يمن جديد ننتظره من المؤتمر… ومن المعارضة أيضاً – نبيل الصوفي

يمن جديد ننتظره من المؤتمر… ومن المعارضة أيضاً – نبيل الصوفي

* نسبة من يعبدون الله حقا من خلقه هي أقل من النسبة التي يريدها المؤتمر منَّا كناخبين
* المعارضة ليست كأميركا ظهيرة ال11 من سبتمبر من حيث حجم الفجيعة والغضب، ولكنها عاجزة عن احترام من يقول رأيا يختلف عمَّا تريد خاصة حين لايكون شيخا، بدسمال أو عمامة.
* تبادل المؤتمر والمعارضة الفاعلية الميدانية والاهتمام بالإعلام، غير أن صالح لعب متحللا من أي قيود.
* صعدة رفضت بالتصويت لصالح حشرها وراء الاضطهاد الديني، وأغلب المصوتين قالوا إنهم غير معنيين بالخطابات الفوقية
* المؤتمر والناخب، كانا أبرز الفائزين في هذه الانتخابات
* تعطلت صفارة الإخوان، واحتكرت الشكوى جهود الاشتراكيين، وعلى المعارضة مراجعة العلاقة المختلة بين خطابها السياسي وأدائها التنظيمي، وردم حفر الماضي وليس العودة للإختباء فيها
* صالح مطالب بحماية تحالفه مع البسطاء ضد الوسطاء، والمعارضة معنية بحماية مشروعها الوطني الديمقراطي من خصوم صالح، وتشديد مطالباته بالإنجازات مقابل تأمين مشروعيته في الحكم خلال 7 سنوات

أسفاً، ولأسباب موضوعية لم أعمل مع المعارضة خلال الانتخابات الأخيرة إلا من حيث نشر موقع أتولى مسؤوليته مناشطها بمالايقل عن مافعلت وسائلها، ولكني مهتم بحالها بذات مستوى اهتمامي بالمؤتمر الشعبي العام لذا أحاول (وقد فض رمضان مولد التنافس) أن أقف في مربع مختلف من حيث كونه متخففا من التشكي المعارض، والفرح والابتهاج الحاكم. لذا سأكتفي بتتبع الإيجابيات التي رأيتها خلال أكبر عملية تسييس شهدتها اليمن (والوصف لبن غالب صاحب هذه الصحيفة).
ولكني استسمح القارئ بمقدمة صغيرة لتمرير قليل من الغضب. إذ أشعر بالأسى –كمواطن- من لجنة عليا تدافع عن صورتنا السلبية حتى ضد طموحاتنا أن نبدو مختلفين. ماضر رئيسها لو تريث قليلا في التعبير عن فرحه بمؤشرات الصناديق الأولى. فإعلانات اللجنة العليا ليست مؤشرات.
وأشعر بأسى أكبر –كمتابع- من حزب حاكم يريد أكثر حتى ممايعطيه الخلق لربهم، أظن أن نسبة من يعبدون الله حقا من خلقه هي أقل من النسبة التي يريدها المؤتمر منّا كناخبين.
وسأحاول أن لا أقول شيئا عن المعارضة. وسأكتفي بما سأمرره بين سطور الإيجابيات التالية. إذ ليس لدى المعارضة قدرة على احترامنا حين نقول رأيا يختلف عما تريد أو عما كنا نقول.
بالتأكيد ليست هي الآن كأميركا ظهيرة ال11 من سبتمبر من حيث حجم الفجيعة والغضب، ولكنها معارضة من شارعنا العام الذي يرفض منح الإصلاحيين والاشتراكيين صك قبول تغير حال العلاقة بينهما، ولذا فالمعارضة أيضا ترفض قبول أي معطيات وراء تغير مواقف البعض خاصة من لاتسبق أسماءهم ألقاب من قبيل “الشيخ”.
فللشيخ “سواء شيخ عمامة أو شيخ دسمالـ” مبرراته ولنا ماتبقى من (ضعف الولاء الوطني، وبيع الذمة، وقليل من خواء روحي….).

فوز مؤتمري بجدارة وبخروقات
للمرة الأولى يمكن القول إننا شاهدنا مؤتمرا شعبيا عاما مختلفا. المؤتمر الذي اختار الأستاذ المناضل حسين المسوري ممثلا عنه في معركة؛ الخطاب العام هو سيدها هي انتخابات 2003، هو الذي قدم وجوها مختلفة للمجالس المحلية من وديان حضرموت وحتى جبال صنعاء. ليس هذا مطلقا لكنه غالب بحيث يمكن مشاهدته.
المؤتمر، نعم بدا عاجزا عن أن يظهر كوحدة قادرة على التنظيم، حتى أن رئيسه ومرشحه للانتخابات الرئاسية لم يظهر ولا مرة في إحدى مقراته، وحتى مؤتمره الصحفي بعيد إعلان فوزه كمرشح للمؤتمر عقده في بهو دار الرئاسة وليس في اللجنة الدائمة. كما أن رئيس المؤتمر ظل يشكر كل الفعاليات السياسية في كل المهرجانات.
لكن هذا المؤتمر كان هو وسيلة الحشد الأولى. وبدا كحزب جديد، استخدم أدوات لطالما كانت حكرا على خصومه. تجاه المسجد كان خطيبا، وفي شارع الفن كان حاضرا (أناشيد أو أغاني)، وحتى في مقرات اللجان الانتخابية شعرت بالامتنان لشباب ظننتهم من أعضاء التجمع اليمني للإصلاح وهم يساعدوني على الوصول لصندوقي الانتخابي بحماسة، قبل أن يهمسوا في أذني وأنا أدلف غرفة اللجنة الانتخابية “المؤتمر ياطيبـ”. –هكذا كنا نفعل أيام النشاط التنظيمي من لجان الاستقبال الطلابية إلى الانتخابات-. ومقابل تطور معارض تجاه الإعلام إذ تتالت مؤتمرات اللقاء المشترك الصحفية وهو مكسب إيجابي للإعلام، فإن المؤتمر لم يعقد مؤتمرا صحفيا واحدا متفرغا للعمل الميداني المطلق.
رئيسه بدا في كامل لياقاته. رافقته كصحفي في غالب مهرجاناته وكنت دوما أبحث عن معالم الأزمة التي يتحدث معارضوه أنه يعيشها فلم أجد لها أثرا.
وبحدود علمي وما رأيت، مع اعتراف أنه قليل، فلم أر صورة لمنافسه فيصل بن شملان استفزته. حيا شبابا رأيت التوتر في وجوههم وهم يستقبلون موكبه في كحلان حجة رافعين صور منافسه. والأمر ذاته فعله في شعيب الضالع. (وعلى العكس كان موقفه إيجابيا حين أدان فعلا ترك صورة كبيرة للمهندس فيصل بن شملان مقصوصة الوجه على أحد منازل سيؤون).
المنطقة الوحيدة التي لمست فيها قلقا من تأثير معارض هي محافظة تعز. غير أن حشود مهرجانها أظهر نشوة في وجه الرئيس. والمرة الوحيدة التي رأيته فيها مرتبكا يعيد الكلمة مرة ومرات كان في مهرجان عدن. وإلا فقد كان يتحدث بسهولة ولطالما عذب الورقة التي يعدها قبيل المهرجان، فلايلتزم بالقراءة منها إلا قليلا كما كنا نراه.
والأهم أنه عمل دون قيود عكس خصومه، فقد كان يستمع لخطاب سلفي يحرم التعددية والديمقراطية في مهرجاناته، ويكتفي منه أنه يدعو له سواء كولي للأمر، أو صاحب أفضال، ليقوم بعد ذلك مفاخرا بالديمقراطية التي أسسها، داعيا ناخبيه إلى صندوق الاقتراع.
يهاجم أحزاب “الحقد” المشترك، ويلهب بالحديث عن “غياب الشمس” حماس خصوم كثيرين لها، ويذكر بمآسي عهد الاشتراكيين، ثم يوجه شكره لـ”الشرفاء في الاشتراكي، والمخلصين في الإصلاح”. ويعتبر اللقاء المشترك أحد إنجازات عهده. ويترحم في أبين على حسين عثمان عشال، وفي تعز يفاخر بعبدالفتاح إسماعيل.
يوافق للأستاذ عبدالرحمن الجفري على العودة، ويرحب بترشيح رئيس الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح له، ولكنه يصر على الوصول إلى أي تجمع للناخبين؛ قيل له إن عليه الراحة صبيحة يوم السبت، فالتفت قائلا “ومتى سقطرى؟”، وهي لم تكن في بال فريقه.
قيل له إن ناخبي “حوث”، ولست أدري إن كانت تتبع صنعاء أو صعدة، يمزقون صوره، وأن شبابا في جنح الليل “يقلعون” لوحات تدعو لانتخابه. فوصل محافظة صعدة داعيا “أتباع الرزامي والحوثي” الى تأسيس حزب.
لست أريد القول إن المؤتمر ومرشحه للرئاسة فاز في هذه الانتخابات بدون خروقات. ولكنه أولا فعلها بجدارة ثم للأسف الشديد دعم هذه الجدارة بكمية من الخروقات ليس اقلها الاستخدام الخطر لورقة الإرهاب، وهي التي جعلت رئيس الهيئة التنفيذية للقاء المشترك والدائرة السياسية للتجمع اليمني للإصلاح “محمد قحطان” يعاتب رفاقه في إدارة الحملة والحماية الأمنية بحصافة الاعتراف أن حادثة الذرحاني أفقدت المعارضة 15% من 40% هي حصتها في الشارع السياسي.
لكن الخروقات ليست هي جديد انتخاباتنا. كما أن ثمة عمقاً اجتماعياً وثقافياً وليس مجرد توجيه إداري للكثير منها.
ونضالنا السياسي والثقافي هو ضد هذه الخروقات وليس ضد المؤتمر كحزب وقيادة. لقد استخدم المؤتمر–في الغالب- كل ماهو عام ولكن بذكاء افتقده في مرات سابقة، ولولا كمية الصور التي توزعت في الشوارع مظهرة عدم التكافؤ بين صالح وبن شملان لأتعب المراقبون في إدراك قصد المعارضة من حديثها عن الفرص غير المتكافئة.

وللناخب رسائل
وموازيا للمؤتمر ورسائله التي بعث بها مدللا أنه، وأخيرا، استشعر خطر المعارضة ميدانيا، فإن الناخب قدم خلال الانتخابات رسائل مهمة. ومثلما قال الأستاذ أحمد صوفان –وزير التخطيط السابق- في حواره مع أسبوعية الناس بعد الانتخابات فإن “التحولات التي حصلت في عقلية الناخب وتفكيره ليست بسيطة”.
لقد قالت النتائج أن بعض أعضاء الأحزاب صوتت لعلي عبدالله صالح ضد خيار قيادتها مع أن صالح كان سببا لكثير من مآسي هذه الأحزاب ومن ثم هؤلاء الأعضاء. ومع أن ترشيح بن شملان، وتحالف المشترك من القرارات الممتازة لقيادات الأحزاب، لكن ثمة تراكمات إدارية وتنظيمية وسياسية صوتت القواعد ضدها على طريقتها.
وعلى مقربة من ذلك فإن الوعي الذي صنعته هذه القيادات لسنوات طوال ضد بعضها البعض، عمل ضد تطورها ورشدها، لأنها لم تخدمه كما خدمت نقيضه، فنحن نعرف أن بعض المحاولات في المراجعات قد وئدت، وأن المناهج التنظيمية الجديدة لم تأخذ دورتها في صنع وعي جديد.
ولايعني هذا أن صالح حصد كل الأصوات، فالأصوات التي حصل عيها مرشح كياسين عبده سعيد، والنسبة الكبيرة للأصوات الباطلة تؤكد أن هناك مواطنين لم يثقوا بالمعارضة لكنهم لم يقتنعوا بكل ما اعتبروه مجرد خطاب انتخابي للرئيس.
لقد منح مرشح المؤتمر الشعبي العام من صناديق صوتت لمرشحي ذات الحزب للانتخابات المحلية على “صفر”، وفي مناطق أخرى حصل صالح على أقل من 1 من عشرة في المائة.
وأعطت مناطق القيادات المنتفعة من صالح للأخير لاشيئ، فالناخب يريد مصلحة تخصه كفرد وليس مجرد غرام.
وباعتقادي، والفكرة هنا للأستاذ عبده سالم، أن مناطق يمنية صوتت ضد خطاب سياسي عالي، هو عادل ولكنه لايمثل مصالحها المباشرة. أبناء صعدة صوتوا لصالح للتعبير عن رفضهم محاولة حشرهم وكأنهم مجرد أتباع مذهب مضطهد في دولة الأغلبية السلفية.
وأبناء المحافظات الجنوبية والشرقية غاضبين من استغلال مآسيهم تحت عنوان المشكلة الجنوبية. إنهم هنا وهناك يمنيون وحدويون ومشكلتهم مع الفساد وليس مع الوحدة، ومع الفقر وليس مع صنعاء أو سنحان.
وأزيد من عندي، أن عمران التي صوتت لعلي عبدالله صالح كانت تؤكد أن نشاط حميد الأحمر هو نشاط حزبي وليس قبلي، ديمقراطي وليس جهوي.
كما أن النسبة العالية التي حصدها صالح في غالبها رفض لأدلجة المعارضة، أو بمعنى أدق لتحويلها لعمل عقائدي. لنقل أنه معاقبة للخطاب الإعلامي المعارض الذي كان يعتبر ترشيح صالح مجرد فساد، وقلة ولاء وطني، وبيع ذمة. وأن اختيار المهندس فيصل بن شملان هو التغيير. (التغيير ليس مجرد سوط ضد الرئيس صالح إنه منهج لايصح أن يطالب به طرف لحماية نفسه من ذات المطالب، فمتى عرفنا تغيرا داخل مؤسسات المعارضة التنظيمية حتى يغرينا بالانحياز لها ضد صالح). كما أن من صوت لصالح كان يحمي المعارضة من وعي بدت بعض مؤشراته واضحة من خلال التصريحات. إن المعارضة في بعض توجهات قادتها تعتقد أن حصول صالح على أقل من 60% كان يعني هز شرعيته، وهذا وعي كارثي.
إن غالب الرؤساء في البلدان الديمقراطية لايصلون هذه النسبة (60%). الشرعية تعني أن يفوز أحد المتنافسين بالأغلبية البسيطة. وهذا لايختلف على تحققه لصالح اثنان. ومن هنا فإن الواجب الوطني على المعارضة أن ترفض أي تشكيك في شرعية حكم صالح بل وتتصدى لتأمين هذه المشروعية، مقابل ضغوط كبرى عليه لينجز برنامجه الذي لايختلف كثيرا عن برنامج مرشحها المهندس فيصل بن شملان.

قضايا الناخبين
كما أن الناخب بتصويته لصالح رئيسا، وحزبه حاكما محليا، قال للمعارضة إنه لايعرف اهتمامها بتفاصيل حياته. لست اشهد للمؤتمر هنا فالأخير في وعي الناخب هو المدير العام وليس الناشط السياسي. والبيان الذي هو بضاعة المعارضة لاينتقل من مقايل صنعاء إلا إلى صحفها عكس بيانات الزمان الغابر.
لقد عاتب صالح أجهزته قبل الوحدة لأن صفارة من قيادة الإخوان حركت مساجد اليمن، رغم فوراق الإمكانيات فيما قرارات الحكومة لاتصل إلا وقد أتخذ عكسها.
وعن قضايا الناخبين أتذكر أني في آخر اجتماع لهيئة الشورى المحلية للتجمع اليمني للإصلاح بأمانة العاصمة، انتقدت في خطة الحزب السنوية غياب الحديث عن الأرامل والمطلقات، والناجحين والراسبين في الاختبارات، وسائقي التاكسيات، وملاك البناشر والورش، والمهمشين والرياضيين، ومشكلات الحارات من مياه وكهرباء ونظافة، مقابل اهتمام من كل دائرة بـ”العلماء” وكأننا في دار العلوم وليس في حزب سياسي يريد التصدي للحكم وعبر الانتخابات.
ومع فوارق إيجابية في المدن نتيجة اتساع قاعدة الإصلاح، فإن في الريف لايزال الإصلاحي فيه فقط إمام مسجد، فيما الاشتراكي أصبح مجرد ناقم على المقرات المنهوبة. وهذه وظائف وقضايا مهمة، لكن الناخب لايعتقد أن أصحاب هذه الوظائف بحاجة ليكونوا ممثلين له في المحليات أو غيرها.
ومقابل التماسك الممتاز للمشترك قبل الانتخابات، فإن هذا التماسك لم يعبر به عن مشروع للمستقبل. فمنذ إعلان مشروع الإصلاح السياسي للقاء المشترك فإن قواعد الأحزاب لم تعقد اجتماعات مجتمعة.
لقد قلت لقواعد المشترك في بعض المناطق الريفية قبيل الانتخابات: اعملوا معا، فأنتم الجديد الذي إن تعودتم على بعض ستحققون الفوز لكن هذا لم يحدث. وليت أن قيادة المعارضة تأخذ كلامي هذا محمل الجد وتعالج هذه الإختلالات. إنا نريدها عملاقة في انتخابات هي على الأبواب: 2009م.
أقول وجَّه الناخب رسائل لهذا كله. ثم إنه اسقط الخطاب الكلي والقضايا التي كنا نعتقدها مفاصل كبرى. هو احتشد في مهرجانات المهندس فيصل بن شملان ليستمع له، ويشعر بالاعتزاز أن يمنيا يخطب على الملأ ضد الرئيس، لكن هذا المستمع لم يكن معنيا بقضايا الإصلاح السياسي والنظام البرلماني. كان البائع المتجول، أو سائق البيجو مشغول وهو يستمع لبيان معارض عن موارد النفط بقيمة صواميل، ومساحات الزجاج، ومشكلات الفرزات، ومطبات الطرقات وهو لايسمع عن هذه لا في المسجد ولا عبر الثوري، ولا في الصحوة. فضلا عن بيانات الأحزاب.
ومن هنا فإن التصويت هذا بقدر مايطالب المعارضة الكف عن التشكيك في استحقاق صالح الرئاسة، بل يوجب عليها الدفاع عنه في مواجهة أي انتقاص باعتباره خيار الشارع حتى بالنسبة التي تعتقدها المعارضة (60%). فإنه يحمل صالح احترام التحالفات، فهو نال ثقة الشارع وليس توكيلا من الوسطاء. كما أن بديل الفرز الخطر على الديمقراطية ليس العودة للتحالفات ماقبل الانتخابات. المطلوب عدم تحول العلاقة بين المؤتمر والمعارضة لا إلى مصدر قلق للسكينة الاجتماعية عبر سياسات الإقصاء أو عبر الرد عليها، ولكن أيضا ليس بديلا للإنجازات. صالح يتوجب عليه العمل لمصلحة ناخبيه، ولكن بأفق ديمقراطي يحترم مواطنة ناخبي خصمه لأنهم معا يمثلون الشرعية اليمنية.

وللأحزاب نصيب من الإنجاز
ومع سلبيات عدة، يتوجب علينا أن نقول أن المعارضة كانت هي علامة هذه الانتخابات. لست أدري لماذا تغرق في التذمر وكأنها فعلا كانت مستعدة لدخول القصر الجمهوري؟
خاضت المعارضة أول عمل سياسي في اليمن. نعم أول عمل سياسي لايبحث عن المدخل الخلفي لدار الرئاسة بل البوابة الرئيسية التي تبني نضالا أو تفرض على الحاكم تحقيق الإنجازات. لم افهم لم استجابت المعارضة للجنة العليا للانتخابات التي احتكرت اهتمامها منذ ماقبل العامين. محليا أنا لم أفهم حجم الكارثة، إلا أنها “عجز عن إدارة الأهداف”. ظللنا نقول للمعارضة المحليات وهم يقولون الرئاسية أهم. وحين يراجع الواحد منا نسب المنافسة سنجد أن المعارضة نافست بأقل مما فعلت في انتخابات 2001م، ثم إنها نافست منفردة. لم أر ملصقا واحدا يجمع مرشحي أحزاب المشترك للمحليات. وخلافا للدعم الذي تلقاه مرشح المؤتمر للمحليات من مرشحهم للرئاسة، فإن حملة المشترك لم تتعاضد.
يمكن القبول بأن المشترك لم يكن يمكنه أن يعطي للناخب أي إشارة أنه يقبل منه التصويت لصالح رئيسا ولمرشح المشترك محليا، إذ كانت هذه ستفجر الاتهامات التي بالكاد خفتت بين الفرقاء. ولكن فلنعلن أن طموحاتنا كانت اقل في المحليات، ولندع وهج مشاركتنا في الرئاسية عاليا لاتخدشه النتائج إلا من حيث أنها تدعو لتعديل استراتيجيات العمل استعدادا لجولة 2009 وهي قريبة وقريبة جدا. بدلا من محاولة خدش فوز المؤتمر وتحويله إلى تهم تكال للناخب اليمني وتسخيفا لتحالف الرئيس معه.
كما أن الأحزاب التي نتهمها بالأيدلوجية، لم تكتف بتسليم قواعدها للمستقل فيصل بن شملان، بل حشدتهم. وكم أشعر بالامتنان والتقدير لشباب حملوا أمانيهم التي ليس منها شيء شخصي، بل هي لليمن، للفقراء والمتسولين، للحزبية وانتصارا للذات الجمعية، لمشروع الإصلاح السياسي، للقاء المشترك.
وكم هم بؤساء من كل حزب الذين سيعتقدون أنه يمكن لهم تبادل الاتهامات، أو إشاعة الشكوك بين أحزاب اللقاء المشترك.
نعم كانت الشمس غالبة في مهرجانات مرشح اللقاء المشترك، ولكنها لم تفعل لتعلن حضورها بل لتؤكد للقاء المشترك أنها معه وبه ولليمن.
وماكان قصورا، فليس هناك أحد أحسن من حد. ويمكننا استغراب موقف الشيخين عبدالله بن حسين الأحمر، وعبدالمجيد الزنداني، ولكنهما تركا الإصلاح الحزب وهو الأهم للمشترك.
ولكننا سنشاهد أحمد الشامي ورموزا مهمة في مختلف الأحزاب ليس فقط في البيوت، بل في منصات مهرجانات الرئيس الصالح.
ويمكن تتبع إصلاحيا لم يعمل للمشترك هنا، ولم ينتخب ناصريا أو اشتراكيا هناك. لكن ثمة أمثاله في كل حزب، مع أغلبية عددية إصلاحية ستحصد الإيجابيات. غير أن الاعتقاد أن الاشتراكي أو الناصري افقد الإصلاح شعبيته خطأ قاتل، ومثله الندم على المشاركة. تلقيت رسالة بعثها إصلاحي للأمين العام الأستاذ محمد اليدومي، يقول له إن الإصلاحيين بعد هذه النتيجة سيكتشفون حكمته حين رشح صالح قبل المؤتمر في 1999م. غير أن هذا المنطق غير صحيح. أولا الأخطاء هي التي أفقدت الجميع نتائج مضمونة. وثانيا: الأخطاء أكثر بكثير من أي مضاعفات سلبية للتحالفات الجديدة. وثالثا ثمة عوامل يتوجب على قيادة وقواعد المشترك أن تؤمن بقدرتها. عوامل في عمق الثقافة والاستعداد الشعبي.
إن الماضي هو الذي هزم فينا ادعاء التحول نحو المستقبل، لأننا نعمل بأدوات الماضي ووعيه وفكره وطموحاته.
إن المهرجانات الانتخابية، ونتائج المحليات الكارثية على التعددية أظهرت هشاشة النشاط الحزبي في الريف الذي يسكنه غالب اليمنيين. مع أن هذا الريف في غالبه لايعرف استبدادا ولا ماتقوله المعارضة عن سيطرة مشائخية إلا في القليل منه.
إنه وباستثناء حميد الأحمر –وهو من نجوم صنعاء ولكن نقبل به عمرانيا لأسباب عدة- فإن المعارضة أظهرت فقرا محليا من القيادات، ويمكن أن تتذكر قيادات المعارضة أنه حتى الفريق الصحفي المرافق لها كان يسألها عن اسم من ألقى كلمتها في كل مهرجان محلي، إذ نحن لانعرف إلا محمد اليدومي، وعلي الصراري، ومحمد الصبري، أما محمد عقلان، وحسن يغنم، ومحمد زين، واحمد صلح، وناصر البجيري، (كلهم إصلاح لأني لا أعرف عن قيادات غير هذا الحزب في المحافظات)، هؤلاء مجهولون إلا داخل مجتمعهم التنظيمي، إما بتقصير منهم أو من أحزابهم أو من وسائل إعلامها، والانتخابات ليست مبيتات ولا رحلات ولا نقاشات تنظيمية.
ليس المطلوب أن يكون للمعارضة مشائخ وعقال حارات، ولكن لنتذكر كيف لمع نجم عبده محمد المخلافي أيام لا تلفزيون ولاصحافة، كيف عرفنا عبدالفتاح اسماعيل، كيف يعرف عبدالله صعتر قرى اليمن. إن هناك عشرات الوسائل لو أن المعارضة راجعتها قليلا.
كما أن النقمة وحدها لاتكفي. وهذه من الأخطاء التي تسبق الالتفات لتأثيرات مشتركة متعمدة من أعضاء المشترك. إن النقمة ليست هي سلاح المعارضات في الدنيا. المعارضة دوما تكسب من تبنيها الدعوة للمستقبل وليس البكاء على الماضي. كان المشترك يستحق خطابا يقول لعلي عبدالله صالح إننا نسعى لحماية إنجازاتك التي نراها تتآكل بفعل أخطائك. لا أن نقول له إنك صنم، وانك مستبد، وانك استوليت على ثروات البلد، وتتجه بنا نحو الصوملة. ونحن شركاؤه حتى ماقبل سبع سنوات. ونحن نعرف انه “بالكاد اليمن صارت دولة وطنية بدلا عن العشيرة” كما هو توصيف الأستاذ العظيم محمد قحطان. ليس لنا دولة، أو أننا نخاف على دولتنا الفشل فكيف إذا نتحدث عن الاستبداد والسطوة.
أخاف اللقاء المشترك أنصار علي عبدالله صالح، وحقرهم –عكس مافعل صالح-، وكان أولى به وهو يعلم أنه ينافس لحماية الديمقراطية وتأكيد أن الشعب مالك كرسي الحكم، أن يطمئن هذا النصير، ليس بأن يقول له “لايهمك نحن بس نتنافس ليفوز صالح”، ولكن عبر خطاب يعلي شأن التعددية ويبشر بدولة سينال المؤتمر فيها وضعا لايعاني فيه مما تعانيه أحزاب المعارضة تحت حكم المؤتمر الآن.
أضاع المشترك فرصة كبرى للترويج للتعددية، لا لمهاجمة الفردية، للترويج لمؤشرات التنمية: حرية التعبير، العلاقات الدولية، منظمات المجتمع، الإصطفافات الوطنية.
عفوا ليس لدى المشترك نقص في النصائح، لذا اقطع حديثي هنا، وأقول إن التشكيك في نصر المؤتمر يبهت كم مثلت المعارضة له من تحد فاستثارت فيه كل كوامن القدرة وهو حزب يزخر بالقدرات التي كانت ذات يوم رموزا في أحزاب المعارضة التي لم تتعايش معها في جو طبيعي فكان الفراق، ومع الأسف فإن الطرفين تحولا إلى خصمين ضد بعض تحت ضغط خطاب تحقيري من المعارضة، وعقدة تسعى للتطهر من الراحلين منها.
البديل أن تدرك المعارضة أنها خطت الخطوة الأولى نحو الديمقراطية، وإذا كانت هزيمتها في كل انتخابات ستكون مدخلا لإنجازات يتودد عبرها المؤتمر للمواطن فإن تلك الهزائم تصبح مكارم وطنية. وإنها منحت اليمنيين فرصة التصويت للتعددية، عبر خيارين أحدهما مرشح المؤتمر والآخر مرشح المشترك، وباعتقادي أن من صوت من عمران وحضرموت وأبين ولحج وتعز لفيصل بن شملان، كان يصوت لشرعنة وحماية التعددية وليس ضد الدولة، ولليمن وليس لمجرد ولاء تنظيمي للقاء المشترك أو لأي من أحزابه.

المهندس فيصل بن شملان…
مؤسس الديمقراطية اليمنية

إذا كان التاريخ سيحسب للرئيس علي عبدالله صالح أنه أول زعيم عربي تنازل عن حماية الكرسي بالقوة المادية، وجعل التنافس عليها محميا بقرار الناخب ونص الدستور، حسب الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، فإن المهندس فيصل بن شملان فتح لنا أصعب أبواب التاريخ الديمقراطي.
فتحية تقدير وإجلال لهذا الرجل العظيم القادم من بيئة تعلي من شأن المجموع، وتشجع المبادرات، وتعلي من شأن المعرفة، وتصبر على الأذى، وتحتقر الخصومة وتنتصر للحق.
أيها الرجل القدير.. لك ألف شكر على جهدك وجهادك. وعذرا إن لم تجد بجانبك كثيرين من المستفيدين من دورك. فهي معطيات للعمل العام في مجتمع مرهق بالتحديات. مجتمع يتبادل فيه القادرون إقصاء الأقل مكانة، ومن ثم تحقيرهم، مجتمع تعمل فيه المقدمات ضد النتائج.
وبالتأكيد أن مافعلته لن يذهب سدى. وسيكون تأسيسا داعما لشركاء كثر في بلد طموح للتغيير، تغيير الممارسات أيا كان مصدرها.
والله لايضيع اجر من أحسن عملا.

كلمة الختام
ليت أن المؤسسة التنظيمية في الأحزاب تدرك أن الفارق الشاسع بينها وبين الخطاب السياسي لذات الأحزاب أحد أسباب العلاقة المختلة بين القضايا العادلة التي تحملها، والنتائج الكارثية التي تحصدها. وأنه مالم يتم معالجة هذا الخلل فسيكون الطرفان في الحزب الواحد سبب هزيمة تضعف الحزب، ولاتقوي أيا من الطرفين. لن تكسب الأوطان تحولا سياسيا ولا أنها ستحافظ على قوة تنظيمية. لذا لابد من نقاش عميق وجاد، في أعلى المستويات. أقول أعلى المستويات لأن القيادات التنظيمية في بلادنا محمية بولاء قاعدي غير سياسي، مستعد أن يحمل الجن والأنس المسؤوليات، ويطالب علي عبدالله صالح بأن يقبل سعي معارضيه لأن يتهموه كل التهم، ولكنه لايفكر مجرد التفكير في رفع رمشا مؤدبا ليقول للقيادة: لو سمحتي ممكن تشوفي دورك في الخلل؟. المستويات القيادية وفيها رجال عظماء يتوجب عليهم أن يتصدوا لهذا النقاش لنخرج من طريق تجعلنا –مهما حسنت نوايانا، وكانت أهدافنا سامية- مجرد حماة للتحولات غير الديمقراطية.
كما أن المعارضة مطالبة بأن تحمي مشروعها من خصوم الرئيس صالح أكثر من حمايته من صالح وأنصاره. المعارضة مشروع مدني معارض وفقا لقواعد عمل سياسية وقانونية –وهذا ما أكد عليه بيان قبولها النتائج “تحت فرض الأمر الواقع”.
كثير من خصوم صالح يمارسون كل ماتنتقده المعارضة على الأخير، وعليها رفض جرها إلى قبول الأخطاء تحت ضغط الشراكة. سواء من حيث التحالفات خارج الملعب الديمقراطي، أو اختراق القانون، أو تحويل المعركة إلى انتصارات وهزائم شخصية. أثق في عظمة قيادات المعارضة ولكن المسألة أيضا تحتاج لجهد لحماية وعي الميدان، حتى لايكون أنصار الأحزاب وسيلة لضرب انجازات أسهمت المعارضة أيام شراكتها في إنجازها.

أمنية
ليت أننا نرى التنظيمات وقد رفضت الكارثة التي ستثمرها نتائج المحليات، إذ بأغلبية كاسحة للمؤتمر ستتعطل طاقات وقدرات عظيمة مشكلتها الوحيدة أنها في صفوف المعارضة.
هل يمكن أن تقنعنا المعارضة أنها تثق فعلا بكوادرها، فنرى عبدالسلام الخديري مسؤولا عن الدائرة الاجتماعية في الأمانة العامة للإصلاح، وعبدالله الغباري لدائرة التعليم؟
لاتقولوا لي الانتخابات التنظيمية، لأني سأذكركم أن المؤتمر لم يقصهم بل الناخبون هم من فعلوا، وليس هذا تعجيزا، بل مجرد لفتة نحو التغيير: الشعار الكبير الذي جذرته المعارضة في حياة اليمنيين حتى من صوتوا لمن يحكمنا أكثر من ربع قرن.

[email protected]