عبدالباري طاهر يكتب عن الحريات الصحفية في اليمن

عبدالباري طاهر يكتب عن الحريات الصحفية في اليمن

سلفاً لابد من الاعتراف بوجود هامش ديمقراطي لحرية الرأي والتعبير “الحريات الصحفية“.
هذا الهامش قد يضيق، وهو يضيق حقا منذ حرب 94. ولكن الأهم انه موجود.
الحريات الصحفية في اليمن ليست هبة من الحاكم إنها الشرط الموضوعي و الأساس الذي قامت عليه دولة الوحدة في ال22 من مايو 90.
فقد كفل دستور دولة الوحدة والتعديلات المتكررة حرية الرأي و التعبير المادة 42: “لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتكفل الدولة حرية الفكر والإعراب عن الرأي بالقول والكتابة والتصويت (في حدود القانون).
و الواقع ان نقطة الضعف الخطيرة في النص الدستوري الإحالة إلى القانون.القانون 25 لسنة 90 نص في المادة 3 على حرية المعرفة والفكر والصحافة و التعبير. والحصول على المعلومات حق من حقوق المواطنين لضمان الإعراب عن فكرهم بالقول أو الكتابة أو التصوير أو الرسم أو بأي وسيلة أخرى من وسائل التعبير. وهي مكفولة لجميع المواطنين وفق أحكام الدستور، وما تنص عليه أحكام هذا القانون. وتنص المادة الرابعة على: “الصحافة مستقلة تمارس رسالتها بحرية في خدمة المجتمع، وتكوين الرأي العام عن اتجاهاته بمختلف وسائل التعبير في إطار العقيدة الإسلامية والأسس الدستورية للمجتمع والدولة، وأهداف الثورة اليمنية، وتعميق الوحدة الوطنية. ولا يجوز التعرض لنشاطها وفقا لأحكام القانون”.
أما المادة الخامسة فتنص على: “الصحافة حرة فيما تنشره، وحرة في استسقاء الأنباء و المعلومات من مصادرها. وهي مسؤولة عما تنشره في حدود القانون”. وتدعو المادة السادسة إلى “ حماية حقوق الصحفيين والمبدعين، وتوفير الضمانات القانونية اللازمة لممارسة المهنة. وحقهم في التعبير دون تعرضهم لأي مساءلة قانونية يكفلها القانون مالم تكن بالمخالفة لأحكامه”.
هنا نجدنا أمام نص دستوري _ مهما اكتنفه من قصور وإحالة إلى قانون – ينص صراحة على حق المواطنين في التعبير عن الرأي. كما ان القانون أيضا رغم إحالته إلى أهداف ومبادئ الثورة و الوحدة والخ…، فان الأهم انه نص صريح في حق التعبير عن الرأي وكفالة التعددية الصحفية. نحن أمام خطاب أو تشريع مزدوج ( يتيح ويمنع في آن واحد) فهو ديمقراطي ولا ديمقراطي في آن. لأنه يأخذ باليسار ما أعطى باليمين.
فقد اشتمل القانون المنوه به على مواد عقابية ومجرمة عديدة. وفرض قيوداَ على حرية الرأي و التعبير تصل تخوم الخنق.
مع ذلك ظللنا ننظر إلى هذا القانون كمنجز رائع لأنه أتى عقب نظامين شموليين أو بالأحرى دكتاتوريين في الشمال و الجنوب. ونص على حرية الرأي و التعبير.
والواقع ان دولة الوحدة نومت المواد القامعة في غمرة ربيع صنعاء وعدن 90.
حرب صيف 94 ايقظت كل عفاريت القمع في الحياة السياسية. فقد أعادت الدولة المزهوة بالحرب صياغة العديد من القوانين. ومنها قانون الأحوال الشخصية، و المظاهرات والانتخابات. كما جرى تعديل متكرر للدستور.وكلها إلى الأسوأ طبعا. حاولت الحكومة أكثر من مرة تعديل قانون لتحمي الحكومة من الصحفيين كتعبير نبيل الخوري نائب السفير الأمريكي. ولكن الصحفيين رفضوا كل المحاولات البائسة لسن قانون يقمع الحرية الصحفية. ويلتف على التعددية. والاهم ان ألوان الطيف الصحفي في صنعاء وعدن وحضرموت رفضوا سن قانون للصحافة. وطرحوا محددات لن يقبل بها الحكم. وفي حين تصر الحكومة على استمرار التلويح بعصا مشروع القانون الجديد فإنها مستمرة في معاقبة الصحف والصحفيين بالقانون 25 لسنة 90. وهو قانون مفتوح على القوانين العقابية الأخرى. قانون العقوبات، قانون الإجراءات الجزائية، القانون المدني، قانون الوثائق،وقانون المرافعات بموجب المادة الأولى فقرة “1” من الفصل الثاني للأحكام الجزائية. كما ان القانون في المادة رقم “3” من الفصل إياه يعطي للحاكم الحق في توقيع عقوبة تكميلية حددها بالمنع من مزاولة المهنة لمدة لا تزيد على سنة.
لم تكتف الدولة بتفعيل الجوانب العقابية في ترسانة فوانيين القمع بما فيها “حكم الجلد”. وتوقيع أكثر من عقوبة في مخالفة رأي. بل ذهبت ابعد من ذلك، فقد جرت عشرات الاختطافات والاعتقالات الصحفية. كما جرى إخفاء كثيرين، والاعتداء بالضرب، والتهديد بالموت.
وفي بلد كاليمن تحتل فيه الأمية مساحة أكثر من 60 % في صفوف الرجال وما يقارب 80 % في صفوف النساء فان حرية الصحافة تظل الوسيلة الوحيدة للتعبير الأمين و الصادق عن التعددية السياسية و الحزبية. وتظل أيضا الصحافة المقرؤة المحاصرة بالأمية الأبجدية والمعرفية، وبقضاء فاسد ومتخلف وغير كفؤ ولا نزيه ولا مستقل وبوسائل، وأساليب قمع تبدأ من الجرجرة إلى المحاكم وتوقيع أكثر من عقوبة بما فيها السجن و الجلد ووصولا إلى الإخفاء والاختطاف والانتهاء بالضرب والتهديد بالقتل. تظل مسؤولة عن حماية نفسها وحماية مجتمعها من الفساد و الاستبداد، والدفاع عن الهامش الضيق والمحدود للحريات العامة والديمقراطية. فالصحافة والصحفيون لا يدافعون عن حرياتهم فقط، وإنما يدافعون أيضا عن حريات وحقوق مجتمعهم. ومنذ نهايات حرب صيف 94 أصبحت الصحافة ميدان المواجهة الأكثر حدة. وتحملت صحف المعارضة والأهلية المستقلة عبئ وتبعات هذه المعركة الضارية. وكانت النتائج جد وخيمة ضد الدولة والصحفيين. فبمقدار اشتداد الفساد وتعاظم الاستبداد ارتفعت نبرة وحدّة الانتقاد. وتصدى الصحفيون الشبان للإشارة بأصابع ضوئية إلى توريث الفساد والاستبداد و السطو على الدولة والمال العام وأراضي البلاد والعباد.وكانت الصحافة المقروءة هي الوسيلة والسلاح الوحيد في ظل تجريم أساليب النضال السلمي الديمقراطي. كالإضرابات والمظاهرات والمسيرات الاحتجاجية والسلمية. وتحريم تعددية وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية في جهاز الدولة التي تحتكر هذا النوع من الصحافة وتحرس “الترخيص” للصحافة المقروءة بقيود وشروط ما انزل الله بها من سلطان.
دفع الصحفيون ثمنا غاليا للدفاع عن حرياتهم وحريات شعبهم. وبالغت الدولة في القمع المشرعن والمنفلت من العقال مما أسهم في نقلها من دولة ديمقراطية ناشئة تهيئ لقيادة الديمقراطيات الناشئة عالميا وتحتل مرتبة متقدمة في بلدان الهامش الديمقراطي إلى دولة قامعة وتنافس على الصف الأمامي في بلدان مصادرة حرية الرأي. واسهم إلى جانب الفساد في حرمان اليمن من الولوج إلى صندوق الألفية وتخفيض المساعدات الدولية.
لقد أظهرت الأحزاب عزوفا عن خوض غمار النضال الديمقراطي. ولوحت الدولة بتجديد وتنويع أسلحة المواجهة والقمع وغابت التعددية في الإعلام الرسمي المحتكر للحكم. وبقيت الصحافة الأهلية والحزبية “المقروءة” إلى جانب بعض مؤسسات المجتمع المدني ضحية المواجهة شبه اليومية، تفريخ الأحزاب وتزييف واستنساخ الصحف، وقمع المعارضة هي العدوان البارز لمرحلة ما بعد حرب 94 وكانت الأعوام 2004،2005، معركة الصحفيين ونقابتهم هي العنوان الأبرز حتى ليخال المرء ان معركة الفساد والاستبداد في جانب والصحافة والصحفيين في الجانب الآخر.
لم يكن الصحفيون العاملون في الصحف الحكومية والحزب الحاكم بعيدين عن المعركة –معركة الدفاع عن الحريات؛ فقد وقف غالبيتهم إلى جانب رفض “مشروع قانون الصحافة” الوائد للحريات الصحفية.كما تنادوا لإدانة وتجريم الاعتقال والاختطاف والضرب لرفاقهم. وتعرض الكثيرون منهم “للأذية”.
الجوانب اللاديمقراطية والقامعة في القانون لم تكن كافية لزجر الصحفيين وإسكاتهم شأن التطبيق المتعسف لهذه الإجراءات، إضافة إلى تخلف القضاء وفساده. وممارسات “إرهابية” تقوم بها أدوات خفية تتوالى منذ حرب 94 ولم يتم القبض على احد. فكلها تسجل ضد مجهول.