الضيف بغض الضيف – وداد البرغوثي*

الضيف بغض الضيف – وداد البرغوثي*

عندنا مثل يقول: “الضيف بغض الضيف والمحلي بغض الكلي (الكل)”. كل القيادات ضيوف على هذا الشعب، والشعب وحده هو المحلي (أي صاحب البيت).لأن صاحب البيت أبعد ما يكون عن بغضاء الضيوف فيما بينهم، ولا علاقة له في كراهيتهم لبعضهم. قد يتحملهم قليلاً أو كثيراً، لكنه إذا أحس أن ضيافتهم “ستسم بدنه” وبدن أهله سيرفضهم جميعا ويطردهم جميعا.
ما يجعلني أستذكر هذا المثل كل لحظة، هو الحال الذي وصلنا إليه؛ فالكل ينتقد الكل، والكل يشتم الكل، والكل يتهم كل واحد من قادة أو كوادر أو ممثلي العمل الوطني والجماهيري، من فصائل السلطة أو من المعارضة، ينظر إلى الآخرين كلهم على أنهم خاطئون خطاؤون ووحده المعصوم عن الخطأ، وحده من حباه الله بنعمة الابتعاد عن الخطيئة.
كلنا نمتلك ملكة النقد، لكن لا أحد فينا يمتلك ملكة النقد الذاتي أو يعترف بأنه أخطأ ذات يوم، أو أنه مسؤول عن أية مشكلة أو عن أية نتيجة مهما كان ضالعاً في المشكلة. وننسى أن: خير الخطائين التوابون، بل ونستبدل الـ”توابين” بالـ” نسائين”.
الموظفون بلا رواتب، والطلبة في الشوارع، أبواب المدارس أصبحت ملاذاً آمناً للعناكب الضالة، والمرضى ليس لهم إلا وجه الله. من يشجع الإضراب يمارس الضغط على الحكومة فيما لا يمارس أي ضغط من أجل تخفيف الحصار. ومن ضد الإضراب يخون المضربين ويشكك في وطنيتهم. والناس أصبحوا في حيص بيص. والمعارضة التقليدية اليسارية أعجز من أي فعل. والكل يسمعنا كلام، وكله كلام في كلام، لا يسمن ولا يغني من جوع.
بعض الفلسطينيين مستعد لأن يلتقي حتى مع الشيطان دون أن يضع شروطاً لهذا اللقاء، وفيما هذا البعض يصرح بذلك نجده في ذات الوقت يضع الشروط والعراقيل للحيلولة دون التقائه مع قائد فلسطيني آخر من فصيل آخر.
يا إلهي!! لماذا كل هذا التباغض والتنافر؟! من أجل ماذا نغض الطرف عن عشرات القواسم المشتركة ونتمترس وراء قضية خلافية؟! كيف سنحرر وطنا وكيف سنبنيه بهذه العقول؟
قبل كتابة هذا المقال كنا نجلس أمام التلفاز. مشاهد كثيرة ومواقف كثيرة وأحداث كثيرة، نجد عيوننا تلتقي سوية دون سابق اتفاق عندما نشاهدها أو نسمعها. كان أحد سائقي سيارات الإسعاف اللبنانيين من حزب ميشيل عون، اسمه آرام شلو، يتحدث عن تجربتهم خلال الحرب ونقل التموين والغذاء والإسعاف لعائلات المهجرين من الضاحية الجنوبية. قال بتأثر: “سابقاً ما كانت الضاحية تعني لي شي؛ هللاَّّ صرت اروح لها يومياً وأحس أني مرتبط كثير بالعائلات اللي فيها. مش مهم الطوائف المتعددة. لبنان كلو شخص واحد”.. أنا وزوجي – القادم من مؤتمر صحفي تحدث فيه ممثلو كل القوى انتقدوا واجلدوا وأكد كل واحد منهم أنه “الصح المطلق” – نظرنا إلى بعضنا، وبدون سابق اتفاق، تبين أن دموعاً كثيرة كانت تستعد للهطول وكأنها تقول: “أحرام أن تكون فلسطين “شخصاً واحداً؟”. ما أحوجنا إلى قيادة توحدنا تحت ظلها! ما أحوجنا إلى “سماحة سيد” فلسطيني!!
وساعتها لن يبغض الضيف الضيف، وسيسعد صاحب البيت باستضافة الضيوف وإكرامهم.

* أديبة وأكاديمية من فلسطين
[email protected]