حرض.. مقاومة الجوع بالتهريب – بشير السيد

حرض.. مقاومة الجوع بالتهريب – بشير السيد

كانوا شاحبين، إلتصقت رمال الصحراء بجلودهم المبلولة بالعرق، تكوموا ضمن مئات آخرين جائعين ومرضى يجلسون في الصحراء الحارة على بعد أمتار من «محرقة» (إحدى القرى السعودية) يتوسطون نقطتي حرس الحدود اليمنية والسعودية، ينتظرون جنوح الليل ليبدأوا بالتسلل إلى الجوار. لا يملكون شيئاً، ويتذكرون جيداً عجزهم عن توفير ما يسد رمق اخوتهم الصغار.
أحمد سيف (22عاماً)، خريج ثانوية ويتحمل مسؤولية أسرتين، يقول: «إنه لأمر محزن هذا الذي يحدث لنا». فقد سبق له ورفاقه أن احبطت محاولة لتسللهم قبل يومين من لقائي بهم، وتم ترحيلهم إلى اليمن، وهم الآن في الحدود مجدداً يعيدون المحاولة بعد يوم من السير على الأقدام من منطقتهم (الحسينية – الحديدة). إنهم لا يستسلمون.
كان يرسم أشكالاً في الرمل غير مفهومة، رأسه منحن وبجواره قارورة ماء وكيس يحتوي على قطع من البسكويت، قبل أن يقول بصوت متقطع: «لو حصلنا على فرصة عمل هنا وبأي أجر، أقسم بأني لن أقبل على نفسي الهوان والذل».
 إلى جواره يجلس إبراهيم (18 عاماً)، في الجهة اليمنى لتلة «الدغاشية» التي تسلمتها اليمن مؤخراً، بعد أن كانت محل خلاف بين البلدين؛ كونها تطل على مجموعة من القرى  السعودية. ومثل رفيقه لا يجد شيئاً يغريه في البقاء سوى الاستسلام للجوع والموت، فهو اعتاد على التسلل إلى السعودية ويعمل في مزارعها ويتقاضى 300 ريال سعودي في الشهر، أي (15) ألف ريال يمني. يقول: «لم أجد معيشة هنا، وهذا ما يجبرنا أن نتحمل الضرب والحبس كلما مسكنا الأمن السعودي»، ثم سألني: «هل الكلام معكم ونشره في الجريدة سيفيدنا؟».

احمد ورفاقه وكثير مثلهم يتسللون دون الاستعانة بالمهربين. إنهم يدركون مداخل الأراضي السعودية جيداً لكثرة تسللهم، وهم لا يشكلون 20٪ من حجم المتهربين. فيما 80٪، يجهلون المناطق الحدودية، ومع ذلك فلا خوف عليهم؛ فبمجرد وصولهم إلى مدينة حرض سيقفز إلى وجوههم مئات الدلالين والمهربين، يمارسون مهنتهم بالعلن ولا يكترثون بالأمن. أكثر من 300 مهرب ينتظرون الوافدين إلى جمرك حرض ويعرضون عليهم خدماتهم ويلتزمون بتوصيلهم إلى أي مدينة سعودية (جدة، الرياض، الدمام،… الخ)، ويتم نقلهم على الحمير والسيارات في الصحاري والقرى المجاورة (مبخرة، الخدور، الملاحيظ، الحصامة، المشنق، المزرق، المشترك، والخوجرة.. وغيرها)، عبر خطوط ونقاط معينة (المنجارة، الخوارية، ابو سبعة، خط الشرف، وخط الجوف…الخ).
يتقاضى المهرب اليمني (20-30) ريالاً سعودياً مقابل نقل الشخص الواحد إلى الأراضي السعودية وتسليمه للمهرب السعودي الذي يتقاضى بدوره (750-1000) ريال سعودي.

الفقر والعيد والسفارة بوصلة تشير نحو الشمال
يشهد منفذ جمرك حرض هذا العام حركة تهريب نشطة خلافاً للأعوام السابقة وتحديداً منذ بداية الموسم في شعبان، والذي سينتهي في شهر ذي الحجة، كما أفاد أبناء المنطقة والمهربون. إذ يحقق المهربون خلال الموسم مكاسب مرتفعة كون المتسللين من (رجال ونساء وأطفال) يتوافدون بكثرة خلال هذه الشهور التي يجنون فيها مبالغ كبيرة من خلال اعمال اجادوها ليس أقلها التسول، واستجداء معاريفهم المغتربين في الأراضي السعودية كيما يحصلون على بعض المساعدات.
لكن كثيراً من الذين كانوا يستغلون الإعلان عن فتح باب العمرة في الأعوام السابقة للدخول إلى السعودية لم تقبل طلباتهم لهذا العام لأسباب ارتبطت بأعمارهم (أقل من 40عاماً). فكان الخيار لكثير منهم الاتجاه صوب الحدود.
عبدالله منصور (29 عاماً) والذي كان ورفاقه الستة يجلسون في سوق الحمير بجوار المنفذ وينتظرون المهرِّب، الذي ذهب لإحضار آخرين لتكتمل حمولته (12 شخصاً) على عدد الحمير التي سينتقلون بها، يتذمر من سياسة السعودية التي حرمتهم من تأشيرة العمرة لهذا العام ويقول: « دفعنا الفلوس حق العمرة وسلمنا الجوازات لكنهم قالوا لنا ان السفارة السعودية، رفضت ان تعطينا التأشيرة لأن القانون لا ينطبق علينا».
«عبدالله منصور» هو اسم مستعار حدده هو وطلب عدم الكشف عن هويته سوى أنه ورفاقه من رداع – البيضاء، كما رفض التصوير. قال: «إحنا كنا ندخل السعودية نطلب الله في رمضان بطريقة رسمية لكنهم خلونا نتهرب».
إلتزامات وتوفير كساء العيد، كانت سبباً لتسلل رمضاني لكثير من الفقراء فهذا عبدالله أبو صالح (27 عاماً) واحمد بن احمد (35عاماً) من (محافظة حجة) متجهان نحو الأراضي السعودية في صباح السادس عشر من رمضان وهذه عادة لهم في كل رمضان خلافاً لتسللهم على مدار العام غير المشروط بشهر معين.
قالا أن توفير مصاريف وكساء العيد لأطفالهما هو ما يدفعهما لدخول السعودية في هذا الشهر ويشتكيان من حرس الحدود اليمني: «إذا لم تدفع لهم (100-150) ريال يمني على الواحد لا يسمحون لنا بالدخول، وأحياناً يقومون بتشليحنا»، أما الحرس السعودي فيعتبرونه غير مرتشٍ لأنه لا يعترض طريقهم إلا في حالة إن طلب منهم التوقف ولم يستجيبوا فإنه يقوم بمطاردتهم وترحيلهم وكذا عندما تكون العلاقات السعودية واليمنية مضطربة.
إذ يرى عبده أن الحرس والدوريات السعودية تصبح مشددة عندما «يتشاكل الرئيس حقنا مع حقهم».
عبدالله يعطي قراءة عن طبيعة العلاقات السعودية اليمنية التي تلقي بظلالها على اليمنيين الذين دخلوا الأراضي السعودية بطريقة غير رسمية.
ويتذكر زيارة الأمير سلطان لليمن في مايو الماضي حيث يقول: «بعد عودة الأمير سلطان اشتغلت الدوريات والجوازات زائد (أكثر) وبدأوا يرحِّلون اليمنيين من السعودية وأنا كنت من بينهم وكانوا يجمعوننا في سجون (هناجر كبيرة) كانت تمتلئ بآلاف اليمنيين».
أحمد وعبدالله ولكثرة تسللهما قالا إنهما يشاهدان اطفالاً ونساء على طرق التهريب وإن الأطفال الذين لم تتجاوز اعمارهم الخمس السنوات يكونون برفقة أهلهم.
ويتذكر عبده قصة حزينة حدثت لإحدى قريباته (17 عاماً) تسللت إلى إحدى القرى السعودية العام الماضي وتعرضت لمحاولة اغتصاب من قبل اقرباء لها حاصلين على الجنسية السعودية، ويقول: «حتى السلطات السعودية حققت مع الجناة ولم تقم بسجنهم».

لا حدود في حرض.. إنها فرزة للمدن السعودية
وتمثل الشهور الأربعة (شعبان، رمضان، ذو القعدة، ذو الحجة) موسماً للمنطقة بشكل عام، وللمهربين والسائقين والتجار بشكل خاص، حيث تشهد فيها أكبر عملية تهريب للناس وترحيل ويلحظ إزدياد عدد الاطفال والنساء المهربات خلال هذه الشهور فيما بقية السنة فإن التهريب يأخذ شكلاً مغايراً إذ تتعدد فيه الأشياء المهربة ابتداء بالقات والتمباك، والمخدرات،…الخ.
هذه الأيام وصل التهريب بالناس إلى الذروة وعلى مرأى ومسمع الأجهزة الرسمية المختصة، إذ يتبادر إلى مخيلة الوافدة أن هؤلاء المهربين لديهم تراخيص رسمية او أن الأمن عاجز عن مواجهتهم.
فعند دخولك مدينة حرض وتحديداً في فرزة الجمرك الذي يبعد عن المدينة حوالى 10 كيلو مترات شمالاً، تلحظ وجوهاً ولهجات مختلفة يبادرونك بالسؤال بعد أن يقتربون منك: «ها.. وين تشتي؟ الرياض، جدة، الدمام، الطوال.. الخ».
ويبرز هذا المشهد بشكل واسع عند وصولك إلى الجمرك، حيث يتقافز إلى سيارة الهيلكس (تستخدم لنقل الركاب من مدينة حرض إلى الجمرك) عشرات الدلالين والمهربين وقبل ان تطأ قدماك ارض الجمرك، يفتحون باب السيارة ويحاول كل واحد منهم ان يكون أكثر قدرة على إقناعك: «فين تشتي تروح؟ أهلاً وسهلاً أي خدمات؟» ويكررون هذه الاسطوانة معددين أغلب المدن السعودية التي كنت أجهل الكثير منها.
مئات المهربين يرتصون هناك بالجانب الأيمن من الأسفلت وعلى بعد 50 متراً تقريباً من بوابة المنفذ ومن خلفهم لوكندات وكذا فرزة الحمير والسيارات.
يمارسون نشاطهم في العلن دون أن تعترضهم الأجهزة الأمنية. لكن مدير أمن مديرية حرض «عبدالله زياد» قال: «إن الأجهزة الأمنية لم يصلها بلاغ بذلك وليس معقول أن تقوم هذه الأجهزة بضبط أي شخص دون بلاغ» ويضيف: «إن أياً من المهربين لا يكتب على جبهته «مهرب» حتى نتمكن من معرفته».
في الجانب الأيسر من جمرك حرض والمقابل لتجمع المهربين، تقف سيارات الهيلكس الحديثة، إنها تنتظر خروج المرحلين من الأراضي السعودية الذين يتوافدون تباعاً من بوابة الجمرك، حيث يمثل هؤلاء مصدر دخل للسائقين الذين سيتقاضون اجرهم بالعملة السعودية. في الساعات الأولى من صباح ال16 من رمضان وبالقرب من بوابة جمرك حرض يجلس محمد الجماعي (سائق هيلكس) منتظراً خروج المرحلين يقول إنه لا يتخيل أن تقوم الحكومة بمنع عملية التهريب لأن الفرزة ستتوقف (بها خمسون سيارة) عن العمل، لأن الترحيل سيتوقف. الجماعي وزملاؤه يعتاشون من هؤلاء المرحلين من الأراضي السعودية. أما المغتربون العائدون رسمياً لا فائدة منهم فمنهم من يدخل بسيارته وآخرون «يدخلون اليمن فوق الباص».

التهريب إذ يصير خدمة وطنية
هذه هي مدينة حرض الحدودية التي يعتاش أهلها وآخرون من التهريب بشكل أساسي؛ فكل شيء يمكن تهريبه ولكل سلعة مهربة وسيلة ومبلغ. إنها مدينة يعلو فيها سقف الحرية إلى حد أن احد المهربين والمعروف بـ«النامس» يقول: «إن عملنا شريف، ونحن وطنيون ونخدم بلدنا ونوفر للعاطلين عن العمل فرص للرزق»!!
«النامس» من محافظة تعز، شاب نحيف وقصير القامة، يربط الشال على رأسه بطريقة يبقى بها الجزء العلوي من رأسه مكشوفاً. كان جندياً وبعد تغيبه المستمر سحب رقمه العسكري وشطب اسمه من كشوفات الراتب، إنه يرى أن العسكرة غير مجدية وراتبه لا يكفيه. يقول: «إن مهربي الاطفال خائنون لوطنهم وكذا حرس الحدود الذين يساعدونهم، فهم يعرضون الاطفال للضياع»، ويجزم أن ما لا يقل عن 50٪ من الاطفال الذين يتم تهريبهم يتعرضون لإعتداءات جسدية وجنسية من قبل القائمين على التهريب، إذ أنهم يخضعون لكل ما يطلب منهم فهم محجوبون عن العيون ولا أحد سيجيرهم.
ويقسم «النامس» بأن الرئيس لو كان يعلم الحقيقة سيسجن هؤلاء «فهو أسد»، وهو السبب الذي دفع النامس لتمزيق صورة بن شملان أمام الناس وهو يقول: «هذا الشعب يحتاج واحد أسد مثل الرئيس علشان يمشوا تمام».
كما يصف حرس الحدود السعودي بطريقته البسيطة بغير الوطنيين «لأنهم قبلوا إدخال غرباء إلى أرضهم» وأحياناً يلتمس لهم العذر: «إنهم مثلنا محتاجون والسعودية في أزمة اقتصادية ومخفون عليها».
في منفذ جمرك حرض تشهد الحركة ذروتها بعد المغرب تماماً وتستمر حتى طلوع الشمس. هذه الحركة تعتمد اساساً على المتهربين والمرحلين الذين يمثلون أحد الأسباب الرئيسة لانتشار المحلات هناك من مطاعم ولوكندات ومحلات اتصالات وغيرها. يقول وليد الريمي (19سنة)، صاحب محل ملابس بجوار المنفذ: «ان العمل قائم على حركة الداخلين والخارجين وإذا منعت الدولة عملية التهريب ستقف عملية الترحيل. هذا يعني ان نرحل من هنا إلى مكان فيه رزق»، ويتمنى أن لا تمنع الحكومة مصدر رزقه. ويوافقه صاحب لوكندة (مجاهد علي) لكنه يستبعد منع الحكومة للمهربين، لانها لا يمكن ان تقطع رزق شعبها.
وكما أن ظاهرة التهريب واستمرارها تعد مصدر دخل لكثيرين قصدوا الاستثمار وفتحوا محلات تجارية في حرض ومنفذها، فالتهريب مهنة احترفها الكثيرون واصبحت لابناء المنطقة جزءاً من مهنة متوارثة عن الآباء. كما أنهم يتذمرون من الدخلاء على مهنتهم ويتهمونهم بالنصب على الناس المتهربين.
عبدالله الجبلي، الذي يعتبر من أقدم العاملين في تهريب الناس وقد أمضى في الخدمة (16)عاماً قال إنه ليس مهرباً، بل هو مثل السائق الذي يرشد الضال إلى الطريق الصحيح. «كنا خمسين فقط من يقومون بنقل الناس على الحمير ولم تحدث مشاكل لكن بعد أن دخل أكثر من 300 شخص في هذه الحرفة وبدأوا يستخدمون السيارات لنقل الناس بدأت المشاكل واصبح الوضع فوضى وزاد عدد المهربين من حضرموت إلى هنا وبدأت معهم مشاكل التشليح للناس».
البحث عن العمل هو السبب الذي اكتشفه «الجبلي» لسفر الرجال والشباب، فيما الاطفال والنساء الذين يرفض أن يساعدهم على التسلل «فإنهم يعملون بالتسول والسرقة».
ويتبادر إلى سمعه داخل الأراضي السعودية اثناء تسليمه للمهربين السعوديين المتهربين اليمنيين «أخبار سيئة يتعرض لها الاطفال (…) الله يستر على أولادنا، وعتبي على أسرهم التي سابتهم يرحلون».
«الجبلي» يرى بأنه مهرب شريف ولا يقبل أن يهرب مواد ممنوعة. «لم أبْنِ بيتاً مسلحاً ولم أرفع ملايين مثل المهربين للمخدرات والسلاح (…) وهم دخلاء على المهنة وأصبح معهم عمارات وسيارات خلال سنتين» فهو يكتفي بطعام اسرته المكونة من ثلاثة اطفال وكذا أبناء شقيقه المتوفى وعددهم 7 أطفال، بالإضافة إلى إطعام ما تبقى له من حمير وعددها (7) غير أنه يشكو من تراكم الديون: «أنا مديون ب(70) ألف ريال قيمة علف للحمير».
كان «الجبلي» يتحدث بثقة وتشعر بأنه لا يرى جريمة في مهنته ولا يتحفظ في التأكيد أن «التهريب هو العين (المصدر) الوحيد الذي يعيش منه أبناء تهامة وابناء المنطقة».
كما أنه وزملاءه يتذمرون من دخول السيارات كأداة لنقل المتهربين ويقول إن شغلتهم «انضربت» فالمتهربون أصبحوا يفضلون التسلل عبر السيارات.

مرحلون من سجن المنفى بقرار ملكي
600 شخص تقريباً بينهم خمس نساء انزلتهم الباصات السعودية خلال الأيام العشرة الأخيرة من شعبان، في منفذ الطوال السعودي الذي يبعد عن منفذ حرض اليمني حوالى 2 كيلو.
هؤلاء كانوا مسجونين في السجون السعودية لقضايا تورطوا فيها وشملهم عفو الملك عبدالله، لكن المنفذ شهد خلال شهر رمضان وقبله ترحيل آلاف من اليمنيين المجهولين رجالاً واطفالاً وعدداً قليلاً من النساء.

أطفال العصابات يستجدون «محافظ»السعوديين
قصة الأطفال المهربين والعاملين في التسول ليست من نسيج الخيال برغم محاولة السلطات اليمنية إخفاءها، فالصحف السعودية اليومية تعج بأخبار المتسولين الاطفال والكبار الذين دخلوا بطريقة غير رسمية من حدودها وضبطهم دوريات وحملات الأمن السعودية.
وكشفت صحيفة «عكاظ» السعودية في عددها (14652) الصادر يوم الأحد الموافق السادس عشر من رمضان، أن دوريات الجوازات ضبطت عصابة من الوافدين تقوم بإستئجار الأطفال من آبائهم من الدول المجاورة للعمل في التسول داخل المملكة.
وأوردت في خبرها إعتراف اعضاء العصابة الذين قالوا إنهم يتجولون في البلدان المجاورة لإقناع اسر الأطفال الفقيرة بأنهم سيوفرون فرص عمل لأبنائهم وبمبالغ جيدة.
وأوضحت الصحيفة أن الدورية ألقت القبض على 127 متسولاً في حالة تلبس ينتمون إلى أربع دول بينها اليمن تحدث الطفل علي (8 سنوات) وهو يمني ومصاب في رجله اليمنى أنه قدم من اليمن قبل ثلاثة أشهر عن طريق التهريب برفقة اعضاء العصابة.
برغم أن السلطات السعودية لا تورد إحصائية بعدد المرحلين فإن السلطات اليمنية بدورها لا تتسلمهم بطريقة رسمية. ربما يكون المبرر أنها عملية صعبة، فالترحيل مستمر يومياً. ويبقى الأطفال هم الفئة المرحلة التي يمكن حصرها. إذ يقف باص مركز الحماية الاجتماعية المؤقتة للطفولة بالقرب من منفذ الطوال ويلتقط الاطفال المرحلين وينقلهم إلى المركز، حيث يتم التواصل مع أهاليهم لإستلامهم.
بيد أن هناك بعض الآباء يرفضون تسلمهم بسبب الفقر و يخاف أن يلتزم ويتعهد بعدم رجوع إبنه للأراضي السعودية.
عمر عبده مساوى (8سنوات) من محافظة المحويت منطقة الشريف، مضى عليه يومان في مركز الرعاية، يقول إنه تهرب مع والده واخيه فواز (11 عاماً)، لكن وقبل تجاوزه الحدود اليمنية اعترضهم ضابط قال إنه من حجة ففر والده واخوه وبقي هو وتم اعادته.
ويضيف أنه لم يخف من العسكري لأنه مثل الأب. وقد سبق لعمر -الذي توقف عن الدراسة بعد إتمامه الصف الثاني الإبتدائي- أن دخل السعودية قبل شهرين وعمل في الزراعة وتم ترحيله ومعه ألف ريال سعودي، ما افرح والده. ويتحدث عمر بلسان طليق وهو يبتسم: «لن أعود إلى السعودية فالرزق من الله وإذا كتب لي فسآخذه في اليمن».
لكن علي صالح شايع (14 عاماً) من محافظة عمران قال إن الأمن السعودي أمسكه وابن عمه فيما الثلاثة الآخرون استطاعوا الفرار لأنهم كبار. واشار إلى ساقه اليمنى التي تعرض فيها للضرب بسلك حديدي من قبل الجنود السعوديين قبل ان يسجنوه في سجن الديزل.
علي وإبن عمه سافرا دون علم والديهما وكانا يحلمان بتلميع السيارات في السعودية لجني المال الكثير حسب ما قال لهما الثلاثة الذين تمكنوا من الفرار، وهما الآن في مركز حماية الطفولة ينتظران قدوم والديهما لأخذهما.
كثيرون هم الأطفال الذين يستقبلهم المركز. بيد أن إدارته امتنعت عن اعطاء احصائية بهم كما منعت تصويرهم، وهذه السياسة تبناها المركز منذ حوالي شهرين بعد أن انتقلت إدراته ل «مؤسسة الصالح»، فيما مصادر أمنية في منفذ حرض أفادت بأن باص مركز الطفولة لم يمر عليه يوم في رمضان إلا وخرج بحمولة أو حمولتين من الأطفال المرحلين (سعة الباص 30 راكباً).
ويشرح المسؤول الإداري في المركز (علي حسين الرديني) أن غالبية الاطفال الذين يدخلون السعودية عن طريق التهريب ينتمون للمحافظات الداخلية (عمران، تعز، المحويت، ريمة)، فيما اطفال المناطق الحدودية يعملون في تهريب الدقيق، وأشار إلى أن منفذ حرض سيشهد حركة ترحيل واسعة بعد شهر رمضان.
ومن خلال المشهد يبرز سؤال مهم: ما هي وظيفة حرس الحدود اليمني السعودي؟ إذ يزداد عدد المتهربين والمرحلين وتقل عدد قضايا المهربين انفسهم.
يقول خالد بروق رئيس نيابة حرض: «إن قضايا المهربين بدأت تقل ولم تصل هذا العام سوى أربع قضايا فيما العام 2005 كانت بالعشرات». ويضيف: «إن استمرار ظاهرة التهريب وغياب قضايا المهربين يعود إلى قصور اجهزة الضبط والتحريات التي لا تؤدي عملها بشكل جيد».
كما افاد بأن النيابة لم تتسلم أي قضية تتعلق بتهريب النساء، وإن القانون الذي يطبق في حق مهربي الأطفال هو قانون الأحداث باعتبار المهربين يعرضون الاطفال إلى الانحراف والاختلاط بالمشبوهين، وتكون العقوبة السجن ما بين ستة شهور إلى سنتين. ويشددون في حالة يكون المتورط في تهريب الاطفال من الاقارب، وقال بروق بأن اعترافات المهربين في تحقيقات النيابة تفيد بأن الاطفال يتم تهريبهم للتسول والسرقة واعمال لا تتناسب مع اعمارهم.

الأمن: «كل شيء إلا الأطفال»
«الجبلي» وهو من أقدم العاملين في التهريب منذ 16 عاماً ابتداءً من تهريب القماش ثم الخضروات والتمباك، قال إنه وزملاءه اتفقوا على عدم تهريب الاطفال، ويذكر (محدداً تاريخ بداية تهريب الاطفال)، إن اتفاقاً ومعاهدة تم التوقيع عليها من قبل كل العاملين في نقل البشر إلى السعودية في مكتب قائد أمن الجمرك السابق ناجي ضبعان قبل سبع سنوات، ألزمتهم بعدم تهريب الأطفال، ومن سيخالف سيعاقب بالسجن ستة شهور وغرامة 20 ألف ريال يمني. موضحاً أن هذا الإتفاق جاء بعد ان قام بعض زملاء المهنة بتهريب بعض الاطفال.
ويقول إن الظاهرة بدأت من منطقة أفلح الشام -حجة، والمحويت واستعملوا منافذ: الملاحيظ والخدور والخوجرة والمحابشة وغيرها.

شراكة مصالح سعودية يمنية غير رسمية
لم يقتصر التهريب في حرض على المنافذ البرية المجاورة للسعودية فالبحر أحد المنافذ، لكنه بنشاطه يبدو مقتصراً على السلع؛ إذ تقول مصادر عديدة مطلعة وفيها من شارك وطلب عدم الكشف عن هويته، إن المهربين يستخدمون سواحل «ميدي» لتهريب القات والمخدرات والسلاح عبر صنابيق (قوارب) تم تزويدها بمحركات اضافية حتى لا تتمكن صنابيق الامن السعودية من الوصول إليهم. ويضيف احد المصادر أن المهربين يقومون بحشو شوالات الدقيق الفارغة بالقات بطريقة معينة بحيث يصبح شكل الشوالة مستديراً تماماً، وأن المخدرات يتم حشوها في بعض الأحيان داخل شوالات القات التي لا تعترضها نقاط الأمن البحرية السعودية، «مصالح مشتركة» حد قوله.
ويضيف المصدر وهو من الذين عمل معهم أثناء ما كانت ظروفه صعبة: «إن التهريب عبر البحر أكثر من التهريب براً».
تلك هي مدينة حرض الحدودية ولا ينبغي على زائرها ان يكترث بما يرى ويسمع. كما لا ينبغي أن يتساءل عما إذا كانوا يعملون بطريقة رسمية، فما يدور هو عمل مشروع بالنسبة لهم.
 فكلما غابت الدولة، التي جرمت هذه الأعمال في قوانينها، عن المنطقة، أصبح المشهد طبيعياً فالمنطقة ليست سوى نقاط للمساومة والتفاوض مع الجوار ومصدراً إيرادياً لخزينة الدولة.

[email protected]