“القشعة ” التي قصفت ظهر الزغير – أروى عثمان

“القشعة ” التي قصفت ظهر الزغير – أروى عثمان

هذا الزغير لم يكن زغيراً، فكيف اختزل ذلك الجسد الإنساني، الشبيه بغيره من الكائنات الآدمية، ليصبح وزنه رطلين ناقص وقية.. ويحمل بجدارة لقب الزغير، الذي يتناقص باضطراد، ولا تعرف الزيادة طريق جسمه مطلقاً!!
تقول ذاكرة الحاضر.. إن الموطن الزغير أصيب ببلاء، لم يعرف كنهه حتى الآن، أدى إلى كل ذلك الإختزال. في البداية أختزل وجهه إلى أربعة أخزاق صغيرة، “خزقتين” أطلقا عليهما عينان، وخزقان اخران قيل إنهما أنفه – والله أعلم – ثم ذراعين ملتصقين بفوديه، ورجلين معلقتين بصدره الشبيه بعلبة الكبريت.
أما دواخله، فقد كشفت تحاليل الأشعة الكثيرة عن معدة بمقدار حوصلة كتكوت في يومه الأول، و عن خيوط مشعبكة يطلق عليها أمعاء. أما الفاجعة الكبرى فقد أظهرتها الأشعة عندما كشفت أن الزغير لا يملك قلباً. وبعد ذلك ذهب الأطباء يفتشون كل الأنحاء المتبقية من جسده: صدره، خلف البنكرياس، تحت الحجاب الحاجز، داخل رأسه، وواصلوا بحثهم في قدميه، وبين أصابعه، تحت أظافره ولسانه.. فلا قلب للزغير.
أما عقله المتقزم بحجم مخيخ أرنب فقد وجدوه سابحاً في رغاء “قاتي” أخضر. فحمدوا الله شاكرين أن الزغير خرخ بفص عقلي، ولا ما فيش!
أين ذهب جسد الزغير؟!!
تقول أجندة الذاكرة: أن جسمه بدأ بالانكماش، مع ولادته، واختيار أسمه (حُمادي) ثم مع توالى مسلسل الموانع والنواهي من: “اسكت لك عُجمة “، و”يقصف عمركـ”، ” جني يتحملك “، ” أم الصبيان تفقش قلبك ” – مع أن الجميع يدرك بأن الزغير لا يملك قلباً – وأخيراً: ” قل، ولا تقل ” و”افعل، ولا تفعل “.
يقال إن الانكماش تضاعف من أول يوم مدرسي والتصاقه بكرسي الفصل، واستماعه لأول درس:هيا هيا نحو المسجد، وأرنب أمي يقفز ويقفز، وأبي أشترى لي ساعة.
في الإجازات كانت الأم تحاول إنعاش جسده ببعض المأكولات الدسمة، سرعان ما كانت تمتصه قاصفات الكرة في الشارع، وراجمات الصواريخ يا ” صُعبي ” و”الطعفرة ” النفسية والعقلية في الأزقة والأسواق، فلا مسرح، ولا سينما، ولا، ولا. كذلك المساجد والتقدم في الصفوف الأولى والاستماع إلى خُطب الجمعة التهمت جزءاً لا بأس به من جسده. أما المقايل فقد ” شفطت “الكثير من ذلك الجسد، وخصوصاً ” تفاريط ” السياسيين، والمثقفين، والمجتمع المدني!!!.
وللإعلام نسبة عالية من جسد الزغير لم تكتف بلحمه، بل امتصت نخاعه الشوكي، وقرّطت عظامه تقريطاً..
مع موجة الانتخابات وهستيريتها، حدق الزغير ذات صباح مشمس إلى جسده في المرآة، أصابه هلع مريع كاد يصيبه بالسكتة – لكن لم يدر ما نوع السكتة، وهو لا يملك قلباً، حتى يطلق عليها سكتة قلبية، وإن أطلق عليها سكتة دماغية، ما فيش دماغ، ولذا كانت سكتته غير جديرة بالنَّسب لقلب أو دماغ، فوصفها بعد ذلك بالسكتة الشاملة الجامعة المانعة.
كيف اختصرت أربعة وأربعون “قارحاً” من عمره إلى ما آل إليه الزغير؟ ولماذا لم يكن يتساءل عن ضياع وتلاشي جسمه؟ ولماذا سمح للجميع بأن يسمونه الزغير؟ ولماذا كان يسوّف ويهون من أمر تناقصه بالقول إن هذا التناقص سيتوقف مع طلة كل صباح؟..
عندما حدق الزغير ذلك اليوم في المرآة كانت الأحداث الوطنية “من قرح يقرح” والأمجاد الثورية، وثوابت الأمة، والعرس الديمقراطي تتناوب بهستيريا للانقضاض على ما تبقى من جسده.
قال الزغير: أخاف إذا استمر جسدي تحت هذا القصف الوطني والزخم الانتخابي، أن أتحول إلى حبة “بِلسن”.
حاول الزغير أن يوقف حد الزحف على ما تبقى من جسده، فقرر، قائلاً: لا بد من “قشعة ” تُطيّر بكل المسبقات والأحداث والأفكار والمدرسة والمسجد والجامعة والمقايل والانتخابات والصور والبرع والجنبية، والبرلمانات ومساجلات الشورى والديمقراطية والدبابات والمونيكا والشرشف والعشش والقصورومباني الصفيح وسير سير نحن بعدك بالمسير وياحنان يامنان… وووووووووووووو..
كان من شأن مضادات القشعة أن تقصف ظهر الزغير – إذا ما تجاوزنا واقع حاله وأطلقنا على ذلك النتوء ظهراً – وأن تقول له: من يطالب بعموده الفقري خارج المرجعيات فليقصف ظهره، وينعصف عصفاً حتى يتفرق نخاعه الشوكي، على القُبل والأمصار.
في مجتمعات الصبر، وحِكم ” من مشنقة لمشنقة فرج” فلتنقصف الظهور و ” الدحون ” ليبزغ إنسان جديد يعطي للحياة معنى…
والا كيف تشوفوووووو؟؟؟؟
[email protected]