محاولة لفهم ما حدث، ويحدث، في محافظة صعدة.. أزمة الشرعية.. وحوار الفكر بالرصاص – هائل سلام

محاولة لفهم ما حدث، ويحدث، في محافظة صعدة.. أزمة الشرعية.. وحوار الفكر بالرصاص – هائل سلام

* إن مواجهة الأفكار بالرصاص، عمل أخرق، ليس من شأنه سوى التأسيس لدورات من العنف والعنف المضاد، وكان بإمكان السلطة تجنب الخسائر الفادحة والآثار بالغة الخطورة لما أقدمت عليه، بقليل من كفاءة الأداء السياسي

* الأفكار لا يمكن تصفيتها، بتصفية الأشخاص، بل إن موت هؤلاء، دون تلك، هو أمر يمنحها بريقاً ولمعاناً، قد لا يكون لها أصلاً، بيد أن دم (المؤمنين) بها يسبغ عليها رونقاً ويزيدها توهجاً، يغريان آخرين باعتناقها وبالموت دونها

 

تمثل شرعية الحاكم –فرداً كان أم حزباً- الأساس المنطقي والعقلاني، الذي من شأنه تسويغ سعيه ابتداءً إلى السلطة، ومن ثم بقائه فيها. فلا أحد يسعى إلى الحكم والاستئثار بالسلطة اعتماداً على مجرد حبه للسلطة وشغفه بالحكم، بل ووفقاً للعلامة إبن خلدون (وهو عبقرية فذة في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية)، لا بد لكل (عصبية) تسعى إلى الحكم، من (دعوة) تدعو الناس إليها.. بها تبرر سعيها للحكم، واستحواذها، من ثم، على السلطة. وهذه الدعوة، هي الشكل البدائي لما نطلق عليه اليوم (الايديولوجيا)، وهي –بالتعريف– منظومة من الأفكار والمبادئ والقيم والاتجاهات، التي تحدد علاقة الفرد بالجماعة التي ينتمي إليها، وترسم، لهما معاً، تصوراً (معيناً) عن الحياة والعالم، ودورهما فيهما.. ولهذا فالايديولوجيا مفهوم أقل حصراً –وانحصاراً– من (الثقافة) بمعناها العام، الواسع، وإن كانت الأولى تنبثق من الثانية، وتتغذى منها، إلا أنها –عكس الثانية– تسعى دوماً، بجهدٍ ودأب، بما هي غطاء ل(مشروع سياسي)، قائم أو محتمل، إلى الإنغراس في الكينونة العميقة للوجود الإنساني لجماعة ما، أي أنها دائبة السعي لأن تكون: المعتقد، المذهب، الدين الرسمي (السياسي) لأفراد جماعة ما.. ومن هذا الطابع الإكراهي للايديولوجيا، كمشروع تعبوي، سياسي، بالضرورة.. ومن هذا التمازج والتمايز، التداخل والتباين، بين المفهومين (الثقافة والايديولوجيا) أمكن القول بأن لكل (نظرية) جانبين: إبستمولوجي/ معرفي، عام يمكن أن يكون جزءاً من التراث الإنساني المشترك، وأيديولوجي، خاص بجماعة ما، غير قابل للتعميم على نطاق إنساني عام.

هائل سلام

 

ونتيجة لتطور الأفكار، ومفاهيم السياسة والاجتماع في المجتمعات المختلفة، عبر التاريخ، تطورت (الأيديولوجيات)، كمشاريع سياسية، وبنسب متباينة، تبعاً، لمستويات تطور المجتمعات ذاتها. بيد أنها (الأيدولوجيا) لا تغيب بأي حالٍ (سياسي)، إذ هي في هذا الشأن، ضرورة، لا غنى عنها، لأي حاكم، وتحتاجها كل (قوة) ك (غطاء) فكري، يشرعن سعيها إلى الحكم واستمرارها فيه، وبدونها ينحسر الغطاء وتستحيل (القوة/ السلطة) إلى مجرد قوة غاشمة، عارية مجردة، لا شيء يستر عورتها. والشرعية –بهذا المعنى– هي ما يجعل (الحكم) مقبولاً لدى المحكومين، وهذا القبول يتحدد –بطبيعة الحال– وفق المعايير والأفكار (الأيديولوجية) السائدة في المجتمع.
ووفقاً لتصنيفات علم السياسة، ترجع الشرعية إلى ثلاثة مصادر (أساسية):
أ) شرعية تقليدية، وتتمثل في كون الحاكم سليل أسرة عريقة في الحكم والسياسة…
ب) شرعية ثورية، وتتمثل في كون الحاكم أو الطبقة السياسية يستندون إلى أيديولوجيا الثورة، والإدعاء بأنهم في الحكم بغية تحقيق أهداف الثورة التي جاءت بهم إليه.
ج) شرعية دستورية، هي الأرقى، وتعني أن يأتي الحاكم إلى الحكم بالكيفية المحددة دستورياً، باعتبار أن الدستور عقد اجتماعي بين مختلف القوى والشرائح الاجتماعية، يحدد طريقة تعيين الحاكم. ومدة ولايته، وصلاحياته…. إلخ.
وقد تلجأ السلطات، في حالات معينة، إلى مصادر أخرى (ثانوية) للشرعية، كالقول بشرعية الإنجاز، فعالية حل الأزمات، مواجهة العدو… إلخ.
ويبقى قيام السلطة بوظائفها، بما هي أداة للتغيير في المجتمع، وحسن إدارتها للدولة، باعتبار كونها –أي الدولة– مجموعة من المرافق العامة: القضاء، التعليم، الصحة، الدفاع والأمن، والاقتصاد والخدمات… الخ، هو القاسم المشترك بين مختلف السلطات، أي: أياً كانت مصادر شرعيتها، الأساسية أو الثانوية.. بمعنى أن كفاءة السلطة – أياً كان مصدر شرعيتها – في القيام بوظائفها، التي هي وظائف كل سلطة، يبقى متطلباً ضرورياً لقبول المجتمع لحكمها، باعتبار أن (كفاءة الأداء) وليس مصدر الشرعية، هي المعيار المحدد لمدى نجاحها أو إخفاقها. وبعبارة أخرى، فلا يكفي –على سبيل المثال– لتولي الحكم في البلدان التي تعتمد الشرعية التقليدية، أن يكون الحاكم سليل (النبلاء أو الشرفاء النجباء) فحسب، بل يتوجب عليه، إضافة إلى ذلك، أداء وظائف الحكم بكفاءة واقتدار، أو ترك تلك الوظائف لحكومة مسؤولة أمام الشعب (في الملكيات الدستورية، الملك يملك ولا يحكم)، وهكذا الحال بالنسبة إلى بقية النماذج.
 فالتفكير في شرعية الحكم عموماً، ينصرف إلى بحث المصادر، على النحو المعروض قبلاً، بحسبان أن قيام الحاكم – أي كان – بوظائف الحكم بكفاءة، هو أمر مفروغ منه، فلا يتصور عجز الحاكم عن القيام بوظائف الحكم تلك، لعدم الكفاءة، اعتباراً أن هذه الكفاءة، هي شرط لازم في (ولكل) أنواع الحكم، أياً كانت مرجعيات شرعيتها، بل أن التصور هو أن معدل تلك الكفاءة، يزيد ويعلو في حال كان الحاكم يفتقد إلى أي من مصادر الشرعية (الأساسية) سالفة الذكر. أما فقدان الشرعية، وتخلف الكفاءة في آن معاً، فأمر لم يكن بمدروك علماء السياسة، والأرجح أننا في هكذا حالة، إزاء قوة غاشمة تغتصب السلطة، لا باعتبارها أداة للتغيير الاجتماعي، بل بوصفها مجرد ” غنيمة “، وهي لذلك، تتحكم ولا تحكم، وشتان بين الأمرين.

(الوضعية المأزقية): السلطة وأزمة الشرعية
منذ قيام (الثورة) ظلت السلطات المتعاقبة في اليمن (ج. ع. ي، سابقاً) تعتمد أيديولوجيا الثورة، كمصدر رئيس لشرعيتها، وظل الخطاب الرسمي –السلطوي– دائم التذكير بويلات ومآسي العهد (الكهنوتي) البائد، والتبشير بخيرات العهد الجديد ومنجزاته، وكان ذلك –إلى حد ما– مقبولاً في بدايات العهد الجديد هذا. بيد أن السلطات المتعاقبة تلك، عجزت عن تحقيق أهداف الثورة على الأرض، واستمرت مع ذلك، تردد خطاباً مكروراً يستند إلى (الثورة) كمستودع أيديولوجي لتوليد (الشرعية) المفتقدة؛ ما أدى، وبخاصة تحت ضغط تزايد احتياجات المجتمع وعجز السلطات عن إقامة دولة النظام والقانون، إلى استنزاف ونضوب المخزون الأيديولوجي للثورة الذي استهلك –لفضياً– على مستوى الشعارات والكلام، وعلى نحو كان –ولا يزال– دائم الإشارة إلى واقع مأمول التحقق، لا إلى واقع متحقق بالفعل. ونتج عن ذلك خفوت حدة (جبروت) الخطاب (الثوري) ذاك، وتناقص مفرداته، تدريجياً، بمرور الزمن، وتفاقم الأزمات الناجمة عن الإخفاق في إقامة دولة المؤسسات، وتزايد المتطلبات الحياتية لأفراد الشعب. وإذ كان ترديد ذلك الخطاب مقبولاً، إلى حد ما، في البداية، حسبما سلف الذكر، فقد صار من الصعب الاستمرار في ذلكم الخطاب (الفارغ من المضمون) خاصة في مواجهة الأجيال الجديدة (أجيال الثورة بالذات) التي ما عرفت العهد البائد، وليس بمقدورها –بالتالي– إدراك الفرق بين العهدين. ولذلك، وعلى نحو طردي، كلما تقدمنا في الزمان كلما بهت ذلك الخطاب وتهافت، وهو ما جعل السلطات، وتحديداً السلطة القائمة حالياً، التي يغطي بقاؤها في الحكم الجزء الأكبر من الزمن المنقضي منذ قيام (الثورة)، تعيش ما يعرف في علم النفس بـ”الوضعية المأزقية” على مستوى شرعية وجودها في الحكم. فبسبب افتقادها لشرعية تقليدية، وشعورها المتضخم -والوهمي أحياناً- بذلك من جهة، ونضوب المخزون الإيديولوجي للثورة، المستهلك على المستوى الشفهي/ الكلامي، من جهة أخرى، فضلاً –وهذا هو الأهم– عن الشعور ب(انعدام الكفاءة) على صعيد إدارة الدولة وتصريف شؤونها، إضافة إلى تفاقم الأزمات وازدياد حدة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وتفشي الفساد الذي صار في عهدها فساد أبيض (بتصنيف علم الإدارة، يكون الفساد أسود، حينما يكون ممقوتاً من قبل المجتمع، ورمادياً عندما يكون مقبولاً من بعض ومرفوضاًَ من بعض أفراد المجتمع، ويكون في آخر مراحله وأخطرها فساداً أبيض عندما يصير مقبولاً من قبل أغلب أفراد المجتمع)، بسبب ذلك كله، راحت – السلطة – تتلمس معالم (شرعية) مفقودة، وتلتمسها التماساً، من غير مصادرها الأساسية، ابتداءً بمحاولتها استنساخ أيديولوجيا هلامية (الميثاق)، مروراً بمقولة إنجاز اكتشاف النفط، وتفخيم وتضخيم المنجزات عموماً (وهي إن أمكن اعتبارها منجزات، لا تشكل أي فرق بالنسبة للبنية التحتية الأساسية)، وصولاً إلى التغني بمنجز الوحدة (22/5/90م)، الذي مثل –بالفعل– حدثاً استثنائياً، كان يمكن أن يكون تعويضاً كافياً عن (الشرعية) المفقودة، غير أن الحرب التي سرعان ما أعقبته (صيف عام 1994م)، سرعان ما أفرغته من مضمونه (الوحدوي) وجردته –بالتالي– من وصفه كمنجز عظيم. فأعاد ذلك السلطة سيرتها الأولى، سيرة التخبط بحثاً عن سبب معقول لتسويغ وتبرير بقائها في الحكم. أما (الشرعية الدستورية) والانتخابات، التي تتذكر السلطة اللجوء إلى القول بها –تشدقاً وادعاءً– بين حين وآخر، في مناسبات ومواسم معينة، فمن الحصافة أن تهمل – تحليلاً وتقييماً؛ لأن حمل هكذا تقولات، على محمل الجد، فيه اعتساف كبير للمفاهيم والمبادئ المكونة لهذه الشرعية أصلاً، وظلم أكبر لسلسلة طويلة من المفكرين، ولنضالات وإنجازات شعوب ودول أخرى، مما يعد إساءة ل(الغير) حسن النية..
إذ أن أفكار، مفاهيم، ومبادئ (الشرعية الدستورية) هذه، التي تلجأ السلطة إلى التدثر بها أحياناً، ليست مسلمات في يقين هذه السلطة وضميرها، بل هي مجرد قشرة (خارجية) رقيقة، ومهترئة، تنساها السلطة ذاتها، وتخلع أو تنخلع، عنها لدى أدنى امتحان، كما سنرى في سياق الفقرة التالية من هذا التحليل.
إن الوضعية المأزقية هذه، التي يعيشها الحاكم، كمشاعر، على أكثر من مستوى (الشعور بهشاشة الشرعية أو فقدانها كلية، الشعور بانعدام الكفاءة وعدم الاستحقاق “إثم الاغتصابـ”) تضع هذا الحاكم في حالة من (قلق المصير) حيث يشعر أن مصيره مهدد باستمرار من قبل (الآخرين) الذين لا ينظر إليهم إلا باعتبارهم أعداء متربصين، يتحينون الفرص للانقضاض على (الغنيمة/ السلطة) غير المستحقة أصلاً.
وإن كان الاحساس بفقدان الشرعية، يبدو جلياً، من خلال الإفراط بإحاطة الذات، بمظاهر زائفة من الأبهة والفخامة، فضلاً عن التلقب بألقاب وأوصاف تطلق، في الواقع، كمسميات على غير مسمى؛ فإن المشاعر الأخرى، تتجلى من خلال (جنون الارتياب) الذي تبدو أعراضه في كثير من التصرفات والأفعال وردود الأفعال، فالحاكم لا يرى تجمعاً معيناً إلا بوصفه احتشاداً لمهاجمته، ولا يسمع عن فعالية فكرية، خطابية ما إلا باعتبارها حديث مؤامرة تحاك ضده. وهكذا، إن قلق المصير هو، من بعض الوجوه، حالة اهتياج، تجتاح المصاب بها هذيانات وهلاوس لها، بنظره، صفة اليقين، وإن كانت لا تستند –بالضرورة– إلى واقع موضوعي فعلي، وهي غير قابلة للتغيير بالإقناع أو بالبراهين العملية. هذه الهلاوس والهذيانات هي ذات طابع اضطهادي/ قهري، إذ يقتنع المصاب، أنه ضحية مؤامرات تحاك ضده وتريد النيل منه باستمرار، وبالتالي يستجيب لها –باستمرار– بمجموعة من الإجراءات الدفاعية والهجومية، والمؤامرات (المضادة) التي تستغرق كل وقته وتصرفه عن الاهتمام بواجباته الأساسية، وهذا ما يفسر انشغال الحكام –في الدول العربية عموماً– بمسائل البقاء في السلطة أكثر من انشغالهم بقضايا الوطن، فتجدهم متسامحين، بل ولا مبالين، تجاه الأخطار المهددة للوطن، في حين تثور ثائرتهم تجاه كل ما يتصورون أنه تهديد لبقائهم في الحكم. إن قلق المصير هذا يجعل الحاكم شديد الحساسية تجاه المعارضة عموماً، فلا يرى في أي معارضة لسياساته إلا بحسبانها معارضة لوجوده، ذاته، في السلطة. ولهذا هو دائم الانشغال ب(معارضة المعارضة). وبغية التحرر من قلق المصير هذا، يلجأ الحاكم إلى الأسلوب المعروف ب(الاحتماء الدمجي) من خلال دمج مصيره هو بمصير الوطن، كوسيلة احتماء في مواجهة عوامل القلق لديه. وبذلك، ومن خلال عملية (اختزال) كل الوطن في شخصه، بزعم كونه (رمز الوطن) وحامي حماه… يحاول أن يصور – للعامة على أية حال – أن كل معارضة لسياساته وأي تهديد لبقائه في الحكم، هما معارضة وتهديد للوطن ذاته… وثمن ذلك –في الغالب– هو التخلي عن وضعية الرشد، إذ غالباً ما يستجيب الحاكم لأي تهديد –حقيقةً أو وهماً– على نحو عدواني اهتياجي، يتخذ –من وجهة نظره– طابع الدفاع المشروع عن النفس أو الواجب الوطني المقدس. يرافق ذلك نوع من مشاعر العظمة والسطوة والجبروت، كرد فعل دفاعي ضد الإحساس بفقدان الشرعية وبانعدام الكفاءة، وما يولده من قلق شديد إن مزيج عمليات الدمج والإختزال والاهتياج هذه هي نوع من القلب السحري للمعادلة (الوجودية) لمصلحة الحاكم، بمعزلٍ عن الوطن.
 

(الجرح النرجسي): لمعان الأفكار.. لعلعة الرصاص:
في خضم حالة قلق المصير تلك، الناجمة، حسبما سلف البيان، عن فقدان الشرعية، والشعور بانعدام الكفاءة.. يأتي (حسين الحوثي) كفكرة، وكمشروع (سياسي) محتمل، ونقول (محتمل) استنتاجاً من مؤشرات الأحداث، إذ ليس هناك معلومات متوفرة بما يكفي للتحليل اعتماداً عليها، بسبب التعتيم المفروض في هذا الخصوص. غير أن المقاومة التي أبداها المذكور وأتباعه، طيلة فترتي الحرب، الأولى والثانية، تسمح بما يكفي للقول باطمئنان، بوجود ذلكم المشروع. فتلك المقاومة لا يمكن أن تكون رد فعل آني، غير مخطط مسبقاً، بل تنم عن إعداد وتجهيز واستعداد مسبق ل(الشباب المؤمن) وهو ما يرشح لثبوت (مشروع سياسي) يعتمد –على ما يظهر– فكرة (الولاية في البطنين)، وهي فكرة تسعى لتأسيس (أو لإعادة تأسيس) شرعية (تقليدية) ممزوجة، ومدعومة بأفكار ومعتقدات مذهبية/ دينية، من وجهة نظر القائلين بها، تؤازرها (دعوة) تقوم على أساس معاداة أمريكا وإسرائيل، كغطاء (أيديولوجي) يشرعن السعي إلى السلطة، إذ لا بد لكل (مشروع سياسي) من (دعوة) يدعو الناس إليها وفق مصطلحات العلامة/ ابن خلدون، سالفة البيان.
وإذا كان من حق الناس –كمواطنين– أن يتفقوا أو يختلفوا مع هكذا أفكار، وذلك يقتضي –ابتداءً– الإقرار بحقهم في الحصول على المعلومات، وبأن من حق كل مواطن –الحوثي أو غيره– عرض أفكاره للناس، وفق النصوص الدستورية والقانونية الناظمة لحرية التعبير عن الرأي عموماً. ومع غياب المعلومات التي من شأنها بيان ما إذا كان الحوثي، قد نوى تحقيق مشروعه السياسي (المفترض) ذاك، من خلال المنظومة القانونية السائدة في البلاد، أم على نحو انقلابي، ضداً على تلك المنظومة، نقول أن ما يهم هنا –اتساقاً مع منهج التحليل– هو أن (الفكرة) بحد ذاتها، (وباعتبار كونها تعتمد على شرعية تقليدية، تعاني السلطة القائمة من عقدة تجاهها، وبالنظر إلى كونها آتية من محافظة صعدة بالذات مع ما لذلك من أهمية، باعتبار البعد التاريخي، المتمثل بدور قبائل المحافظة بمجيء الإمامة، من جهة، وباعتبار أزمة الشرعية والإحساس بإنعدام الكفاءة… من جهة أخرى) مثلت –أي الفكرة– تهديداً خطيراً للسلطة القائمة –من منظورها هي– استثار كل العقد، وفجر كل (قلق المصير) لديها، وأصابها ب(جرح نرجسي) كمصطلح: يعني المساس بأعمق جوانب الذات، والنيل من التقدير الذاتي، والاعتبار الذاتي المحوري، ما يولد آلاماً معنوية، وحميمة شديدة جداً، ويفجر القلق ويولد عدوانية هائلة تجاه العوامل التي أدت إليه… وهو ما أفقدها توازنها النفسي والعقلي، فاستجابت، لما تصورته كتهديد، ب(اهتياج عدواني)، غاية في الإثارة والخطورة.
وهكذا.. فلأن (التهديد)، تهديد لها هي، فإن الحرب، حربها هي، ولا داعي –بالتالي– لإطلاع (الشعب) على أية تفاصيل، بل وليس من الضروري التداول بشأن ذلك حتى على صعيد مؤسسات الدولة ذاتها. وإذا كان الشعب والدولة، غائبين، أو مغيبين، هنا، فإن الغائب الأكبر هو (الشرعية الدستورية)، تلك التي يحلو للسلطة –أحياناً– التقول بها، ذلك أن أهداف الحملة العسكرية، منذ البدء، على نحو ما يظهر –استنتاجاً، مرة أخرى، وليس استناداً إلى معلومات مؤكدة– تمثلت في إرادة القضاء على الحوثي وأتباعه، ولم تستهدف مجرد إلقاء القبض عليهم تمهيداً لعرضهم على القضاء ليقول فيهم كلمته، من خلال محاكمة عادلة تصان فيها حرية الدفاع، حسبما تقتضيه الشرعية الدستورية، ولم يكن ذلك على السلطة بعسير، ولو فعلت لكسبت. ولكن، بسبب أن مقتضيات هذه الشرعية، غير متجذرة بما يكفي، في الثقافة السياسية والوعي الحقوقي لدى السلطة، يتم تجاهلها، نسياناً أو تناسياً، لدى أدنى “انفعالـ”.. وهو ما تم منذ بدء الأحداث، على نحو من شأنه تأكيد أن السلطة، نصبت من نفسها الخصم والحكم، وذهبت إلى منطقة الأحداث، كسلطة تنفيذ لأحكام بالإعدام. يؤكد ذلك، المقاومة الشرسة التي أبدتها عناصر (الشباب المؤمن)، إذ هي، وعلى نحو ما بدت بالنظر إلى عدم تكافؤ القوى، مقاومة لا تصدر إلا ك(استجابة حرجة)، أي استجابة من يكون في (وضعية مصيرية) تحمل إليه خطر التهديد والعدوان بشكل لا يستطيع تجنبه بالهروب أو بالاستسلام، بحيث يكون الخيار الوحيد أمامه هو بين الحياة والموت، فيستجيب، من يكون في هكذا حال، بسلوك قتالي مذهل في عنفه وفعاليته، يصل حده الأقصى، ويعبئ كل طاقته بشكل مركز يفاجئ المهاجم الذي يفوقه عدة وعدداً. إن الاستجابة الحرجة هذه هي التي تقلب –أحياناً– القتال لمصلحة الفئة الأضعف، المهددة مصيرياً/ وجودياً، عكس كل التوقعات. ويؤكد ذلك أيضاً حملة (التبخيس)، (وهي كمصطلح، حملة تلجأ إليها –عادة– الأنظمة القائمة على الاستبداد، في علاقاتها الصراعية مع الخصوم، تستهدف الحط، مسبقاً، من قيمة الخصم وتحقيره، بإلصاق أسوأ الأوصاف والنعوت به، بغرض تبرير العدوان والقضاء عليه)، والتي قامت بها، هنا، وعلى نحو غير ضروري، وسائل الإعلام الرسمية، مع ما رافق ذلك من استخدام، مكثف، للأحكام النمطية: عنصرية، سلالية، إمامية،… الخ، وبشكل أظهر قدراً، خرافياً، من الخوف، أو ما يمكن وصفه ب(رٌهاب الأفكار) المنمطة تلك. ولأن الأفكار هي مصدر الخوف والأرق، وليس الأشخاص، الذين يسهل تصفيتهم، على أية حال، كما حدث مع الحوثي الإبن، فإن (المعضلة) هي أن الأفكار لا يمكن تصفيتها بتصفية الأشخاص، بل إن موت هؤلاء دون تلك، هو أمر يمنحها بريقاً ولمعاناً قد لا يكون لها أصلاً، بيد أن دم (المؤمنين) بها يسبغ عليها رونقاً ويزيدها توهجاً، يغريان آخرين باعتناقها وبالموت دونها.. وهكذا فقيمة أية فكرة، إنما تتوقف على مدى استعداد (المؤمن) بها على التضحية بأعزما يملك من أجلها.
ولأن من بداهات الأمور، أن الفكرة تنتقد بفكرة، والحجة تدحض بحجة… فإن استهداف الفكرة بالسلاح وبالتصفية الجسدية، أمر لا يثمر مطلقاً؛ إذ سرعان ما تتلقف الفكرة –كراية– وتحملها (أجساد) أخرى، كما حدث مع الحوثي الأب، الذي أراد بفعله الأخير، وهو فعل بالغ (الرمزية)، إبقاء الفكرة حية، لا بكسب المعركة ميدانياً، كما قد يتبادر –خطأً– إلى أذهان البعض، بل بكسبها معنوياً ورمزياً.. فالاستعداد للتضحية وقبول الموت من أجل الأفكار هو ما يبقيها حية، فاعلة..
إن مواجهة الأفكار بالرصاص، هو عمل أخرق، ليس من شأنه سوى التأسيس لدورات من العنف والعنف المضاد، وكان بإمكان السلطة تجنب الخسائر الفادحة والآثار بالغة الخطورة لما أقدمت عليه بقليل من كفاءة الأداء السياسي. ولم يكن ليضيرها شيء لو أطلعت الشعب، بل ومؤسسات الدولة ذاتها، بحقائق الواقع في الصراع الدائر، باعتبار ذلك شأناً وطنياً يهم ناس هذا الوطن. أما التعتيم وضرب طوق من الكتمان فأمر لا يمكن إلا أن يكون ناجماً عن (عقلية) تعتبر الشعب (ناقص أهلية) يسهل التأثير والتغرير عليه، وبقليل من الرشد كان يمكن أخذ (الحوثي) وأتباعه بجريرة تأسيس وقيادة تنظيم مسلح، ومحاكمتهم –من ثم– على هذا الأساس.. أما تخويف الناس ب (بعبع) الإمامة والملكية، الذي طبعت صورته في المخيلة الشعبية بفعل تكرار الخطاب (الثوري) على مدى عقود من الزمن، في ذات الوقت الذي تسعى فيه السلطة إلى تكريس التوريث السياسي (الجمهوري)، فأمر لا يخدمها بل يخدم الملكية ويعيد إليها الاعتبار.. وفوق هذا وذاك، يبقى قيام السلطة – أي سلطة – بوظائفها (الأساسية)، المتمثلة أولاً بإقامة دولة النظام والقانون، وثانياً بحسن إدارة وتصريف شؤون الدولة والمجتمع، هو السياج الآمن، المؤمِن من كل تهديد.

*«النداء» العدد (6) 20 ابريل 2005