علي عبد الله صالح رئيساً.. ولكن غير شرعي – لطفي شطارة*

علي عبد الله صالح رئيساً.. ولكن غير شرعي – لطفي شطارة*

دار جدل بيني وبين صديق لي حول الطريقة التي جرت لإبقاء علي عبد الله صالح رئيسا للجمهورية اليمنية والتي بدأت بالترغيب وانتهت بالترهيب، وهي السياسة التي أفصح عنها مرشح المؤتمر الشعبي أمام العالم في المقابلة التي أجراها معه الصحافي السعودي المتألق داود الشريان.. يصر صديقي بأن علي عبد الله صالح سيكون رئيسا شرعيا لليمن بعد أن حصل على النسبة التي أعلنت عنها الفضائية اليمنية مساء أمس وبصورة سريعة وفي بيان مقتضب، وأصر من جانبي أن علي عبد الله صالح لن يكون رئيسا شرعيا للسبع السنوات القادمة لأسباب نعلمها جميعا، بدأت من كذبة زهد علي عبد الله صالح عن السلطة وعدم ترشحه للانتخابات، ثم إصراره على رفض التراجع عن قراره أمام حشد من “أراملـ” المؤتمر الذين تقاطروا على العاصمة صنعاء للنحيب والبكاء على “معيلهم” وهم يصرخون أمامه: “لمن عاتتركنا لمن عاتسيبنا”، لانه الأب الروحي لهم، فلو ذهب لانهارت “عصابة الفساد” أمام ضربات التغيير التي يتطلع، وما يزال، إليها الشعب اليمني إليها.. ثم تراجعه عن قرار زهده عن السلطة ليؤكد أنه متشبث بها بعد كرنفال ساحة السبعين في صنعاء تقدمت فيالق من الجمال وألوية من الأبقار مختلفة الأحجام و” التهجير ” بها لاستعطاف قلب فارس المؤتمر الوحيد الذي عاد عن قراره بعد أن “رق قلبه ” رأفة بالأبقار والجمال التي اقتيدت الى تلك الساحة من أموال الفساد لتوزع لحومها على الفقراء الذين دفعتهم الحاجة وليس الولاء، لا للمؤتمر ولا لفارسه الزاهد عن ركوب الخيول.. ثم أخيرا اللوحة التي قدمها رئيس المؤتمر ومرشحه خلال الحملة الانتخابية التي أفصح خلالها وبشكل علني” أنا وما بعدي الطوفان”.. من تشنجه وصراخه بأن المشترك وقياداته أعينهم على النفط والمال وتدمير الوطن، ونسى أنه يتحدث عن نفسه وعن حزبه الذين يمارسون ويقودون الوطن الى المجهول، ولم يتورع رئيس الدولة ومرشح حزبه حتى من استخدام ورقة الإرهاب لترهيب خصومه في المعارضة، واستغل ربط العالم للإسلام بالإرهاب لأن اكبر منافسيه حزب إسلامي ” الإصلاح” اعترف الرئيس وعلنا انه استخدمهم في تحالفاته السابقة معهم ك “كارت” في فترة من الفترات وهذه بحد ذاتها إدانة الرئيس لنفسه وعلى الملأ أنه هو الذي يستخدم الإسلاميين لتمرير أعمال تساعده على البقاء في الحكم حتى وان كانت إرهابية، او أنه يستفيد من تعريف الغرب للإرهاب ليمارسه هو على خصومه وفي وطنه، فبعد يوم واحد من مقابلته في قناة الجزيرة واتهامه لحلفائه السابقين ” الإسلاميين ” بأنهم إرهابيون حدثت محاولة تفجير مصفاة عدن ومنشآت نفطية في مأرب وحضرموت وفي توقيت واحد، فربما تصريحات الرئيس في تلك المقابلة كانت إشارة لبدء تنفيذ تلك الأعمال وإلصاقها بالإسلاميين الذين وصفهم بالإرهابيين، ثم اكتشافه أن الحارس الذي رافق خصمه الأستاذ فيصل بن شملان هو ” إرهابي كبير ” ليتهم بن شملان والمشترك بأنهم يؤون الإرهابيين، وتبين بعد ذلك أن صاحب الصورة مقرب من السلطة ورجل أمن ويحمل الجنسية الأمريكية، فكيف والله يمكن أن نقول أنها انتخابات نظيفة وشفافة ومتكافئة! في الوقت الذي استخدم مرشح المؤتمر كل الأوراق من الإرهاب إلى اختطاف الأجانب الفرنسيين الذي استغلها حزبه ليحملها الشيخ حميد الأحمر بأنه وراءها، ليكبح جماح الشيخ الشاب الذي وقف وبقوة في وجه رئيس المؤتمر. ولكن تبين أن السلطة هي من وقف وراءها والدليل تأكيد الرئيس نفسه أنه سيتم الإفراج عنهم بعد إعلان النتائج وهذا ما حصل بالفعل، فمن وقف وراء الاختطاف الرئيس ام الشيخ حميد؟، ألم تكن تلك العملية بمثابة رسالة للمراقبين بأن من يخرج منكم خارج العاصمة، او عواصم المدن الرئيسية لا نضمن سلامته اذا تعرض للاختطاف؟ فكيف إذن تكون انتخابات حرة وشرعية ورئيس الدولة ومرشح الحزب الحاكم يمارس إرهاباً ضد خصومه وترهيب المراقبين بعدم ضمان سلامتهم؟! فعن أي شرعية للنظام يتحدثون!
لقد كان الكرنفال الانتخابي الذي أراد فيه النظام أخذ شرعيته بالقوة وبأي ثمن وبطرق، في كثير منها لا أخلاقية، حتى بدا الغرور والاستعلاء في خطابات ومقابلات رئيس الحزب الحاكم بأن كل ” الانجازات ” هو الذي حققها ولوحده، فالوحدة هو صانعها.. الديمقراطية هو واهبها.. والطرقات هو مبلطها.. والدولة هو بانيها.. ولكنه لم يتحدث عن الثروة ومن مبددها؟ ودولة الفساد من مؤسسها؟ ونعمة النفط من شافطها؟ والفوضى من صانعها؟ والوحدة من مهددها؟ والأخلاق والقيم من مفسدها؟
كل ما أسلفته كانت مقدمات لعمليات التزوير الكبرى لشرعنه وضع غير شرعي، فالشرعية لا تعطي الحق لرئيس الدولة أن يكون هو الخصم وهو الحكم، وهو المبدد للمال العام وهو الداعي لمحاربة الفساد.. كما ان الشرعية تأتي ليس من وجود دستور بل في الالتزام بتطبيق بنوده.. فالعملية الانتخابية برمتها جرت بطرق غير شرعية مارسها الحزب الحاكم مناقضا بذلك الدستور والاتفاقات الموقعة مع معارضيه. التنافس الذي أقيمت من أجله الانتخابات على منصب رئيس الجمهورية معلن بأنها بين الرئيس ( الزاهد ) وبين ومنافسيه من المعارضة، أبرزهم ائتلاف المشترك، ومادامت العملية الانتخابية اشترطت لشرعيتها قبول جميع الأطراف بالإجراءات والنتائج التي ستسير عليها العملية الانتخابية، والتي ستفرز رئيسا شرعيا بعد قبول جميع المشاركين فيها بأية نتائج ستفرزها هذه العملية.. فإن أول الخارجين عن الشرعية هي اللجنة الانتخابية التي دمرت، وبتواطؤ مفضوح مع السلطة، حلم كل اليمنيين التواقين الى تغيير سلمي للحكم.. حلم شعب مل ” علب الكوكا كولا ” التي وصف بها الأستاذ عبد الرحمن الراشد الزعماء العرب الذين أصبحوا ماركة مسجلة في بلادهم مثلهم مثل المشروبات الغازية.. اللجنة الانتخابية العليا التي زورت وعلنا الأرقام الرسمية لعدد المسجلين في نتائج تعداد 2004م والتي تشير إلى أن إجمالي سكان الجمهورية اليمنية للفئات العمرية التي يحق لها التصويت وصل الى (8990000) نسمة فقط ثمانية ملايين وتسعمائة وتسعون ألف نسمة فقط،، بينما تشير اللجنة العليا للانتخابات إلى أن المسجلين وصل إلى تسعة ملايين ومائتين وثمانية وأربعين ألفا وأربعمائة وستة وخمسين ناخباً (9248456).. أليس هذا تزويراً وفي أوراق وأرقام رسمية؟! أليس هذا العبث كفيلاً بإلغاء النتيجة التي أعلنتها اللجنة بعد تضارب في المعلومات لإرباك المراقبين والصحافيين عن الفائز في الانتخابات الرئاسية.
ثم إن أسلوب البلطجة الذي مارسه حزب تمرس على مثل هذه الأعمال على مدى 28 عاما، في اغتصاب أصوات الناخبين، في إحراق صناديق وتهريب أخرى وإغلاق مراكز من الفرز كفيلة جميعها بإلغاء شرعية النتائج التي وضعها الحزب كأمر واقع على الرأي العام في الخارج، أما الداخل فيعلم الجميع أن الفاسد عمره لا يصلح نفسه، وسيبقى وضعه غير شرعي حتى تستقيم الأمور بطريقة يقبلها الجميع، واذا كان الرئيس واثقا بالفعل من فوزه لأسكت أول من نطق بهذه الكلمة سواء من الصحافيين او قادة اللقاء المشترك الذين رفضوا نتائج التزوير، وأصر على إعادة الانتخابات وتحت إشراف دولي متكامل من بداية التسجيل وحتى إعلان النتائج.. لان مرشح الرئاسة لحزب المؤتمر يعلم جيدا أنه لن يحصد تحت الإشراف الدولي ما حصده تحت شلة الجندي والشريف.
ولكي نقول ان الانتخابات شرعية ونتائجها شرعية أيضا، على كل طرف ان يقدم دلائل عن خروقات وتزوير، وما لم يتم حسمها بقبول الطرفين تبقى النتائج المعلنة غير شرعية حتى يبت فيها القضاء او تعاد الانتخابات وبشروط يقبلها الطرفين. ألم تعد عملية الفرز في الانتخابات التي جاءت بالرئيس جورج بوش الابن الى السلطة بعد أن طعن منافسه ال جور بالنتائج وقفت محكمة أمريكية بإعادة الفرز.. من يتحدث بأنه هو راعي الديمقراطية في اليمن عليه تطبيقها واحترام قواعدها، فالانتخابات النزيهة معاييرها واحدة لا تختلف بين واشنطن او لندن او صنعاء او الكويت، التي خرج منها الدكتور سعد بن طفلة العجمي وزير الإعلام الكويتي السابق مستهجنا فوز صالح في الانتخابات بمقاله الرائع ” فخامة الرئيس.. ليتك لم تنجح! ” المنشور في صحيفة الاتحاد الإماراتية أمس.
فكيف يكون الرئيس منتخباً وشرعياً وهناك خمس أحزاب نافسته في الانتخابات نيابة عن 20 مليون يمني جددت اليوم رفضها لنتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت الأربعاء الماضي، والتي أشارت أمس إلى أن الرئيس علي عبد الله صالح فاز بحصوله على أكثر من 77% من أصوات الناخبين، واعتبرت المعارضة أن النتائج التي ظهرت أمس “باطلة”، وحسب تصريحات علي الصراري المتحدث باسم اللقاء المشترك -الذي رشح فيصل بن شملان للانتخابات: “إن التحالف يرفض هذه النتيجة ويعتبرها غير شرعية وصدرت بأمر رئاسي”، فكيف اذا تصبح النتائج شرعية والفائز رئيس شرعي والنتائج ليس مشكوك فيها، بل يعتبرها الخصوم مزورة ومع سبق الاصرار والترصد، وشدد الصراري على بطلان هذه النتيجة وافتقارها: “إلى أي وثائق أو محاضر فرز رسمية”، مضيفا أن لدى اللقاء المشترك -وهو تحالف لخمسة أحزاب- “وثائق تظهر تزوير مليوني صوت احتسبت لعلي عبد الله صالح وكانت لبن شملان”.
والتشكيك بنزاهة الانتخابات التي تلغي شرعيتها لم تقله المعارضة بل جاء ايضا على لسان البارونة نيكلسون ونتربورن، رئيسة بعثة الاتحاد الأوربي للرقابة على الانتخابات اليمنية، في مقابلتها مع صحيفة ” الأيام ” العدنية في العدد 4900، والتي ذكرت ان الوضع الثانوي للمرأة وارتفاع معدلات الأمية في البلد أثرا سلبا على العملية الانتخابية، هذه النقطة الثانية، فيما يتعلق بالجوانب السلبية التي تخللت الانتخابات اضافت قائلة:«الاستخدام الكبير لموارد الدولة من قبل الحزب الحاكم اثناء الحملات الانتخابية وانطباع بوجود الحزبية في عملية اتخاذ القرار في إدارة الانتخابات “.
وأقرت بعثة الاتحاد الأوربي في تقريرها الأولي ان جميع الأحزاب السياسية التزمت بإجراء حملات انتخابية مسالمة ولكنها تنتقد بعض الاعتقالات التي حدثت لمرشحين من المعارضة ومناصريهم، وأكدت البارونة: “أظهرت الجهات التابعة للدولة، وعلى الأخص الشرطة والجيش دعما كبيرا للحملة الانتخابية للرئيس الحالي”.
هذه التصريحات ألا تدل ان الانتخابات غير متكافئة، وأن الرئيس سخر السلطة لصالح فوزه في الانتخابات وبأي ثمن؟ أليست هذه مخالفة للدستور (ابو القوانين؟) ولماذا لم نقرأها ولم نسمعها في إعلام الحزب الحاكم؟ الذي يمارس تضليلا فجا ومستهترا بعقول الناس، معتقدا انه الذي يملك الحقيقة، ونسى أن العالم لن يصدق ديمقراطية وانتخابات حرة في اليمن تشرع لرئيس حكم 28 عاما ويريد اغتصاب السبع السنوات الأخرى بالسلطات التي كشفتها مندوبة الاتحاد الأوربي.
كل ما عمله الحزب الحاكم انه استند الى آراء شهود وكررها في الفضائية اليمنية، والمثل يقول: “العاجز يدور عن شهود ” لهذا وجدنا المؤتمر ومواقعه الاليكترونية وحليفاته في الوقت الراهن وصحفه وأبواقه التي ملأت شاشات التلفزيونات، يشذب وينمق تصريحات الصحافيين والمراقبين الذين جاملوا كرم الضيافة التي منعتهم من ان يكونوا محايدين بالفعل، ولهذا يجب أن لا نعول على ما يقوله هذا السفير أو ذاك المراقب أمام شاشات الفضائية اليمنية “قفي” التي برهنت للعالم أن الديمقراطية كذبة كبرى، وان الإعلام في قبضة مرشح المؤتمر، ومع ذلك كل الدلائل التي بحوزة المشترك والتي رصد من خلالها جميع الخروقات وممارسات التزوير كفيلة بأن يعلن المشترك بيانا يرفض نتائج الانتخابات ويعتبرها غير شرعية ويطالب بلجنة تحقيق دولية، ومطالبة إعادة الانتخابات تحت إشراف دولي بدءاً من فحص السجل الانتخابي وحتى إعلان النتائج، ما لم سيبقى المشترك مسؤولاً عن أصوات الملايين التي خرجت إلى الشوارع تسانده، وتلك المحفوظة أصواتهم في صناديق رفض العسكر فرزها.
ولهذا يجب القول وبصوت عال للمؤتمر ومرشحه: إنه ما لم يجر تسوية هذه الانتهاكات والرد على اتهامات التزوير التي تؤكدها المعارضة وبالوثائق، والرد على اتهامات مندوبة الاتحاد الأوربي للسلطة بتسخير كل إمكانات الدولة لصالح الرئيس، يبقى المرشح علي عبد الله صالح رئيسا للجمهورية اليمنية.. ولكنه غير شرعي للسنوات السبع القادمة حتى ولو أقسم اليمين يوم الأربعاء المقبل.

* صحافي وكاتب بريطاني – يمني مقيم في لندن

[email protected]