عالقان في مصعد قديم إلى الأبد – رامي الأمين

عالقان في مصعد قديم إلى الأبد – رامي الأمين

كان الحب. يكفي أحياناً أن يكون. ويكفي أن تزيحي الستارة، وتنظري من النافذة، لتري سماءً تحت جفني. ويظل النهار طويلاً مهما طال الليل. وتظل الشمس دائرية كساعة يد، ويبقى القمر مرحاض السماء. كان حباً هذا الذي سقط مرة من يدكِ وأنتِ تكنسين البيت من صورنا، وأضعناه يومها، ثم وجدناه لاحقاً تحت السرير. كان حباً. وأضعناه مجدداً، أنا أو أنتِ، لا يهم. وبحثنا طويلاً عنه في المنزل والشارع، وتحت الأرجوحة على الشرفة، ولم نجده. لكنه بقي حباً، رغم كل شيء. رغم المطر الذي لم يستطع محو أسمائنا عنه، ورغم الغبار الكثير، والشمس التي تحرق كل شيء.

***
… ولحقنا به الى آخر الارض، إلى ابعد نقطة في الجسد، إلى آخر حبة رمل تختفي من الشاطئ الذي كان يمتد هنا كبساط، إلى آخر دمعة تجعل من البحر مالحاً، وآخر قطعة سكر نُذيبها في الشاي. لحقنا به، لاهثين، مخرجين السنتنا من أفواهنا، ككلاب مسعورة، ولم نستطع بلوغه. ظلّ بعيداً كالجنة، وجميلاً كالأزرق الذي يظللنا. ومشينا طويلاً على كل أرصفة العالم، حتى اهترأت نعالنا وتعرّت ارجلنا، وصعدنا كل القطارات التي تسير قرب اعمدة الكهرباء، والأشجار الطويلة الموغلة في الغيم كالسجائر المطفأة في جسد السجين. وامتطينا كل اسرّة العالم الحديث والمتحضّر، وتركنا البقشيش على كل طاولات المقاهي، وسألنا الشرطيّ عن اشارات المرور، وعن السرعة القصوى التي يمكننا بلوغها في الحبّ. قال: “ستمضيا الى الغد بسيارة أجرة، وستنزلا عند باب منزل صغير في آخر الجبل، هناك ستنجبان طفلاً وتحترقان قرب المدفأة كحطبتين يابستين”. اكملنا السير، من دون الالتفات الى الخلف، ومن دون التلفّت الى سيارات الاجرة التي تمر مسرعة وتقذفنا بماء الطرقات الموحل.

***
كان الحب، وكنا معاً نشرب الأنخاب على الشرفة قبل شروق الشمس، ونمارس الحبّ كعالقين في مصعد قديم الى الابد، بعد قنبلة ذرية أطاحت بالعالم كله، وحمّلتنا مسؤولية تكرار الخطيئة.
حبنا سيارة نركبها نحن الاثنين، ونتبادل القيادة. هكذا تقع حوادث السير دائماً. هكذا تدحرجنا يوماً في احد الوديان، ولا اذكر من كان يقود حينها ومن كان يعدّ أعمدة الكهرباء من النافذة. وكانت الأغنية في آخرها. كان المطرب يسرق وقتنا ليغني، وكنا نعشق اللصوص وقطاع الطرق والشحاذين، وماسحي زجاج السيارات. الأبواب المغلقة تفتح كلها للريح وعواء الكلاب في وجه القمر المقضوم كتفاحة صفراء. والليل يتسرب الى الخارج. يخرج الظلام كله دفعة واحدة من غرفنا التي تشبه غرف تظهير الصور الفوتوغرافية. ونجد أنفسنا كشريط نيغاتيف فارغ، ونروح نختبئ من الضوء كالخفافيش في زوايا الغرف، ونحوم حول القمر المنزلي المضاء بمئة فولت من الكهرباء، ثم نقع محترقين كفراشات عملاقة. نستفيق في الصباح، والديك مذبوح تحت الشرفة، وجارتنا تصيح على ولدها كي يغسل وجهه قبل أن يذهب الى المدرسة. وكنت اكره الماء، والحنفيات التي تقطر نقاطاً في الليل مغرقة رأسي بالكوابيس المزعجة. وكنت تكرهين الحاحي ورقم هاتفي الخلوي. ولم تهاتفيني كثيراً قبل الرحيل، ولم تودعي يدي التي تتسلق السماء كشجرة جوز الهند. ولم تزوري قبري المتدفق من التراب كحشائش الربيع.

***
كم بحثت عنك في شقوق الجدران، وفي الحانات، وفي ظلال الاشجار المتراصة كالعسكر في شوارع المدن الحزينة. وكم مشيت خلف الزبالين لألمّ احذيتي القديمة من الطرقات، وأعثر على خطواتي الضائعة، وعلى حذائكِ الذي نسيته في حفلة الأمير.
وكم بحثت عن قدمكِ المنسية تحت طاولة المقهى، وكم عددت اصابع نسوة كي اعثر على قصيدة مزقتها الرياح.
تكرهين المطر أيضاً، والمظلات في ايدي المشاة على الأرصفة. وتكرهين قصائدي التي تذكرك بالغيم الكثيف قبل العاصفة، وثيابي غير المكوية جيداً، وغير النظيفة تماماً، وصمتي الطويل كعنق الزرافة. وتكرهين قدميّ السريعتين في المشي، وبلاهتي عندما يخرج كلامي من سماعة الهاتف كما تخرج اللحمة من الفرّامة عند الجزار، وبكائي عندما لا تسمعينه ولا ترين ماءه الجارية كساقية في الحقل، وتكرهين بقائي ورحيلي، وأصابعي التي اقضمها ولا أندم، وذقني التي لا احلقها كي لا ارتعب أمام
المرآة من وجهي الجديد، وكي لا اضطر الى استعمال السبيرتو الأبيض، والقطن ولصقات الجروح، ورؤية الدم وهو يسيل على العنق المتعرّق. أكره حبي لكِ، الذي يكبر وينتشر في جسدي كالسرطان، وينقسم سريعاً في الخلايا، ويجري في الدم سريعاً كالسم. أكره هاتفي الخلوي أيضاً، ويخيفني صمته المطبق، وعدم رنينه في النهار والليل، وأكره النبيذ الذي يلصقنا ببعضنا، ثم يأخذنا من أجسادنا الى فراغ مطبق في الصدور، وإلى ضجيج علب التنك، وأكره الرجال كلهم لأنني واحدهم، وأكره كل النساء لأنك لستِ احداهن.
كان الحب، كدرج طويل لا ينتهي، كقطيع يعدّد أغنامه الطفل لينام، أو سلالم تتسلقها الملائكة لتشرب الماء من الغيم. كان الحب، ويكفي أن يكون كي أرفع سبابتي، كتلميذ في المدرسة، واطلب قبلة من شفتيكِ، أو موعداً من أنوثتكِ، ويكفي أن يكون كي أرغمكِ على حملي معكِ في حقيبة اليد أينما ذهبتِ، كفوطك الصحية، أو عطرك الذي لا اعرف اسمه، لكنني احفظ رائحته كقصيدة للمتنبي، أو مرآتك الصغيرة المدوّرة التي تعكس لونك المشرق، أو قلم الكحل الذي يرسم عينيكِ بظلال الحزن.
كان الحب. يكفي أن يكون، كي أكون.. وتكونين.