فسحة.. ننساهم في سجونهم

فسحة.. ننساهم في سجونهم

في حرب ال33 يوماً نسينا أشياء كثيرة. نسينا عارف دليله في سجنه الذي لم نفهم لماذا أدخل إليه ولسنا نفهم بالطبع لماذا أبقي فيه، إلا أن في الأمر ظل نكاية لا نعرف مصدرها، لماذا يحتاج البوليس السياسي الى أن يحجز اقتصاديا لامعا وما غرضه من أن (يخلده) في سجنه بعد أن أطلق الباقين. نسينا عارف دليله ويجب أن لا ننساه رغم أهوالنا لأن المطلوب تماما هو أن نتعب من السؤال عنه وننصرف لأمور مستجدة فيبقى الأستاذ الجامعي المريض وحيدا مع سجانيه، مواجهة غير متكافئة وغير منصفة ولن يستطيع الأستاذ المريض أن يكون نداً فيه.
قبل الحرب أخذوا ميشال كيلو الى السجن، وتركوه هناك. حينها احتججنا وتسابقنا الى الاحتجاج وغضب كثيرون وكتب كثيرون ثم استنفدنا غضبنا واحتجاجنا وصبرنا وانتظارنا. لم يفك أسر الرجل رغم كل ذلك عدا الزمن على حبسه، وعلى خبر الحبس فقلنا في أنفسنا كفانا ما فعلنا. أو قلنا الخبر لم يعد جديدا ولا مثيرا. الآن يمكن لسجاني ميشال كيلو أن يرتاحوا. تمر أيام بلا كلمة عنه، نسيناه في تلك الحرب الخصبة. نسيناه في حديث ما بعد الحرب، البارحة خطر لي فجأة فكرهت نفسي. قلت لقد نسينا ميشال كيلو. الرجل الذي لم يهدأ في يوم وملأ عالمه المحاصر بأكثر ما يستطيع من حركة وصخب نسيناه وتركناه في زنزانته المنفردة. لا أعرف أين يحشر الآن جسده وكلامه وحركته. أين يذهب بكل هذه الحيوية. هل تتسع الأمتار القليلة المربعة لجنونه الذي حدثني عنه في يوم. عار على معتقلي ميشال كيلو حبسه لكن عار علينا نسيانه. كان ميشال كيلو دائما واعيا. يعلم بالطبع أن ليس له في نهاية الأمر سوى نفسه، وأنه قال هذه الكلمة لأن على أحد أن يقولها وبدون أن يقولها أحد لن توجد ولن تقوم. لا ينتظر ميشال كيلو مطالبة جماهيرية أو احتجاجا جماهيريا. ما على هذا ناضل هو أو ناضل ميشال كيلو، لقد فهموا أن هذا في الأساس عمل شجعان قلائل وسيبقى الى حين عمل شجعان قلائل. لكن على أحد أن يبدأ، أن يبدأ بدون أن يسأل وبدون أن ينتظر عوضا. رغم الاعتباط والتهويل والنضال المنفرد والوحشة أحيانا ثمة من يستمر في قول الكلمة التي لن توجد بدونه، لكن علينا نحن الذين على المغلق الآخر من الباب. من بقيت لنا فسحة أن لا ننساهم في سجونهم، إنه عهد ورفعة وصحبة طريق وصحبة حياة.
أخيرا عمر أميرالاي الناجي من التحقيق لم ينج من الإقامة الجبرية، الرجل الذي نفذ عددا أكبر من أفلامه بطلب دولي. من عاش شطرا من حياته في أوروبا. القادر على أن يكون ساعة يشاء في بيروت وفي باريس وفي أي عاصمة أصر عامدا على أن يبقى في دمشق. كان على الحرية أن تُبنى على أرضها كشرط صعب، كان على المرء أن يصل ما بين كلمته وجسده. كان على الفنان أن يساكن صوره، الآن لا يستطيع أميرالاي أن يغادر، فيما لا يستطيع غيره أن يعود، ينتظرونه في عمان، ينتظرونه في بيروت. لكن عمر أميرالاي يبقى، الذين لم يسجنوه يريدون بطريقة أخرى أن يجعلوا من حدود البلاد سجنا.

– عباس بيضون – «السفير»