نافذة – منصور هائل

نافذة – منصور هائل

زفرة معتقل
 
ليعذرني الزملاء الاعزاء: كمال العلفي رئيس تحرير «الرأي العام» ومحمد الاسعدي رئيس تحرير «يمن أوبزرفر» واكرم صبرة مدير تحرير «الحرية» على عدم مبادرتي إلى الوقوف مع نفسي في وجه حملة السيوف المشرعة لجز رأسي من خلال التضامن معهم بمختلف اشكال التعبير: الاعتصام، الاضراب، الامتناع عن الكتابة، الصيام عن الكلام، وتأليب واستنفار الداخل والخارج لوقف المذبحة الجامحة بشراهة لم تعد تكتفي بكتم الافواه والانفاس، واغلاق الصحف، واختطاف الصحفيين وضربهم ورميهم في مقالب القمامة وفي البراري المتوحشة، بقدر ما غدت تنزع بعدوانية سافرة لشرعنة شطبهم وتصفيتهم من الوجود.
ليعذرني كمال والزملاء الذين حضروا إلى الزنازين واقفاص الاتهام، ليحاكموا بتهمة الاساءة إلى رسول الله, و هم الذين ارادوا الدفاع عن الدين الاسلامي الحنيف ورسوله الكريم عبر تقديم خدمة صحفية مميزة تنحو منحى النقد والدحض للفعل المشين الصادر عن صحيفة دانمركية مغمورة، ولا تستبعد الالتفات والاشارة لبعض تلك الصور القبيحة بقصد تأمين مشاركة فعالة من قبل جمهور واسع جدير بالخدمة الصحفية الراقية التي تحترم عقله، وتحفز يقظته الواعية وتبصره بحجم الفارق بين الوطن والهاوية، وبين حدود حرية التعبير وحدود احترام الاديان والمقدسات، والشعرة الرفيعة التي لا تكاد ترى حتى تفصل وتصل بين تلك الحدود التي ينبغي ان يترك امر تقريرها وتقديرها لـ«الجمهور» والقارئ ليحكم فيما يقرأ ويرى تبعاً لمنظار عين عقله، وبمنأى عن أية وصاية أو«فتوى» او تفتيش في الصدور والنوايا.
ولتصفحوا عني ايها الاعزاء: كمال، محمد، وأكرم؛ لأني خذلتكم كنفر كثير وكبير من الصحفيين -كان نقيب الصحفيين المستقيل في طليعة الخذلان- ولأني لم اقم بواجب زيارتكم في السجن ولم اقم بواجب الاحترام لنفسي، ولا بواجبي المهني والاخلاقي الذي يلزمني بحضور جلسات المحكمة ومتابعة وقائع «الموت المعلن» لخرافة الديمقراطية في اليمن، والكوميديا السوداء ونقلها إلى الرأي العام ليعلم بفداحة استشراء الارهاب (المعمم) والمدجج برؤوس «هيدرا» المتنافسة بضراوة على إنجاز القتل.
ولتكن صدوركم على رحابتها المعهودة كيما تعفوا عنا، فأنتم أكبر من أن تطالبوا ذوي الاجساد المعطوبة، المغلولة، المشلولة، والمعتقلة في داخلها ومن داخلها، بحركة أو حراك او بإنطلاق حر، وكتابة جسدية اثيرية.
فمن اين لجسد غير حر أن يمارس الاحتجاج من مبتداه إلى أقصى مداه وهو جسد أسير كما ألف واعتاد، وحبيس للزوايا والتكايا ولا تسري فيه سخونة الهمة والحماسة إلا في «المقيل» ومع «تخزينة القات»؟!
من أين لهذا الجسد المكبل ان ينهض في الصباح وان يعتصم من مطلع الشمس الى مغربها وانتم تعلمون انه حتى الشعب العظيم عندما قام بهبته الكبرى وانتفض في وجه الجرعة الاخيرة في النصف الاخير من العام الماضي.. نعم حتى شعبنا العظيم كان ينتفض بأعلى درجات عنفوانه إلى أن يحين موعد الانسياب القطيعي إلى سوق «القات»، وإلى «المقيل» وينقطع الاضراب، وتتعثر المظاهرة، وينام الاعتصام ويتوقف فعل التغيير بفعل هذا النفس القصير، وبعد استنفاد الانفعالات العارمة والعواطف الهادرة.
اعذرونا أيها الاعزاء، وصدقوني بأننا، فيما نفعل، إنما نتخلى عن انفسنا وعن شرطنا الانساني، وحقنا في حياة حرة وكريمة.
واخيراً.. هلموا بنا لنتضامن معكم ومعنا، ونتحرر من الاعتقال ونخرج من دائرة الخذلان والهوان والامتهان من باب تحرير الذات واستعادتها بابتكار وجهاد كبير ومتواصل ولا يعرف الانقطاع حتى عندما تدق ساعة: «قات»!