حرس الحدود السعودي والمهربين اليمنيين.. علاقة في الظل – بشير السيد

حرس الحدود السعودي والمهربين اليمنيين.. علاقة في الظل – بشير السيد

* علاقة مصالح وصداقة تخطت الحدود بين المهربين وحراسها
 
 
تعتقد الجهات المانحة ومعها السلطات السعودية أن رصد مزيداً من الدعم لبرامج مناهضة الهجرة غير الشرعية سيحد من عملية تسلل عشرات الآلاف من اليمنيين سنوياً إلى المملكة.. لكن ثمة علاقة سرية جداً هناك بعيداً عن الأنظار في الحدود المتداخلة، بين المهربين اليمنيين وحرس الحدود السعودي.
إنها بلا شك علاقة مصالح هي الأخرى متداخلة،  تعلن عن نفسها بالدماء.
 

* بشير السيد
[email protected]

بقدر من الحظ لم يكن فيصل الصنعاني في عداد الموتى. قد يعود إلى منزله في قرية «مبخرة» الحدودية في مديرية حرض خلال الاسبوعين القادمين. لكن من غير المرجح أن ينسى أول عيد يمضيه على أحد أسرة قسم رقود الرجال في مستشفى حرض العام، والذي يستلقي عليه منذ الرابع عشر من رمضان، عندما اصيبت رجله اليمنى بكسر (في الركبة) على يد اصدقائه من حرس الحدود السعودي.
فيصل (35 عاماً، وأب ل:محمد، وعناء) من الذين يعملون على نقل المتسللين اليمنيين إلى الأراضي السعودية.

العبور الى عمق غير مرئي
يعتزم عقب شفائه والتئام جراحه تقديم شكوى بالجنديين السعوديين إلى قائدهما، يقول أنه منذ أن تعرف على هذين الجنديين (سلطان وسعيد الزهراني) من حرس الحدود السعودي لم يسبق لهما أن قاما بأخذ أي شيء من اغراضه دون موافقته خلال الست السنوات السابقة، وهو ماحدث لأول مرة، ورفضه فيصل في الرابع عشر من رمضان أثناء قيامه بعملية نقل احد المتسللين. كان كعادته يحمل علاقية القات معه، «اخذوا حقي القات ووضعوه في السيارة حقهم وأنا ما قبلتش وقمت بأخذه بالقوة وتحركت فطلبوا مني التوقف فما عبرتهمش فسمعت الرصاص فهربت فمسكوا الزبون حقي (المتسلل) وقاموا بمطاردتي بسيارة الجيش وصدموني في رجلي اليسرى». لكنه، حد قوله، تمكن من النهوض وحاول الفرار مجدداً فلحقوه وانهالوا على رجله اليمنى بالضرب «بصميل بوليسي» مصنوع من الخشب حتى كسرت رجله من الركبة.
فيصل اراد برفضه إعطاء حرس الحدود السعودي علاقية القات الخاصة به أن لا يعتادوا على أخذ حاجياته متى شاءوا، حسب قوله. ويستغرب من ردة فعلهم التي لم يتوقعها فهم اصدقاؤه منذ ست سنوات ولطالما قام بشراء العشاء لهم وأي اغراض يطلبونها منه، وغالباً ما يدفع الحساب «حتى يسكتوا ويجعلوني استمر في عملي». كما أنهم كانوا يساعدونه ولا يعترضون طريقه. ويكشف فيصل عن وصول 800 ريال سعودي بعثها هذان الجنديان له، لكن «أبيت. غرامتي في المستشفى اكثر من 250 ألف ريال يمني».
هو مصرّ على تقديم شكوى بهما بعد أن صارت الشكوى عادة له وزملائه العاملين في نقل المتسللين مما يوحي بتجاوز العلاقة إلى أبعد مما نتصور. ويصب لعناته على القات والجنديين كلما تذكر أن موسم التهريب هذا العام سينتهي دون أن يستفيد منه كما في الأعوام السابقة التي حقق فيها أموالاً وفيرة استطاع بها مواجهة ايام القحط التي ستعود عقب الموسم الذي سينتهي في ذي الحجة (كانت «النداء» قد تناولت ذلك في العدد الماضي).
 
الدماء تتجدد
فيصل من المهربين القلائل الذين تعرضوا لاعتداءات جسدية فالكثير ممن يختلفون مع حرس الحدود السعودي يتعرضون لطلقات نارية، كما يفيد مدير مستشفى حرض العام أيمن مذكور، الذي قال إن المستشفى يستقبل في الشهر من حالة الى حالتين من الحالات المصابة بإطلاق ناري. وأكد أن غالبية الحالات التي وصلت إلى المستشفى شفيت، ومنها: «ن.ج» (46عاماً) هو الآخر من ابناء منطقة مبخرة، تعرض قبل 9 أشهر لطلق ناري في رجله اليمنى من قبل أحد حرس الحدود السعودي عندما اختلف معه اثناء ادخاله كمية من القات إلى الأراضي السعودية وكان المبلغ الذي اعتاد الجندي اخذه منه غير مكتمل، لكنه يقول: «المسامح كريم والمعيشة صالحت بيننا». لقد تصالحا من اجل المصلحة، هكذا تبدو الصورة في الحدود: مصالح مشتركة لكنها في الظل، لا يكشف عن تفاصيلها سوى الدماء. فكثير من المهربين يعتبرون تغاظي حرس الحدود السعودي عن اعمالهم ناتجاً عن تقدير لظروفهم المعيشية الصعبة.
 
لا حاجة للتنكر
يجب علىالزائر لمدينة حرض أن يتخلص من جميع العُقد قبل دخوله هذه المدينة الرافضة لاتفاقية سايكس بيكو، والمعتنقة للعولمة. كما أنها مدينة تخلو من مظاهر الانتماء لدولة سوى في سندات الرسوم والتحصيل في جمرك حرض.
ولا يحتاج اكتشافها ارتداء زي أهلها (فوطة أو معوز وفنيلة داخلية نص كُم) وكذا إخفاء آلة التسجيل والكاميرا ودفتر الملاحظات كما نصحني الزميل احمد القرشي المنتمي لهذه المدينة التي تنقطع فيها الكهرباء (التابعة لبعض التجار) كل خمس دقائق، كما أن مشاريع وايت الماء من المشاريع التي كتب لها النجاح في هذه المنطقة، وكذا الدراجات النارية.
يومان في مدينة حرض، كافيان لاشباع كثير من الفضول الصحفي الذي سيدرك أن الجوع ليس السبب الوحيد وراء استمرار ظاهرة التهريب، فتواطؤ الاجهزة الامنية اليمنية والسعودية قد يشكلان السبب الرئيسي.
 
عشش تنام على الحداثة
على خط العجائز شرق جمرك حرض نلحظ عششاً متباعدة هي لأهالي قطنوا هذا المكان فهو أحد خطوط التهريب. وسيبدو لافتاً حجم التناقض في الصورة فغالبية القاطنين في هذه العشش التي توحي بمدى فقرهم يركنون سيارتهم الفارهة بجوارها كما أن لهم من المغامرات ما يترك آلاف التساؤلات.
فهذا محمد (26 عاماً) يتحدث عن قصة هروبه من السجن السعودي (سجن شرطة جيزان) في الخامس والعشرين من شعبان الفائت أي قبل اللقاء به ب21 يوماً، قال: «سجنت في سجن شرطة جيزان شهرين بتهمة لفقها ضدي ضابط سعودي معروف معي»، ويبتسم بالنصر: لقد تمكن من الفرار دون أي مساعدة كما يدعي.
محمد الذي عرفنا من مصادر مطلعة أنه اتُهم بتهريب مواد محرمة للأراضي السعودية لم تفلح تأكيدات الأمن اليمني في إخراجه من سجنه في السعودية بمذكرات تفيد بعدم تورطه في هذه الأعمال وأنه حسن السيرة والسلوك. لكنه يكشف أن الضابط السعودي الذي حبسه بدون دليل كان حينها في خلاف معه. ويؤكد أنه لا يعمل سوى بتهريب الدقيق من الأراضي السعودية إلى اليمن إذ يجني بعد الكيس الواحد ما معدله 1000 ريال يمني. ويضيف وهو يستقبل رسائل الـ«GSM» في هاتفه الزلزال أنه احياناً لا يستفيد من بعض عمليات التهريب.
وكان ابو محمد، وهو الآخر يصب اللعنات على حرس الحدود السعودي الذين قتلوا عليه 7 حمير كان يستخدمها بتهريب الدقيق، فخوراً بعودة ابنه ويقول: «تهريب الدقيق هي شغلنا الوحيد» منذ كان طفلاً. كما أنها حرفة أورثها لابنائه الصغار الذين يجهل اعمارهم والذين يبدو أن اصغرهم لا يتجاوز الخامسة. وهذه هي مأساة أطفال حرض الحدودية فهم يقضون طفولتهم على الحمير ويعملون في تهريب الدقيق وهم أكثر الذين يضبطهم الحرس السعودي ويقوم بترحيلهم ليستقبلهم مركز حماية الطفولة الذي بدوره يسلمهم لأهاليهم.
 

ينبغي إعادة النظر
خالد محمد قاش (12 عاماً) من ابناء منطقة الخدور، المشهورة بأطفالها العاملين في تهريب الدقيق وكذا من المناطق التي يفضل كثير من مهربي الاطفال والنساء استخدام اراضيها الحدودية للتسلل. مضى عليه في مركز الطفولة قبل اللقاء به في ال16 من رمضان، ثلاثة ايام. لقد أُمسك به في الحدود وتم ترحيله. يقول إنه يعمل في تهريب الدقيق منذ سنتين ويتقاضى مقابل تهريب كيس الدقيق 500 ريال يمني.
ويضيف أنه يعمل لحساب أحد المعاريف في المنطقة كما يؤكد أن مئات من أطفال منطقته يعملون في هذه الحرفة.
ويتحدث عن المشاكل التي يتعرض لها هو ورفاقه أثناء عمله، وبلهجته التهامية يقول ان الحرس السعودي احياناً «يضربوك يكسروا صوابيعك ويسجنوك ويرموا الحوامر (الحمير)». ويذكر قاش إن «الهزازي والحسني» جنديان سعوديان هما من يقومان دائماً بالاعتداء عليهم.
قاش، الذي صبغت اشعة الشمس لون شعره بالأحمر وكذا كثير من اطفال منطقته المتواجدين في المركز، ينتظر وابن خاله قدوم والده لأخذهما.
يظل تهريب الدقيق، برغم ما يتعرض القائمون عليه من خسائر، مصدر الرزق الوحيد لأهالي المنطقة الحدودية. وهي حرفة يؤكدون على الاستمرار فيها، الأمر الذي يوحي بأن مكاسبهم منها تفوق حجم الخسائر، وهو ما يسلط الضوء من جديد على وظائف حرس الحدود اليمني قبل السعودي. فمن غير المحتمل ان تقع المسؤولية على عاتق اليمن وحدها؛ إذ على السلطات السعودية أن تعيد النظر في حدودها من الداخل.