عبدالباري طاهر يتساءل: اليمن ماذا ينتظر؟!

عبدالباري طاهر يتساءل: اليمن ماذا ينتظر؟!

تشهد اليمن الواحدة معركة انتخابية “غير مسبوقة” في التاريخ المعاصر. ندرك أن التنافس بين البرامج والأحزاب والشخصيات أمرٌ مهم في أي انتخابات حقيقية. وما يجري في “جدٌ لا هزلَ فيه”؛ فالتنافس على أشده، وهو ليس معطى أو تفضلاً أو منةً من أحد، أي أحد؛ فهو ثمرة كفاح اليمانين منذ ما قبل منتصف القرن الماضي. فوثائق وأدبيات ودماء الشهداء في حركة 48 شواهد حية على هذا الطموح، والميثاق المقدس للحركة ما تزال بنوده مطروحة على العمل السياسي، ومنها: الفصل بين السلطات، استقلال القضاء، وتحريم اشتغال الأمراء بالتجارة. وكلها مطالب لم تحقق حتى اليوم؛ فالسلطة التنفيذية في اليمن هي المهيمنة على السلطات الأخرى التابعة، وتحديداً الرجل الأول الذي كثيراً ما يفاخر بأنه يديرها بالتلفون. وقد تحول جل المسؤولين إلى تجار ومقاولين. ومنذ الأربعينات نشأت في مصافي عدن والبريقة حركة عمالية نشطة وفاعلة امتد تأثيرها إلى الوطن كله وإلى الجزيرة والخليج، وكان ميلاد الصحافة العدنية الحرة قولاً وفعلاً، وتكونت الأحزاب السياسية الوطنية بما فيها:حزب الأحرار اليمنيين 1944، الجمعية اليمنية الكبرى1946، الجمعية الإسلامية 1949، ورابطة أبناء الجنوب 1950.. وعشرات الأحزاب الحديثة: البعث، حركة القوميين العرب، الجبهة الوطنية المتحدة، وحزب الشعب الاشتراكي. وكان للمهاجر اليمني، والحضرمي خصوصاً، دور مهم ومؤثر في شرق آسيا وشرق أفريقيا سواء في رفد الحركة الوطنية ومساندتها، أم في تبني مطالب الأحرار كما فعل الحكيمي في كارديف عبر صحيفة “السلام”.
إن التجربة اللبرالية عميقة الجذور في اليمن ولم تستطع الأنظمة الشمولية والدكتاتورية في الشمال والجنوب أن تتجاوزها أو تطفئ جذوتها. لا ينبغي التقليل من أهمية هذا التنافس ولا المبالغة في تحويله إلى عرس أو زفة أو تهريج إعلامي؛ فهو تنافس بكل المعنى ولكن الخطاب الإعلامي الفج وإشهار أسلحة التكفير والتخوين، والاستنجاد زوراً بالدين الحنيف في هذه المعركة السياسية يفت في عضد الديمقراطية أكثر مما يزكيها. والتنافس الحقيقي لن ينسينا التلاعب في سجلات قيد الناخبين، وانحياز اللجنة العليا للانتخابات، واستحواذ الحكم على الإعلام والمال العام، وتسخير الوظيفة العامة والجيش والأمن في المعركة الانتخابية.
يجري التنافس في بلد تجاوز فيه الأمية الأبجدية ال60% في الرجال وال70% في النساء. أما الأمية المعرفية فإنها سيدة الموقف. ويقيناً فإن هذه الأمية سلاح فتاك بيد الفساد والاستبداد، وهي أرضية خصبة وجيش قوي لمواجهة دعاة الحرية والحداثة والتطور والإصلاح. وتواجه اليمن تحديات شديدة الخطورة تهدد كيانها كمجتمع وكدولة؛ فهي، بفضل الفساد الفاشي كالسرطان في الجسم كله تتبوأ المرتبة التاسعة كدولة مرشحة للفشل. فهذا البلد الزراعي والذي قامت حضارته ودولته بالأساس على الزراعة منذ أقدم العصور،قد قلصت مساحة المزروع منه إلى مليون وستة من عشرة من الهكتار وبنسبة فاجعة بلغت 9,2% من إجمالي المساحة 55,5 % مليون هكتار. وقد أدى اكتشاف النفط إلى تراجع الزراعة والاعتماد شبه الكلي على النفط كمورد رئيس، وتراجعت مساهمات الزراعة في الناتج المحلي إلى 13% في بلد يعيش أكثر من 70% من سكانه في الريف ويعتمدون في معاشهم على الزراعة. والأخطر أن مواطن هذا البلد الذي أُهدرت بعبثٍ موارده بسبب الفساد والاستبداد يعتبر أسوأ حالاً من المواطن الفلسطيني في قطاع غزة الفقير والمحاصر منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي. فإذا كان دخل المواطن في غزة – في ظل الحصار والتجويع والحرب المستدامة- يصل إلى 600 $ دولار سنوياً؛ ففي اليمن، الغني بالموارد النفطية والأرض الزراعية، وبشواطئه الممتدة على البحر الأحمر والعربي والمحيط الهندي لأكثر من ألفي كيلو متر، وبثرواته المتنوعة بما فيها السياحة، فإن دخل الفرد لا يتجاوز 460 $ دولاراً، حسب البيانات الرسمية، أي أقل من مواطن غزة ب 140 $ دولاراً.
 ويشير الباحث قاسم قايد, أستاذ الاقتصاد الزراعي، أن سكان اليمن الذين يبلغون 19,7 مليون، لا يزالون من بين أفقر السكان في العالم، ولا يزال اليمن يصنف ضمن أربعين دولة هي الأقل دخلاً في العالم، ويصل نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي 380$ دولار، سنوياً، وتغيب الخدمات الأساسية والضرورية كمياه الشرب النقية والكهرباء والتصريف الصحي في معظم مناطق الريف وفي بعض المدن. أما عن البطالة فحدث ولا حرج، وهناك تفاقم مستمر في البطالة وتراجع في الأجور أيضاً. وتحدد البطالة السافرة بأكثر من 17% أما الناقصة فإنها تصل إلى 35%، ويصل الدين الخارجي إلى ما يقرب من خمسة مليارات ونصف المليار، يرتبط معظمها بسياسة التسلح في بلد تمكن من ترسيم حدوده مع دول الجوار، ولم يعد لتجارة التسلح من معنى إلا حماية العرش وتركيع الشعب وتعاظم الفساد والاستبداد.
الاحتكام لصوت الناخب حتى ولو شكلياً أمر مهم في بلد اعتاد الناس فيه أو دأبوا على الاحتكام للسلاح. وتجارة السلاح في اليمن وحوادث الثار والاحتراب القبلي أمر اعتيادي ومألوف وربما فاخر به الحاكمون! ومسلسل الانقلابات العسكرية والحروب النازفة ما تزال جراحها تئن، وحرب 94 وحروب صعدة والمواجهات مع السلفيين شواهد مفجعة.
لا تسطيع الانتخابات -على أهميتها- أن تحجب الصعوبات والمخاطر المحدقة باليمن. فاليمن منذ عدة عقود تتخلى كلية عن دورها في الرعاية وتتحول إلى دولة جباية بامتياز. وليس بالصوت وحده يحيا الإنسان ولا يمكن التحدث بالمطلق والتباهي بالديمقراطية, في بلد يعيش نصف سكانه تحت خط الفقر ويشمل الفقر بالمعنى العام غالبية سكانه. والكارثة أن يعتقد الحاكم في حال فوزه -وهو أمر غير مستبعد- أنه على حق ومعارضته هي الباطل. والمصيبة أن تقرأ الرسالة وكأنها مصادقة شعبية على سياسات الحكم وصواب نهجه وسلامة خطواته.