ديكتاتورية صدام أم ديمقراطية العم سام – محسن العمودي

ديكتاتورية صدام أم ديمقراطية العم سام – محسن العمودي

بتصرف ونقلا عن الأستاذ “علي الصراف” احد ابرز الكتاب المعارضين للرئيس صدام أثناء حكمه، وردا على مروجي الاستعانة بالخارج انقل إليكم هذا المقال مع بعض الاختصار ليتواءم ومساحة العمود الأسبوعي، يعنون الصراف مقالته بعنوان “رسالة اعتذار إلى ديكتاتور رائع” ويستهله قائلا:
الكتابة إليك، في أي وقت آخر، كان يمكن أن تكون موضوعا لسوء الفهم. ولكن بما انك سجين، فما من احد يستطيع اتهامي بالسعي للحصول على “كابون نفط” ولا على سيارة مرسيدس من تلك التي كنت تشحنها لكل كويتب يمتدحك.
في الواقع، فعندما كانت تنهال عليك المدائح وقصائد الشعر والأغاني والأهازيج، وعندما كانت طلعتك تشكل بمفردها مناسبة للبهجة والاحتفال، كنت واحدا من معارضيك. وكنت لا استهين بسياساتك القمعية وحدها، ولكنى كنت أسخر حتى من اللغة الملتوية التي تستخدمها للتعبير عن أفكارك والتي كان “المثقفون” العراقيون من موظفيك يعتبرونها قمة العبقرية. كل شيء فيك كان يثير حفيظتي وخوفي. كنت أرى السلطة، لا المشروع. الغطرسة لا المعني. الفرد لا المجموع. وبطبيعة الحال… القسوة والعنف لا العنفوان والقوة. وإذ جعلت الفاصل بين العراق وبينك صعباً، فقد زادت الهوة حتى صرتُ، كالكثيرين، مغتربا قبل أن أهرب لأبحث عن وطن آخر أقل وحشية.
لقد غادرتُ العراق منذ أن أصبحت رئيساً. كنت أقول، ممازحا، إن هذا البلد لا يمكنه أن يتحملنا معاً. فإما أنا وإما أنت. وكنت ما أزال شابا، فيه من الحماقة أكثر مما فيه من النضج. وفيه من الجهل أكثر مما فيه من المعرفة. وبطبيعة الحال، فقد كنت أقول “… ومن أنت؟”
الآن فقط، أشعر كم أن كلاما مثل هذا، قاس ومروع. والآن أقول بخجل “… ومن أنا؟”.
كان نظامك في نظري وحشيا في عنفه، بل وذا طبيعة نازية أيضا، إذا أخذت بعين الاعتبار شموليته وسطحيته وتعاليه. ما من طبع من “طبائع الاستبداد” إلا وكان ظاهراً في ظل سلطتك. وبالحشد الهائل من أنصاف الأميين الذين كانوا يلتفون حولك، فقد كان من المستحيل حتى على الأشياء الحسنة التي فعلتها، وهى ليست قليلة، أن تحتفظ بقيمتها أو أن تتحول إلى شيء يمكن البناء عليه.
سهلٌ جدا القول، إن هؤلاء كانوا هم السبب في تحويلك إلى فرعون متجبر، أو إنهم هم الذين يتحملون جملة الأخطاء التي ارتكبت في هذا الشأن أو ذاك. ولكن ذلك لا يعفيك أبدا من المسؤولية عنهم. فقد كنت أنت نفسك تفترض أن “أهل الولاء” يجب أن يكونوا أقرب إليك من “أهل الخبرة”. ولا شك لدي بأنك تعرف جيدا الآن، بأن غباء وتهافت “أهل الولاء” هو آخر ما يفيد لحفظ سلطة أو لتحقيق أي هدف. إنهم مثل العسل المسموم، لذيذ في مذاقه، مدمر في عواقبه. في حين كان يمكن لـ”أهل الخبرة” أن يكونوا مثل العلقم الشافي، قد يقولون كلاما مُرا ولكن نقدهم يبني. بيد أني، وانأ انظر لعراق السبعينات والثمانينات من هذا المرتفع الزمني، أدرك انك كنت تعمّر شاهقا. كانت لديك رؤية خارقة لما يجب أن يكون عليه عراق المستقبل. أشعر انك كنت عراقيا أكثر من ملايين العراقيين. قسوة نظامك حالت دون أن نرى ما كنت تراه، ربما، ولكنك كنت تمضى قدما.
عندما كانت قواتك تضطهد الأكراد، حملتُ السلاح لأقف إلى جانبهم. لحسن الحظ، كان سلاحي الرئيسي هو قلمي. أما سلاحي الآخر -مسدس ذو سبع طلقات-، فقد كان ابعد ما يكون عن أن يشكل خطرا على أي احد، أكثر من خطره على نفسي. كنت أريد أن استخدمه للإنتحار، لكي أتحاشى الوقوع بين أيدي أجهزة مخابراتك. وبما أنى كنت ضحية تعذيب سابقة على يد احدي تلك الأجهزة، فقد كنت، وما ازال أدرك، أن الموت أرحم مائة مرة من التعذيب. وكنت كثيرا ما أسأل:
هل كان من الضروري أن تكون قاسيا إلى تلك الدرجة؟
هل كان يجب التضحية بكل أولئك البشر لكي تقيم عراقا آخر موجوداً في مخيلتك؟
هل كان من الصحيح أن تقيم نظاما شموليا يُعدّ على الناس أنفاسهم؟
كلنا يمكن أن نتفلسف في تقديم الأجوبة. وأجوبتنا غالبا ما تكون قاطعة وحاسمة.
اليوم، ومن مرتفع الخراب الذي يحل بالعراق، فما من جواب يصلح أن يكون جوابا.
الشك، والحيرة المليئة بمشاعر الخزي، هي جوابي الوحيد.
ربما كنا نستحق كل ما كنت تفعل.
عندما تنظر اليوم إلى اللصوص الذين ورثوا سلطتك، والخونة الذين امتطوا دبابات الغزو ليركبوا على ظهر العراق، والطائفيين الذين يقتلون الناس بالجملة، والمجرمين الذين يمارسون أعمال التعذيب، ألا يخطر لك أن تسأل من أي “سبتيتنكـ” بالوعة- خرج كل هؤلاء الوحوش والمشوهون؟
ثم، ألا يخطر لكل معارض ذي ضمير أن يسأل، من أي خزي جاء كل هؤلاء النصابون، من أي غابة خرجوا، لينهبوا ويدمروا ما كان يفترض انه بلدهم؟
وهل بقى أي شرف في القول “إنى كنت معارضا”.
أنظر إليهم، وسترى أنهم العار مجلجلا بعينه.
يا سيدي، يستطيع أي منا أن يقول إن الدكتاتورية لا تبنى وطنا. ومجتمع الدكتاتورية هو بطبيعته خراب يغمره العفن. ووحدته الزائفة ليست سوى غطاء مهلهل لشروخ وتمزقات وتشوهات إنسانية وأخلاقية لا سبيل إلى حصرها.
أنت مسئول عن الكثير مما آل إليه حالنا.
ولكن، في غمرة الشك، ربما كان من الجائز أن نسأل عما إذا كان العراقيون أنفسهم أقل أهلية ليكونوا بمستوى الرقى الذي كنا نزمع إننا نأتي منه.
الوحشية ربما كانت وحشية العراقيين أنفسهم أيضا. أخلاقياتهم وقيمهم المزيفة ربما كانت هي نفسها السبب في أن تجعلك ديكتاتورا. وإلا فما الذي يجعلهم اليوم، مثل الذئاب ينهشون لحم بعضهم بعضا. وكيف يجوز لهم التواطؤ مع مجرمين وخونة ولصوص، ليس لتغيير نظام بل لسحق العراق برمته وتمزيقه وتدميره. أتراهم “وطنيون” بأي معنى من المعاني؟ هل لديهم شرف أصلا؟
منذ متى أصبح الشيعي يقتل السني؟ كيف، وثلاثة أرباع الزيجات بينهم مختلطة؟
أهذا عراق أم مزبلة؟
الكثير من العراقيين يستطيعون أن يروا اليوم أن نظامك -الدكتاتوري جدا- استطاع في غضون ستة أشهر بعد انتهاء الحرب مع إيران أن يعيد بناء كل ما تهدم من البنية التحتية، وربما بالقليل جدا من التكلفة. بل إن أعمال الأعمار والتنمية لم تتوقف أصلا أنظر إلى مرحلة “ما بعد الدكتاتورية”، فماذا ستري؟
عشرات المليارات من الدولارات من أموال النفط التي احتجزتها الأمم المتحدة ضاعت بين اللصوص وأحزاب الاحتلال وشركاته. وما من شيء يعمل. عراق الجعفري والحكيم والجلبي وعلاوي والطالباني والبارزاني وصولاغ وخرازادة ليس سوى مرآة لانحطاط ثقافتهم ومستواهم الأخلاقي المتدني. لقد صنعوا بلدا يشبههم تماما؛ بلدا أسوأ من أسوأ برميل قمامة؛ بلدَ لصوص ومجرمين وقتلة، لأنه الوحيد الذي يسمح لهم بالثراء، والوحيد الذي يمنحهم الفرصة لتقاسم حصص النفوذ والسلطة، ولأنه الوحيد الذي يجعل دناءتهم وخستهم شيئا يتوافق مع أخلاقيات الديمقراطية كما يتصورها نازيو البيت الأبيض. ولأنهم كثر، فقد كان من المناسب أن يتحول كل منهم إلى تاجر حرب، أو تاجر ديمقراطية -لا فرق- وان يجلس كل واحد منهم على تلته الخاصة ليرى من خلالها نفسه “زعيما” و”قائدا” و”مرشحا” لجميع المناصب الممكنة وغير الممكنة.
في وقت من الأوقات،اشتهر العراقيون بسحل المعارضين، كان ذلك تعبيرا عن وحشية خالصة. ويستطيع المرء أن يفهم من أين جاءت دكتاتوريتك بفظائعها الجليلة.
ولكن بالشك نفسه، وبمشاعر الخزي المحيرة، صار يحسن التساؤل: هل يكفى السحل لطيّ صفحة العار الذي يمثله هؤلاء؟ أم هل يكون من الأفضل استخدام أسلحة كيميائية؟
دكتاتوريتك ربما كانت مشكلة لبعضنا، ولكنها لم تكن هي المشكلة بالنسبة لصهاينة واشنطن ولندن.
في الواقع، لم يفعل أولئك الصهاينة شيئا أكثر من دعم الدكتاتوريات… على طول الخط.
هل هو النفط إذن؟
المسألة تقبل الجدل. الهيمنة على ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم، إغراء استراتيجي كاف. وبالنسبة لشركات لصوصية ونهب يشرف عليها مسئولون كبار في الإدارة الأمريكية، فإن شيئا من ذلك الإغراء الاستراتيجي كان إغراءً على المستوى الفردي أيضا.
ولكن النفط مبذول. وفى النهاية، فإنه سلعة للبيع. وشراؤها، والتحكم بأسعارها، ممكن باحتلال أو من دونه.
المشكلة الحقيقية هي انك كنت تريد أن تحوّل العراق إلى قوة إقليمية. قوة تقف شوكة في خصر إسرائيل. قوة ردع نووية مستقلة. قوة لا يعود بوسع الولايات المتحدة أو بريطانيا أن تمارس ضدها سياسات “البلطجة” التقليدية.
قوة كهذه، في موقع العراق الجغرافي، كانت ستعنى الكثير جدا بالنسبة لاستراتيجيات الهيمنة الغربية، والكثير جدا بالنسبة لتطلعات إسرائيل الاقتصادية في المنطقة ولنظرتها الخاصة لعملية السلام، بل ولوجودها نفسه. لم تكن دكتاتوريتك هي المشكلة، ولا انتهاكات نظامك لحقوق الإنسان، بل أسلحتك للدمار الشامل.
كنت تريد أن تبنى وطنا قويا وأمة حرة. وكنت تطالبنا بالولاء الأعمى، لأنك كنت تنظر إلينا ليس من حيث نقف، بل من حيث ترى نفسك في أعلى نقطة.
نحن لم نر. ولكنهم كانوا يرون، وكانت فرائصهم ترتعد من المستقبل الذي تقترحه على هيمنتهم وغطرستهم واحتلالهم.
الآن، نستطيع أن ندرك، أنت وأنا، لماذا جلبوا لصوصا وإمعات ليحكموا العراق بعدك، ولماذا أشاعوا الخراب في كل جزء من أجزائه، ولماذا يغتالون علماءه وأساتذته وخبراءه، ولماذا أحرقوا المكتبة الوطنية ونهبوا المتحف الوطني، ولماذا دمروا بنية البلد التحتية ولم يعيدوا إعمارها، ولماذا مزقوا بين العراقيين على أسس طائفية وعرقية، ولماذا نهبوا أمواله وثرواته، ولماذا يزمعون دفعه إلى هاوية حرب أهلية، ولماذا يرفضون الانسحاب قبل أن “يكملوا المهمة”؟
سيدي الرئيس، لقد أخطأت كثيراً وأصبت كثيراً. ولكنك كنت دكتاتورا رائعاً. أما أنا، فقد كنت على خطأ دائما
وانأ اعتذر أعتذر.. وأبكى من مقلتي دماً على عراق أضعناه كما لم نُضِع بلدا. انتهى.
فبعد ما تقدم أما آن لمروجي الاستعانة بالخارج ودعاة الخروج على الشرعية الدستورية أن يصمتوا، مع الأخذ بعين الاعتبار لوجود الكثير من المآخذ والملاحظات على بعض السلوكيات إلا انه لا يمكن أن تعالج إلا بالتوافق والاتفاق.
[email protected]