بن شملان: إطلاق أمل التغيير

بن شملان: إطلاق أمل التغيير

– رشاد الشرعبي

بعناد فج يقفز في وجهك شاب صارخاً: «والله ماهي إلا حق علي» أو يهتف أمامك رجل قد تجاوز منتصف العمر: «مالها إلا علي» وقليلاً ما تشعر أنها قناعة في حين يفاجئك آخرون لم يكملوا في الأغلب عقدهم الثالث يزاحمون بلهفة للإطلاع عن قرب أو ربما للسلام على من يعتقدونه رئيسهم القادم كبديل لرئيس ولدوا وترعرعوا في عهده.
إقبالهم كثير لم يحالفهم حظ القرب فيهتفون بصوت عال وعيونهم تترقب ردود وكاميرا التلفزيون دون خوف او قلق: «من سيئون إلى مران لا رئيس سوى شملان» ويتناسون انتماءهم لمعقل الاستبداد العربي معلنين بحماس»: «قسما بالجبار غير فيصل لن نختار».
ليست سوى لوحة ديمقراطية يمنية خالصة يرسمها اليمنيون بريشات ارادتهم المتحررة من الخوف في المشهد الانتخابي ستؤدي إلى معالم شكلها النهائي أو تداعياته إلى وضعها ضمن مسلسل لوحات الابداع اليمني المتميز والنادر قد تفتح الباب واسعاً أمام بقية العرب ليرسموا لوحاتهم كل بطريقته أو قد تغلق الباب بإحكام أمامهم ليظل مفتاح التغيير مربوطاً بالأجنبي.
اللوحة بإمكانيات فنانيها الفقيرة والناشئة تظهر تفاصيلها دقيقة وضبابية في آن واحد، حاولت قراءتها من خلال تجوال شمل أغلب محافظات اليمن برفقة المرشح الاقوى والأبرز المنافس لرئيس يملك بزمام سلطات الدولة الثلاث والجيش والأمن وتتهمه المعارضة بأنه يعيش فوق بحر من الامكانيات المادية المتداخل فيها الخاص بالعام والمملوك لشخصه كرصيد حكم 28عاماً والذي قدرته صحيفة «اوربين» ب20 مليار دولار فقط في بنوك خارجية والتابعة للدول كمؤسسات وموارد وكوادر بشرية.
تبدو لوحة الديمقراطية اليمنية إلى جانب تنوعاتها الطبيعية والتضاريسية متناقضية في خطوطها وألوانها وايقاعات حركاتها بصورة غير مسبوقة فالرئيس علي عبدالله صالح كمرشح للمؤتمر الشعبي العام الحاكم لا يَعدم مسؤولي حزبه واجهزة الدولة الدفع بمواطنين بتلك الهتافات ولا يفتقد إلى آخرين لديهم قناعات بفعل ايحاءات خطابه الاعلامي والاشاعات التي تبثها اجهزته المخابراتية، كما تقول المعارضة، بأن الحل الوحيد وليس له نهاية لبلد عاش حروباً وصراعات على السلطة لم تندمل جراحاتها بعد ولن يسلم في حال فوز منافسه بإرادة الشعب ونتيجة صناديق الاقتراع لما يمتلك بين يديه من خيوط في مقدمتها الجيش الذي يديره ا قرباؤه وابناء منطقته ومقربون منه ومنهم.
آخرون يؤكدون لك فوزه بسبب ما سبق وأيضاً المال الذي يصنع قناعات الكثير من الناخبين المعدمين وهم الأغلب في اليمن، في حين يشير آخرون إلى صناديق ممتلئة ببطاقات الاقتراع لصالح رئيس حاول مفاجأة شعبه والعالم بعزمه، للمرة الثالثة عدم ترشيح نفسه ليعود مرشحاً بعد مشاهد نفى بشدة ان تكون مسرحية مفتعلة ليظهر متشبثاً بالمنصب الذي كان زاهداً فيه اكثر من أي وقت مضى ولا يمانع من التصريح بأهمية تبوؤ أقاربه للمناصب في مؤسسات الدولة المهمة، في مقدمتها الايرادية والنفطية بعد تأكيده على ضرورة وجود امثالهم في المناصب العسكرية والامنية الحساسة منعاً للإنقلابات المهددة للثورة والجمهورية والوحدة والديمقراطية.
البعض من اليمنيين يبرر ضرورة بقاء صالح رئيساً لليمن بأنه قد «أكل وشبع» ومن سيأتي بدلاً عنه سيكون «جائعاً وسيبدأ البناء لنفسه لسنوات أخرى كالتي ضاعت وصالح يبني لنفسه. في حين تجد القليليين جداً من المواطنين العاديين من يبررون ضرورة بقاء صالح لما انجزه من منجزات لبلاده خلال 28 عاماً مع وعي سلبي كرسه الاعلام الرسمي بأن ما تحقق من انجازات تنموية في الطرقات والمدارس والمراكز الصحية والكهرباء وغيره ليس حقاً للمواطنين والتي يعرفونها باستمرار مع منجز الوحدة والديمقراطية كمكرمة للحاكم على رعيته.

حضور مصور
صور صالح ودعايته الفخمة باشكالها واحجامها وألوانها المختلفة تحولت إلى حالة من التخمة اصابت الشوارع والمباني والسيارات في كل المحافظات اليمنية مع حضور متواضع لصور مافسه الابرز مرشح المشترك، في الاغلب، ما عدا مناطق محددة أو في النقاط العسكرية على مداخل المدن ومخارجها والمؤسسات الرسمية والسيارات الحكومية والتابعة للجيش والشرطة والتي يحضر فيها صالح منفرداً رغم مخالفتها للقانون وحديث اللجنة العليا للانتخابات عن يدها التي تطول مخالفي القانون».
حضور ضئيل جداً للمرشحين المستقلين الثلاثة بدا في محافظات محددة في حين غاب في العديد من المحافظات حتى عن الاماكن المخصصة رسمياً في لجنة الانتخابات وبدت محافظات عدن ولحج والضالع وتعز وإب الاكثر حضوراً لهؤلاء المرشحين.
عمليات استفزاز وتحرش لشباب وصبيان يحملون صور الرئيس صالح في فعاليات بن شملان ومواكبه وصلت حد رمي الاحجار والهتاف بألفاظ بذيئة اساءت لصالح وحزبه امام ابناء الشعب حتى من انصار صالح ما دفع احدهم إلى الاستغرب: «هل يعقل ان يلجأ رئيس يحكم البلاد 28عاماً لمواجهة منافسيه بهذه الطريقة اللا أخلاقية واللا ديمقراطية عبر مجموعات من البلاطجة والسفهاء؟!» وفي المقابل كان انصار المشترك وبن شملان يبدون في حالة ضبط للنفس باستثناء اشتباك شباب وصبيان منهم، المتحرشون في الحديدة، وهو ما كشف عن سببه أحدهم بأن: «قيادات المشترك وجهت بعدم الانجرار إلى أي عنف أو مجاراة استفزاز وتحرش مؤيدي صالح والمؤتمر يسعون من خلاله إلى التأثير على النصر الذي يبدو لبن شملان».
ليس مفاجئاً أن تجد مواطناً وخاصة من شريحة الشباب في مختلف المحافظات من غير المنتمين لأحزاب المشترك الذي يصرح لك بضرورة التغيير وأن مرشحه فيصل بن شملان وصل حد قول سائق تاكسي: «نريد رئيساً جديداً أياً كان وعلي عبدالله صالح يكفيه 28 عاماً» إلا أن عدن هي الاستثناء فلا غير المنتمين لاحزاب المعارضة من يصرح لانحيازه ويفضل الصمت».
حاولت جس النبض على الباصات والتاكسيات إلا أن حالة تحفظ لأبناء عدن الاصليين بالذات تسودهم جميعاً وسياراتهم خالية من صور المرشحين بشكل عام البعض برر ذلك بخوفهم مني بإعتباري ابدو من المحافظات الشمالية وقد اكون مخبراً لصالح. نظام صالح والبعض الاخر بررها بما تعرض له ابناء عدن، منذ الحكم الاشتراكي وايضاً عقب حرب صيف 94م من نظام صالح واجهزته، من قمع وترهيب دفعهم إلى الجوء لحالة الصمت ليصل الأمر حد تقاعس اعضاء وانصار للمشترك في عدن من المشاركة في الفعاليات او إبراز صور مرشحهم ودعايته مع تأكيدهم أن قولهم الفصل في الصندوق سيكون لبن شملان.

معارضة شابة تتشكل
 باستعراض متفحص لوجوه واشكال المشاركين في مهرجانات بن شملان يصل إلى نتيجة تؤكد أن معارضة قوية تتخلق وستتشكل كأداة حاسمة في تحقيق مبدأ التداول السلمي للسلطة في المستقبل وقد ترفض الاستمرار في ديمقراطية تعيد انتاج الحاكم القديم.
شباب تقل اعمارهم في الأغلب عن ال35عاماً وبعضهم قد لا يكون مدوناً اسمه في سجلات اللجنة العليا لأن عمره لم يبلغ بعد السن القانونية يصمدون لساعات وينتظرون كلمة بن شملان بلهفة ويهتفون ويصفقون له ولاسمه عندما يذكر بلهفة تحت لفحات الشمس الحارقة والاتربة التي تكسو اجواء الاماكن التي تعقد فيها مهرجاناته, ملامحهم تدل على أنهم من المعدمين والعاطلين والموظفين وربما من المبعدنين من وظائفهم الحكومية لاسباب سياسية.
لهفتهم لرؤية من يعتقدون انه صار «الرئيس القادم» تعطي اشارات واضحة إلى أنهم يبحثون عن جديد اياً كان لعله يحل مشاكلهم ويفتح امامهم ابواب المستقبل، تدفعهم للتزاحم بشدة بالإقتراب من الرئيس بن شملان وصلت حد ان يسائلني بالله بعضهم في أبين للسماح له للإقتراب من بن شملان للسلام عليه وبعضهم رغبة في تقبيله ما أدى إلى التحام الجماهير في الميدان مع من في المنصة في الضالع وابين واب ولحج والذي دفع منظمي مهرجان الضالع لإختصار البرنامج واختصار بن شملان لكلمته لوقت لا يزيد عن 5 دقائق كأصغر كلمة ألقاها خلال مهرجاناته كلها، ورغم ذلك ظلت جماهير الضالع مرابطة في مكانها دون انصراف وتحاول الإلتحام مع بن شملان بعد ان منعه ذلك من مغادرة المنصة ولم يتحركوا إلا بعد 5 دقائق من توقف المهرجان حينما غادرها بن شملان بصعوبة.
الحصافة كانت ابرز ميزة لمرشح المشترك في أغلب مهرجاناته قدم رؤاه للواقع المتردي والفساد المعشعش وضرب وعوده لما سيقوم به وكان بعيداً تماماً عن تناول الاشخاص واكثر ماذكره في ردوده على الشائعات كان في مهرجانه الاخير بمحافظة صنعاء وهو يتحدث عن بعض المرجفين»، وكذلك كانت كلمات فروع المشترك وغيرهم تتسم بالعمومي ولا تجرح في الاشخاص، باستثناء كلمة» مستقلون من اجل التغيير» التي ألقتها الصحفية رشيدة القيلي في تعز والتي ذكرت الرئيس علي عبدالله صالح بالاسم وتناولت شخصه دون تجريح أيضاً.

ذوبان مشترك
حالة من الذوبان تلحظها في صفوف قواعد احزاب اللقاء المشترك وقيادتها الوسطية بصورة لاتصدق أنه بين صفوف احزاب كانت متصارعة إلى ماقبل عشر سنوات وصل صراعها في بعض الاحيان إلى المواجهة المسلحة.
ابرز ما يلحظ لذلك الذوبان ملصقات مرشحي المشترك للمحليات في بعض مديريات محافظة عدن ذاتها التي يتنافسون في مديرياتها الاخرى بطريقة ما قبل المشترك، لكن الابرز ان تلمح ملصقاً في مديرية الشيخ عثمان يحوي صورتين احدهما لرجل ملتحى واسفل صورته رمز حزب الاصلاح وإلى جواره مباشرة، في نفس الملصق صورة لإمرأة محجبة اسفل صورتها رمز الحزب الاشتراكي وهي الامين العام المساعد للحزب الاشتراكي (جوهرة ثابت) وكذلك الامر في مديرية المعلا ملصق واحد يحوي مرشحين ورمزي الاصلاح والاشتراكي إلا أنه في مديرية صيرة، التي يعتبرها الاصلاح دائرته لفوزه فيها في الانتخابات النيابية منذ 1997م والمحلية ايضاً, إلا أن النقيض الاسوأ لذلك الذوبان يبدو اكثر وضوحاً في المنصورة حيث يتنافس مرشحون من الاصلاح والاشتراكي والوحدوي الناصي والقوى الشعبية.