الانتخابات اليمنية.. المعنى والمبنى – عبدالباري طاهر

الانتخابات اليمنية.. المعنى والمبنى – عبدالباري طاهر

لا أعرف لماذا نحن اليمنيين قساة حد الجلوزة في جلد الذات، وسخيون حد الإفراط في الكلام الممل والمكرور عن المعجزات والمنجزات. قساة في جلد الذات على صعيد القول وطيعون تحت الاستخذاء في اتباع وطاعة ولي الأمر المتغلب “من قويت شوكته وجبت طاعته”.
عندما جرت انتخابات العام 99 الرئاسية تحولت إلى مسخرة وهُزْء- وإنها لكذلك- فقد كانت مجرد استفتاء أو بيعة أو تجديد ولاء على قاعدة شرعية “من تزوج أمنا فهو عمنا”. وهي وإن صدرت في المغرب العربي المالكي إلا أنها قد عمت البلاد العربية وبعض الإسلامية.
للأسف كنا محقين وقساة في آن في عدم استلهام مغزى عميق ودقيق في الانتخابات “الأمثولة” للعام 99 حين نافس الحزب الحاكم الحزب الحاكم، وتبارى الرئيس صالح مع نفسه في واقع الأمر. لم نقرأ أهمية ودلالة أن يقبل حاكم آتٍ من مضارب القبيلة وخارجاً شاهراً دبابته، أن يقبل شكلياً ويقرر -وهذا هو الأهم- بالاحتكام إلى صوت الناخب. فمجرد الإقرار- إذا ما قرئ ووظف- سيكون له الأثر البالغ؛ فما يقوله الإنسان -وبالأخص الحاكم- كاعتراف على نفسه علناً يُلزمه من الناحية الشرعية والسياسية. وقد ألزم صالح نفسه وأقر بأنه يستمد شرعيته من صندوق الانتخابات المشهرة والمعلنة لا من العصا الغليظة الخبيئة. وما كان هزلاً ومراوغة عام 99 تحول إلى جدية ومواجهة سلمية وديمقراطية عام 2006. لم يكن الأمر بعيداً عن رضا ورغبة الحاكم ولكن اللعبة كلها لم تعد بيده كالحال عام 99، ولم تكن المنافسة على سخونتها وجديتها ديمقراطية كلها. وحقاً فإن الكثير مما قالته المعارضة عن تسوية أرض الملعب، وتلغيم سجل الناخبين بآلاف الأسماء الوهمية والمكرورة والمائتة، وتوظيف الجيش والأمن والمال العام والإعلام والوظيفة العامة لصالح حزب الحكم والحاكم صحيحة، ولكن المعارضة ربما لم تدرك بقدر كافٍ الأثر والنقلة النوعية المهمة التي أسهمت بكفاءة في إحداثها في الواقع وهي إرغام الحكم على القبول بالزلزال الديمقراطي، والتنافس الجيد في الاحتكام إلى صندوق الاقتراع في بيئة ومنطقة تتوارث الحكم كابراً عن كابر، ويستطيع ممتطي صهوة الدبابة أن يحكم البلاد والعباد بمجرد احتلال الإذاعة والتلفزيون والقيادة العامة للقوات المسلحة وإذاعة البيان رقم واحد.
صحيح أن المعركة لم تكن متكافئة، وأن الكثير مما تقوله المعارضة صحيح ولكن تجييش الوظيفة العامة والمال والإعلام وركام الصور التي غطت جدران الشوارع، وامتدت إلى الأرياف والجبال وكادت أن تحجب ضوء الشمس، لم تكن كلها قادرة على إخفاء قلق الحكم وبرمه بالمعارضة واحتياجه إلى التلويح بالعصا الخبيئة، وتحويل الدعاية الانتخابية إلى ما يشبه الوعد والوعيد، والتلويح بالفتنة الأشد من القتل. لقد انتصر الرئيس على عبد الله صالح ما في ذلك شك، ولكن الجدل والخلاف حول النسبة التي حصل عليها. ربما لم يدرك الرئيس والقائمون على قيادة معركته -بما في ذلك أعضاء في اللجنة العليا للانتخابات- أنه كلما قلت نسبة فوزه عظمت مصداقيته وشعبيته، وظهر أثر هذه التجربة الأكثر جدية في الانتخابات اليمنية على كثرتها. فالتجربة التي بدأت هزواً عام 78 و99 قد تحولت إلى عمل جدي ومهم. ولعل الانتخابات الرئاسية والمحلية اليمنية تضيف رابعاً إلى القاعدة الفقهية القائلة: “ثلاثةٌ جدهنَّ جد وهزلهنَّ جِد: الزواج والطلاق والبيع”. وتضيف اليمن والانتخابات.
لا يفيد الديمقراطية ولا العمل السياسي ولا المستقبل النظرة العدمية للتجربة رغم عيوبها وما شابها من قصور. كما أن المبالغة في هجائها وتقزيمها يصيب الناس بالقرف واليأس الذي يسميه القرآن الكريم كفراً “ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون” الآية. فالانتقاص والتهوين من شأن التجربة كالمبالغة في تزكيتها وفرادتها وطهرانيتها تؤدي إلى نتيجة واحدة هي الوأد والتعقيم (بمعنى: الإصابة بالعقم). وإذا ما أردنا معرفة سر انتصار الرئيس صالح وحزبه المؤتمر الشعبي العام الموصوم بالترهل والفساد والاستبداد فلا بد من قراءة حال المجتمع اليمني وتعقيدات تركيبه المجتمعية ذات الجذر التقليدي، والقشرة الحداثية الملتبسة والمزدوجة.
إن البكاء على أطلال تزييف الانتخابات، والحديث المسهب عن احتكار السلطة واستقوائها بالجيش والمال العام والوظيفة، على صحته، لا يدرك عمق المأساة المتجذرة في مجتمع تصل فيه الأمية 70% في الرجال، وأكثر من 80% في النساء، ويلف الفقر بجلبابه الأسود غالبية مواطنيه، ويسكن أكثر من ثلثيه في الريف حيث تسود الأمية والفقر وهما أعظم أنصار الفساد والاستبداد، ورفض الحداثة والتمدن والحرية. فالأمية -بمعنييها: الأبجدي والمعرفي، وغلبة مجتمع تقليدي مؤزر بالسلاح، ومدجج بالأمية والفقر المدقع- هي السلاح الفتاك بيد الاستبداد والفساد ولن يكون الانتصار في معركة الحرية الديمقراطية بدون تحديث المجتمع وتطوير البنية التقليدية والقضاء على الأمية الأبجدية والمعرفية وهي رسالة الحكم والمعارضة على حَدٍّ سواء.
كثيرون منا قد قرأوا أجواء ما قبل “الحسم الانتخابي” بنوع من الرغبة والتمني. وإذا كان فوز صالح مؤكداً فإن الريبة في النسبة تظل حقيقية ولها مبرارتها. أما فوز المؤتمر بالمحليات- إلى جانب الشك في النزاهة بالأساس- فإنَّ الأمر الأهم أن المحليات لا تعنى المواطن كثيراً فإلى جانب شكليتها وسيطرة المركز الصارم عليها فإنها في الماضي لم تحقق شيئاً. ويكفي أن ندرك أن اليمن التي يجري فيها تنافس جدي وحقيقي على منصب رئيس الجمهورية لا يسمح قانونها بالتنافس على مركز المحافظ أو مدير الناحية أو مدير الجامعة. وينص الدستور على تعيين هؤلاء من هرم السلطة التنفيذية. وهو ما يجعل التنافس عيلها غير ذي بال، وفوز المؤتمر فيها مردهُ ارتباط الانتخابات فيها بالرئاسة وارتياب بالنزاهة. والأهم عزوف الناس عنها. نجاح صالح الكاسح مرده، إضافةً إلى ما تقوله المعارضة، إلى طبيعة البيئة اليمنية القاسية والأمية الفقر والشمولية، ومقدرة صالح على استغلالها أسوأ استغلال بما في ذلك قضية الأمن والصوملة والتهديد بالمجهول.
ولـ”إبن شملان” تحية ود وعرفان لشجاعته وصدق توجهه والأنموذج الذي قدمه.