يؤكد ابن ابي الربيع الفكرة نفسها بقوله: “و لما اجتمع الناس في المدن و تعاملوا و كانت مذاهبهم في التناصف و التظالم مختلفة، وضع الله لهم سننا و فرائض يرجعون اليها و يقفون عندها، و نصب لهم حكاما”. ويربط الغزالي ضرورة طاعة السلطان بكونه ظل الله في أرضه.
يورد البخاري في صحيحه، الذي تعتبره السنة اصح كتاب بعد القرآن الكريم، يورد الحديث التالي: “اسمعوا و أطيعوا و لو استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة”.
و يعلق الشارح ابن حجر العسقلاني في فتح الباري قائلا: “واما لو تغلب عبد حقيقة بطريقة الشوكة فإن طاعته تجب إخمادا للفتنة”.
وقد أجاز أهل السنة إمامة الفاسق و العبد والصبي. ويتمازج هذا الإرث مع بيئة تقليدية راكدة متخلفة وعشائرية. فيتآزر المعتقد مع “القوة” وهيمنة المقدس المكرس عبر: التعليم و الحكم و الأمثال و الوعظ، مما يجعل التمدين والدمقرطة والتحديث أمرا بالغ الصعوبة.
ولعل الانتخابات الرئاسية و المحليات في اليمن في سبتمبر الماضي قد أعطت مؤشرا واضحا لهذه الصعوبة. فقد انتصر الحكم الغلبة على ألوان الطيف المجتمعي والسياسي مما يدلل أنه (الحكم) أقوى من الشعب، وان الدولة رغم هشاشتها قوية بما يكفي لقهر أي قوى سياسية معارضة. ولا يستبعد ان تؤكد انتخابات البحرين النيابية هذه الحقيقة الفاجعة. فالديمقراطيات العربية لون من ألوان الدكتاتورية التي تحدث عنها السيد محمد أنور السادات بأن لها أنيابا اشد من الدكتاتورية.
ان مأزق الأمة العربية إضافة إلى إرث الاستبداد الوبيل هو التشظي العشائري والمذهبي والقطري، فالأمة العربية -ولإعتبارات عديدة و موضوعية- لم تكن الأمة الدولة؛ مما جعل دولها صورة من صور مجتمعات ما قبل عصر الدولة عكس ما فعلت الأمة الفارسية مثلا أو الدولة الأوروبية
ان المفارقة المدهشة ان الفكر “الاثني عشري” الذي، ولعدة قرون لم يطرح على نفسه سؤال السياسية أو الديمقراطية قد استطاع وفي زمن قياسي تجاوز غيبة الإمام إلى “ولاية الفقية” فالنيابة العامة عنه، التي طبقها بشكل خلاق ومبدع الإمام الخميني وكانت الثورة الإيرانية إحدى أهم تجلياتها.
وتستطيع الأمة الإيرانية الخروج من مأزق ولاية الفقيه التي تمثل قيدا على أسئلة الحرية و الديمقراطية و الحداثة. أما شعار “السلطان ظل الله في الأرض” عند السنة فملتبس و مراوغ. فهو يعطي قدسية دينية للحاكم ويماهي الذات السلطانية بالإلهية، ويجعل من الحاكم التجلي لإرادة السماء. ونلاحظ في الفكر السني تضافر القدر كمقولة أشعرية، مع إرادة الاستبداد. وقد استطاع الحكام الأمويون والعباسيون ومن تلاهم، حتى الاستعمار نفسه، اللعب بورقة القدر لإضفاء صبغة المشيئة الإلهية على أفعالهم المقبوحة وجرائمهم. وتبرير مظالمهم و أساليب حكمهم الجائرة بقضاء الله و قدره.
لا يستطيع احد التنبؤ متى تستطيع الديمقراطية العربية في مراكزها الرئيسة خلق تداول حقيقي للسلطة؟ وتغيير الحاكم أو الحكم بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع، والاهم المقدرة على تغيير السياسات و فرض الإصلاح الشامل كإرادة عامة للأمة تكمن الصعوبات في تحول المجتمعات العربية في امتزاج الأفكار البالية و العتيقة بتركيبة شديدة التعقيد و البدائية. فعندما يتمازج الفكر الديني بالمعتقدات العشائرية والقومية الشوفينية يتحول إلى ما يشبه المركب الكيماوي كتعبير المفكر العراقي التقدمي فالح عبد الجبار. وقد استطاع صدام بمهارة فائقة خلق هذا المركب الكيماوي بأكثر مما استطاع خلق السلاح الكيماوي المزدوج المزعوم. صحيح ان السنة والشيعة، يجمعان على الربط بين طاعة الله و طاعة السلطان و لكن السلطان في الفكر “الاثنا عشري” هو الإمام المعصوم الغائب المتحدر من نسل الحسين بن علي. و لكن غيبته التي طالت فرضت تفكيرا عمليا وواقعيا و هي نيابة الإمام.
أما السنة فبرغم اشتراطها للنسب القرشي إلا أنها وعمليا قبلت بالمتغلب أيا كان حسبه أو نسبه أو جنسيته، هو ما فتح الباب واسعا أما المتغلبين من كل حدب وصوب. و حسنا فعلت “سلسلة عالم المعرفة” بنشر كتاب الآداب السلطانية، لأن ظلال هذه الآداب ما تزال تفعل فعلها في حياتنا الفكرية والواقعية العملية. ويبدو ان الأمة العربية بمسيس الاحتياج لثورة ثقافية تدرس وبعمق أسس الواقع والفكر ومختلف ترسانة المفاهيم الضاربة الجذور في وعينا المجتمعي.