كمران.. 5×5 = 16.. كيف يمكن تحويل جزيرة ساحرة إلى مقبرة – نائف حسان

كمران.. 5×5 = 16.. كيف يمكن تحويل جزيرة ساحرة إلى مقبرة – نائف حسان

ثلاث تجمعات سكانية، وست مقابر. وفي جزيرة كمران هناك ما يمكن اليوم رصده أيضاً: آثار زائلة لسكة قطار داخلي، بقايا قلعة فارسية متآكلة، سارية منتصبة أمام باحة منزل الحاكم البريطاني، قبر الولي العراقي، جبل المجاذيم.. وغابة مائية عائمة.
نزل فيها الملك فاروق ست ساعات، في زيارة سياحية خاطفة، مطلع خمسينيات القرن الماضي، ويقال إن أم الأمير تشارلز قضت فيها شهر العسل.
 وقد كانت جزيرة كمران الواقعة في البحر الأحمر على بعد سبعة كيلو مترات من ميناء الصليف، تحفة طبيعية، تؤكد المعلومات الرسمية أن البريطانيين غادروها عام 1967 وفيها 20 ألف غزال.
تحيطها خمس جزر رئيسة، وتاريخ حافل بالحملات العسكرية، منذ بداية القرن السادس عشر وحتى القرن العشرين: البرتغال، المماليك، العثمانيين، البريطانيين، والفرس قبل ذلك.
ولقد تعدى الأمر مسألة الغزو الى  التجارة: اشترى التاجر المعروف محمد بن عقيل، أواخر اكتوبر 5081، الجزيرة من الشريف حمود، حاكم أبي عريش، لحساب الفرنسيين.

 
 
نائف حسان
naifhassan5hotmail.com
 

كانت العاشرة صباحاً، حين استقلينا قارباً من ميناء الصليف، الواقع على البحر الأحمر (260 كم إلى الغرب من صنعاء) باتجاه جزيرة كمران، التي تراء ت كسلحفاة عائمة في حوض منزلي.
تصورت للحظة أني في فلم ياباني وعلى وشك المثول بين يدي كاهن بظفيرتي شعر، وتلاميذ يتعلمون السحر والكونغ فو. بيد أن الكلام اليمني”القُح” بدد ذلك.
“البحر هادئ اليوم”. كرر صاحب القارب ذلك ليشعرنا كم نحن محظوظون. الأمواج شبه هادئة، الناس قابلونا بترحاب، والقارب الخاص، الذي دفعنا اجرته 2500 ريال يمني ازدحم بآخرين لم يدفعوا شيئاً. نحن محظوظون إذاً، وعلينا إظهار امتناننا حيال ذلك!
ميناء الصليف، الذي كان من أشهر موانئ تصدير الملح، أصبح أطلالاً: مباني مهدمة، سكة حديدية هوائية صدئة، خرسانات عائمة، تجمع صغير للصيادين، بيوت متواضعة، احواض متفرقة للملح، وسور كبير يضم الميناء الجديد ومطاحن الحبوب. ذلك ما تبقى من الصليف أو ما يمكن أن تراه اليوم هناك.
الناس ودودون، بسطاء، يشعرونك بالإطمئنان، كعادة ابناء المناطق الساحلية. وستكون محظوظاً لو التقيت عبدالله غالب، مدير الأمن السياسي في الصليف، لأنه سيقابلك بترحاب، وسيرافقك حتى الطرف الآخر.

***

الحديث، على القارب، جميل مع أناس تلتقيهم لأول مرة. روتين التعارف ذاته ينتهي بتسجيل أرقام التلفونات وسط اهتزاز ناتج من سرعة القارب فوق الموج.
بعد عشرين دقيقة هدأ القارب من سرعته مسترخياً في شمال الجزيرة، حيث المنتجع السياحي الوحيد.
على تلة تشبه المبخرة (هذا هو اسم المنطقة) يقع منتجع كمران السياحي الذي يستقبل نزلاءه في “عشش” تقليدية بديعة التصميم. خمسة عمال يقودهم فؤاد الزبيري، طالب الثانوية القادم من العاصمة صنعاء. النوم في مكان كلاسيكي يطل على البحر، والوجبات احياء بحرية متنوعة يجيد الزبيري طباختها.
وللمنتجع عشر عشش وصالة طعام رئيسة، ينتصفها بار يقابله تلفزيون واستريو حديث؛ يستقبلك صباحاً بصوت فيروز: عودك رنان/ رنة عودك إلي/ عيده كمان/ ظلك عيد ياعلي/ سمعني العود..
عُمر المنتجع عشر سنوات، جرت العادة أن يمتلئ في عيد رأس السنة بسياح اجانب، حيث يجري احتفال كبير تضاء فيه السماء بالالعاب النارية.
 
 
 استرخاء على كهوف وشطآن متعرجة
كنا منهمكين، غير أن رغبة إستكشاف المكان كانت أقوى. المكان بعيد عن التجمع الرئيس لسكان الجزيرة. لا شيء غير صوت الموج، حركة فؤاد وعُماله، وحمار وحيد كان يبدو عليه أن ملء رفقة ثلاثة خرفان، لا يثيرها حتى صوت مزعج لدراجة نارية شاحبة.
تنحدر “المبخرة” بشكل خفيف، نحو شواطئ صافية إلى الشمال. الرمل مليء ببيوت لحيوانات بحرية صغيرة، لا نستطيع تحاشي دهسها. مع كل خطوة تنزل اقدامنا على رمل متماسك “منفوخ” من الداخل، مازال ساكنوها في البحر، وسيكون عليهم حين يعودون ليلاً بناء بيوت رملية جديدة لن يهتم آخرين وهم يسيرون عليها.
المرتفع صخري تتخلله شطآن متعرجة، وكهوف بحرية حفرتها أمواج عقود مضت. من على مرتفع صغير يمكنك النظر إلى اعماق الشاطئ ومشاهدة اسماك وكائن بحري يسمونه ” أبو مقص”، ويمكن أيضاً الاستمتاع برؤية أسراب سمكية صغيرة برمي حجرة إلى الأسفل.
 على امتداد قريب يسترخي قارب صيد تقليدي، وثلاثة صيادين، اتخذوا من ارتفاع صخري مكاناً للاختباء من الشمس. كانوا منهكين، أمامهم شبكة اصطياد وكشف حساب مليء بالخسارة وقلة الحيلة. هكذا بدت لي وجوههم المحملة بالتعب، رغم ان الاصطياد مهنة مربحة.
البحر مليء بالسمك، طيور بحرية، اسماك زينة وشعب مرجانية، تتواجد في مناطق واعماق مختلفة في الجزيرة. وتقول الأدبيات الرسمية، إن في الجزيرة دلافين لم اتمكن من رؤيتها.. لأنها تظهر الساعة السادسة إلاَّ ربعاً صباحاً. يا للحظ العاثر!
عدنا باتجاه المنتجع، كان علينا انتظار الثانية ظهراً لتناول وجبة الغداء.
 
 
25كم.. طرق مائية وأحراش خضراء
رقدنا كالموتى محملين بأوجاع السفر. العالم كله يربض على جفني، بما في ذلك مدينة الدراجات النارية:الحديدة. كان النوم بمثابة تصالح مع الجسد، لكننا نعيش “برغبات مبتورة”، و”حياتنا تعود إلينا دائماً ككلب أعرج”.
قمعنا رغبة النوم بأجفان اثقلها الإعياء والكسل. أبو الغيث، الشاب الذي ترك الصيد ليحول قاربه إلى تاكسي أجرة، كان في انتظارنا على الشاطئ اسفل المنتجع. في الطريق إلى الغابة البحرية مررنا بقوارب اصطياد، صيادين، وشبكات صيد منصوبة على مساحات واسعة.
اشجار المانجروف كثيرة تمتد بشكل لانهائي: أحراش، طرق ضيقة، واسماك تسير بمحاذاة القارب.
من هذه الغابة جاء اسم الجزيرة، الذي أطلقه عليها البريطانيون. وطبقاً لرواية شعبية ورسمية معروفة، فإن في هذه الغابة منطقة يظهر القمر على الماء فيها قمرين. عرف البريطانيون ذلك واطلقوا على الجزيرة “قمران”، التي اصبحت تنطق بالانجليزية فيما بعد “كمران”.
الطرق الضيقة المظللة بالخضرة تنتهي بمثلها، ثم بمساحة واسعة محاطة بالاشجار من كل جهة. المشهد سينمائي يمتد على 25كم، طبقاً للاحصائيات الرسمية.
تحدث أبو الغيث عن “الجمبري” المتواجد بكثرة في الغابة، وبين فترة وأخرى، كان يدفع القارب هادئاً باتجاه جذوع الأشجار، حيث الاسماك تتحرك بهدوء. وفي صنعاء قال لي يحيى الكينعي -مدير عام الهيئة اليمنية العامة لتنمية وتطوير الجزر- إن هذه الغابة تنفع لأن تقام فيها مزارع استثمارية للجمبري.
الأشجار عالية، والأحراش الممتدة لا تنتهي. طلبت من “ابو الغيث” العودة؛ خوفاً من التوهان، فرد بابتسامة الواثق:” اللي يدخل هنا وهو ما يعرفش المكان معد يقدرش يخرج، لكن لا تخافش! أنا اعرف الغابة تمام”.
بدأ الغروب يبسط ذراعيه.. أُجبرنا على العودة في احراش وطرق جديدة. في مكان عميق، بعيداً عن الغابة رفع أبو الغيث شبكة صيد كبيرة، فظهرت أسماك عدة معلقة فيها. وعلى ساحل مقابل بدت قوارب وصيادون قال المرشد الشاب إنهم مخيمون لأيام في هذا الجزء النائي من الجزيرة انتظاراً لشبكات الصيد التي يعودون بها مساء كل يوم.
 
 
أجواء تغسل كهولة بحر
ما ز لنا في الطرف الشمالي للجزيرة. لعتمة الليل مذاق خاص، يبعث فيك روح شاعر هندي جعل من العزلة رسالة انسانية، ومات محملاً بداء النقرس.
تحاول ان تعيش اللحظة طارداً العالم من بالك. رومانسية المكان سريالية: تل صخري مغطى بالرمل، اضاءة صفراء تحيطها عشش متجاورة، هدير خفيف لموج يتدفق مسترخياً في الأسفل، وهواء يشق رئتيك محولاً عملية الاستنشاق إلى متعة. تسند ظهرك على منحدر رملي بسيط متأملاً البحر، الذي أضفت عليه اضاءة ميناء الصليف، حيوية نزعت عنه كهولة ساعات النهار.
تفتح عينيك صباحاً على سرير خشبي تقليدي وسط “عشة” لها باب ونافذتان تسدهما قطع قماشية. تعطي ظهرك للبحر متأملاً الجانب الآخر الذي يجب أن تبدأ رحلة استكشافه، فتسيطر عليك مشاعر شاب ارستقراطي هرب من ضوضاء لندن تاركاً أبوين شائخين في قصر فسيح.
بصوت شيماء الشايب، بدأنا الرحلة الصباحية على سيارة هيلوكس. بدأ السائق، كمال محمد عبدالقادر، متواضعاً وهو يخبرني أن في الجزيرة ثلاث سيارات، يملك اثنتين منها.
نحن في الطريق إلى اكبر التجمعات السكانية في الجزيرة: كمران، المركز. الطريق من “المبخرة” إلى “كمران” تبدأ بمبنى متهدم، أمامه ساحة كبيرة، آثار الدك والمسح مازالت قائمة فيها. هنا أقام البريطانيون مطاراً مدنياً عسكرياً، ظلت الطائرات تهبط فيه حتى 1982.
إلى يسار الطريق الترابي، باتجاه البحر، ينتصب مسجد “العراقي” بثلاث قباب حديثة الترميم، تحيط جزء كبير منه الاشجار. يحمل المسجد قصة رجل استهوته الصوفية فترك العراق وبدأ رحلته كناسك ومعلم وعابد.
لا يتذكر أهالي الجزيرة، آباء واجداداً، الرجل، لكنهم يعرفون أنه عراقي فتح مدرسة لتحفيظ القرآن، وكان يحتفل بالذبائح يوم مولد النبي.
لا يُعرف تاريخ مجيء، محمد بن عبدوي العراقي، إلى كمران، غير أنه باق في أذهان الناس هناك بوصفه احد أولياء الله.
دفن العراقي أمام مسجده الذي مازال أهالي الجزيرة يتجمعون فيه كل سنة، رغم بعده عن مساكنهم، للاحتفال بيوم مولد النبي.
جبل المجاذيب الى اليسار، داخل البحر. هنا كان يُعزل مرضى الجذام خلال فترة حكم الاتراك الذين اتخذوا كمران محجراً صحياً للحجاج.
 
 
تاريخ من القش والغزوات
هذا هو مركز الجزيرة يحمل نفس الاسم: كمران. ما بين قلعة فارسية قديمة، ومنزل الحاكم البريطاني وجنوده، تقع مساكن الأهالي مختزلة حكاية كمران مع القادمين بجبروت وقوة العسكر.
شاطئ بسيط فيه قوارب تقليدية عدة، يرسو بعيداً عنها يخت حديث يتبع ايطالياً يقوم برحلات جماعية (18شخصاً) إلى الجزر اليمنية مقابل مائة ألف ريال على كل شخص.
حدق إلينا الناس كأي غرباء، فيما كان كمال يوزع تحياته عليهم.
هنا نزل الملك فاروق، في زيارته الخاطفة. ويتذكر الحاج محمد سعيد خرم -رئيس المجلس المحلي في الجزيرة- أن أباه وبقية السكان اصطفوا حينها لاستقبال الملك المصري.
“كانت كمران مشهورة بالغواصين الباحثين عن اللؤلؤ في عهد حاكمها البريطاني الميجر تومسن”. ثم يأخذ الحاج محمد نفساً خفيفاً قبل أن يستدرك:” كنت في التاسعة لكني عرفت بعدها أن الملك فاروق جاء هو واخته فوزية على يخت المحروسة”.
تجول الملك، فرأى الناس يزدحمون للصلاة في جامع صغير، ما دفعه للتبرع من اجل توسعته. والمسجد الذي كان بقبة واحدة أصبح بأربع، ينتصف مركز الجزيرة معروفاً باسم: الجامع الكبير.
1800 شخص يسكنون كمران، المركز، من أصل 3000 هم اجمالي ساكني الجزيرة: تتوزع البقية في تجمعين آخرين هما مكرم واليمن.
طيبة الناس غلبها كد سنوات مثقلة بالمعاناة وتاريخ محمل بمعارك الغزاة وحروبهم.
ويقول مهتمون إن عدد سكان الجزيرة وصل في مراحل تاريخية إلى (30000) نسمة، دفعت مخاطر الحروب وغياب الخدمات الاساسية، اغلبهم إلى الهجرة. ومازالت آثار النزوح باقية على شكل منازل مهدمة، وأخرى في طريقها إلى التساقط.
البيوت مبعثرة يكسو ويحيط ببعضها القش. مساكن الاتراك مازالت قائمة، وكذلك مساكن البريطانيين، بمقبرة خاصة.
الشمس خفيفة، والطرق الرملية بين المنازل تقود إلى اكثر من اتجاه. سبعة دكاكين صغيرة تبيع أنواعاً محدودة من البسكويت والعصائر، ومتطلبات اساسية بسيطة.
ومع أن النساء والفتيات محجبات، إلا أن هناك مدرسة اعدادية وثانوية مختلطة.
مجنون يلوَّح بيده، نساء ملثمات، شبان يرقصون على صوت طبل؛ احتفالاً بزواج رفيق لهم. بنت الشيخ هي العروس، لهذا أُرسلت الى مدينة الحديدة للتزين، وتم جلب فنانة من هناك الى الجزيرة. انه عرس استثنائي بالنسبة للسكان.
ولفتني تقليد خاص قيل لي انه يتم في العرس: تتجمع الفتيات -الفتيات فقط- ويسهرن ليلة كاملة للاحتفال وتزيين العروس وترتيب حاجاتها، ويفترض بهن البقاء كذلك حتى الصباح، ومن تنام تكون عرضة للعقاب من بقية الفتيات: قص شعرها، طلاء وجهها بالفحم…
 
 
أراجيح مثقلة بالأحلام
تبدو كمران كإحدى قصص ماركيز الضائعة. غير أن للأطفال فيها حضوراً كوخز الإبر الصينية.
في مدرسة التقدم الاساسية تدافع أطفال أمام عدسة الكاميرا. وبعد ساعات كانوا يسحبون أنفسهم باتجاه المنازل مثقلين بحكايات ومخاوف خاصة عن البحر والآباء الذين ماتوا وشاخوا فيه.
مجموعة أخشاب متقابلة صممت بشكل “مدارِه”، على ساحة ترابية صغيرة. لم أتصور، وأنا أسأل عن المكان، أن يرد كمال بأنه حديقة اطفال.
حديقة اطفال من اخشاب وحبال بالية، ومع ذلك لا يلعب فيها الاطفال إلا في الاعياد. ماأقسى الحرمان!!
 منذ نحو عشرين عاماً، قرر أحد الأهالي إقامة الحديقة لتأجير أراجيحها على الأطفال بأسعار رمزية. ولأنها في ساحة مفتوحة تظل اراجيحها مربوطة إلى الأعلى حرصاً على حمايتها من المتطفلين.
تضم مدرسة التقدم والأمل الاساسيتان، في مركز الجزيرة، نحو 283 طفلاً وطفلة، لهم أحلام خاصة بغد مختلف. غد فيه لُعب و حديقة ملاهي حقيقية.
إلى الجنوب يتجمع نحو (300) شخص في منطقة تسمى “اليمن”. الطريق إلى هناك صحراوية قاحلة، بينما قال كمال، الذي يرأس لجنة الشؤون الاجتماعية في المجلس المحلي، أن أباه حكى له أنه كان يرى قطيعاً من الغزلان أيام الانجليز، يوم كانت الخضرة تكسو أجزاء واسعة في الجزيرة. (سمح البريطانيون باصطياد ذكر الغزلان في يوم واحد من أيام الأسبوع فقط). هنا تتجلى أهمية البريطانيون الذين حافظوا على الجزيرة وبيئتها الطبيعية وجئنا نحن لتدميرها: الغزلان أصبحت بعدد أصابع اليد، وتم تقطيع أجزاء كبيرة من أشجار الغابة و…
في “اليمن” مدرسة واحدة، مركز صحي في طور الإنشاء، و(30) منزلاً وعشة. الناس بؤساء حد الفاقة، مقارنة بكمران المركز أو “مكرم”. لعل ذلك ناتج عن لعنة الاسم:اليمن.
“مكرم” في الشمال الغربي: 900 نسمة، ثلاثة دكاكين، مدرسة، ومستوصف فيه مساعد طبيب.
الناس هنا أكثر غنى من كمران واليمن، إذ يعمل أغلبهم منذ وقت قريب في استخراج اشكال بحرية تسمى”خيار البحر”، تباع بثمن مرتفع مقارنة بالسمك.
 

حلقة الاختلال ذاتها: مسجد مقابل خمس مدارس
لكمران قصة طويلة مع العطش. عشر آبار ناضبة، ومنذ أكثر من عام لم يعرف الاهالي المطر.
من ثلاث محطات لتحلية المياه بقيت واحدة في حكم الخردة: “إذا اشتغلت ثلاث أيام تتعطل رابع يوم”، حد قول أحد الأهالي. والكارثة الأكبر ان ماءها أصبح، بفعل تقادمها، غير صالح للشرب.
يصل الماء للسكان بعبارة لانش. ويصل سعر ال(20) اللتر الكوثر، إلى 120 ريالاً. هذه هي المشكلة الكبرى التي يعاني منها ابناء الجزيرة وتتطلب تدخلاً رئاسياً على مايبدو.
في وادي العقل رأيت رجلاً يسحب ماء من بير له لون التراب، قال إنه للشرب. يالقوة البؤس ومرارة الحاجة.
قامت الجهات الرسمية قبل ثلاث سنوات بإنشاء ثلاثة سدود لم تنفع في شيء، مقارنة بحاجز بريطاني لازال نفعه جارٍ حتى الآن. وقال كمال إنه كان أجدى لأبناء الجزيرة توزيع ال(85) مليوناً لهم بدلاً من صرفها في سدود غاب عنها التخطيط والعمل الجيد.
الصحة مشكلة أخرى. فالمركز الصحي في كمران، الذي تعمل فيه طبيبة واحدة من الأهالي اسمها بشرى عبدالله، ليس فيه صيدلية أساسية ولا “دبة” اكسجين.
الطبيبة شددت على ضرورة توفير تواجد الأساسيات الطبية، إلى جانب سيارة اسعاف خاصة في الصليف، لحمل الحالات الخطرة إلى الحديدة.
في كمران ثلاث مكاتب وزارية: المالية، الاشغال، المواصلات، ومحكمة ابتدائية يبدو أن جلساتها موسمية. الأحزاب غائبة أمام السيطرة الرسمية للحزب الحاكم. أحد عشر مسجداً مقابل خمس مدارس في طول الجزيرة. المفارقة وحلقة الاختلال ذاتها: المبالغة في اعطاء اهمية اكبر للصلاة على حساب الحياة. مع ذلك تجمع الاصلاح لازال دون جذور هنا.
من بين ست مقابر هناك ثلاث غير معروف قاطنوها. هكذا انتهى الغزاة: مجرد شواهد على ارض غريبة. وهكذا يبدو أن كمران ستنتهي مقبرة في بلد غريب تطحنه الأزمات.

* “النداء” (16) 4 يناير 2006