أنا حر – عادل الأحمدي

أنا حر – عادل الأحمدي

ليس بسيطاً ولا عادياً ولا عابراً ما يعيشه اليمن اليوم.. اليوم يحطم اليمنيون الصنميات والتابوهات ويدحرون آخر ذرة من ميراث الخوف الثقيل في ضلوعهم وينتصرون على مخاوف القهر والشك والعجز والأسف..
يتحايل الحكام اليوم على أخذ رضانا وكسب ثقتنا ويقدمون لنا الوعود والتبريرات ويكتبون التعهدات ويخافون من مزاجنا النابه ساعة الاقتراع.
صدقوني.. يتمنى الواحد منهم ان يعرف ما الذي نفكر به الآن وما الذي سنقرره وإلى أي هوىَّ نميل.
تدلَّلْ أيها الشعب- خذ مهلة كي تفكر.. قل من يتنافسون عليك أن جميع عروضهم ما زالت دون المستوى المطلوب.. اطلب الأجمل والأكمل.. واجعله موسماً وافراً لحصد المكاسب وأخذ التعهدات.
معادلة منعشة أنت فيها الطرف الأقوى.. لك اليوم والغد والقادم المتبسَّم يا شعب.. الحاكم من اجل انت. ويحتاج إليك أنت.. وهو بدونك لا شيء. استشعر فقط حجم اللحظة واحذر ان تتسرب من بين الأصابع أو تتشوه.. ذلك أن الاحساس بحقيقة اللحظة يعين على التهيؤ السليم للنقلة التالية.. وهلم جراً.
أجمل ما في هذا التحول العظيم أنه أول تحول نحرزه دون أن ندفع ثمناً باهظاً من دم أو دموع.. الحاكم الآن ينتقد من على منابر كان الحسبان أها حكر شخصي له.. والمتنافسون الآن يحرصون على زيارة كل الأرجاء ويغازلون كل منطقة بذكر مآثرها ومناقب أبطالها ومناضليها.. الأمريكان لم يصلوا إلى هذه المرحلة إلا بعد 300 سنة من التدرج والتحسين والاضافة.. مع هذا لا يزال العرق لأنجلو سكسوني هو المتنافس المعتاد على مدفأة البيت الأبيض.
الآن: لو تأتي الأيفس وفريدريش وأوكسفام والمعهد الديمقراطي ووفد الكونجرس وخافيير سولانا ورايس وأنان ليقولوا ان ديمقراطيتنا لاتزال وليدة أو ناشئة لشككت في معايير قياسهم للأمور.. ثم إنني الآن لست مهتماً بشهادتهم لي.. أنا الذي يعيش الحدث، وأنا الذي يقيّم ويصيب، وأنا صاحب الكلمة الفصل، وسيد الدورات الرئاسية القادمة من الان وإلى ما شاء الله.

أعتقد أنهم في الغرب لم يعودوا يتميزون علينا إلا في نقطة واحدة وهي انهم قد يصورون الحاكم في أبشع كاريكاتور ساخر وقد يقذفونه بالطماطم لكنهم لا ينكرون أية أوجه ايجابية في سياسته ولايحاولون افشاله ان اقدم على مافيه منفعة لهم ومجد له.
أما نحن فباستطاعنا، تفنيد الملموس وانكار المحسوس وتصوير ما لم يكن فيما اذا كان كيف سيكون.. مع هذا سوف نتغلب على كل قصور ما زال يشوب التجربة.. المهم أننا بالفعل جادون، وحريصون على احتساء كأس الحرية حتى آخره.
ما نعيشه من تنافس رئاسي علني هذه الأيام ليس لعبة ولا تمثيلية ولا ترفاً ولا استباقاً في غير أوانه.. بروفات عدة اجريناها حتى نصل إلى هذه الصورة، وخسائر جمة دفعناها جراء نواقص سابق التجارب..ويدرك كل يمني أن ما نعيشه اليوم لا يشبه ابداً ما عرف بـ«ربيع دمشق» الذي استمر خمسة اشهر عقب صعود بشار رئيساً حيث مُنح الناس الحرية اياماً قالوا بعض ما ينوون وما زال الكثير يدفع ثمن تصديق بأن ثمة حرية مفاجئة.
مخطئ من يعزو حراكنا الديمقراطي إلى رياح الضغط وعصا الديمقراطية.. بدأنا قبلهم.. ومازال كل محيطنا الاقليمي مغموساً بالكبت اللازب. وعلينا حيال هذا الواقع المنعش ان نثمنه ونستشعر دلالاته ونحافظ عليه من دعوات التقليل أو الاستهانة ليغدو تراكماً مكتملاً مصوناً ووالله إننا لنستحق هذا الشرف..
التجربة الآن أصبحت ماثلة بشكل جلي للداخل والخارج الأمر الذي دفع شريحة المشككين التقليديين في أية تجربة تخوضها اليمن إلى الانتقال من خانة التشكيك إلى موقع الصمت والسكوت عن حجم التجربة.
والبعيدون فقط يدركون ان مع يعتمل في اليمن اليوم لا يقوم به شعب سهل ولا زعيم بسيط.. وحده نحن بمعية هذا الرئيس استطعنا ان ننتج معاً من الشمولية إلى الوحدة إلى الحرية وصولاً إلى حقيقة التنافس لتداول موقع الحكم..
قد نستهسل نحن كمحكومين هذا االمر لكنه في نظر من ذاق هليمان الحكم صعب ونخيف ولهذا أعزُّ الرئيس صالح وأعدّه عامراً ومزياً بما يكفي لاذهال الجميع.
 سيبدأ اللاحقون من حيث ما انتهى و لهذا سيكونون عاديين ومتوقعين (بفتح القاف المهملة). علينا الآن أن نفكر بالثراء والسطوة والنفوذ الاقليمي والتخطيط الاستراتيجي لنضع دويلات تحت آباطنا ونكون رقماً في معادلة الكبار.. انضبطت آلية الحكم ايقاع تنافسي في بلد متنوع القوى.. الثقل سيصبح تحصيل حاصل خصوصاً وأننا كيمنيين مارسنا أطول فترة استقرار وسطوة على مدى التاريخ المستمر 2600 سنة أيام التبابعة الذين «تتابعوا» على الحكم بسلالة ويسر.
من يوم انطفأ الزخم الحميري تضاءل عدد السكان في اليمن واضمحلت اجسادهم وهيبتهم بين الأمم واسترحنا قروناً من المجد لكن حنين البعث تحرك في حنايا العقيق النائم.. سنة الله.. ولك لغط الانتخابات ولي ما وراء المطر.
الممثل المصري احمد راتب قال في حوار مع قناة «الحرة» إنه إذا كان عبدالناصر قفز بمصر 70 سنة من الاحتلال البريطاني والسادات قفز بها 7 سنوات من احتلال سيناء فإن مبارك قد قفز بمصر «سبع تلاف سنة». سبع تلاف سنة والمواطن المصري لا يشارك في اختيار من يحكمه لكن مبارك فعلها.. يجيد المصريون تثمين النقلات وإلا فلا مقارنة بين تجربة مصر وتجربتنا في اليمن.

**

أروع ما في علي عبدالله صالح أنه لم يقدم نفسه كذات معصومة أو مقدسة وسيكتب التاريخ عنه كلاماً رائعاً كان سيسعد لو سمعه الآن. لقد كان طيلة أيام حكمه أول من يستيقظ وآخر من ينام.. من ذا الذي عرف عنه لهواً أو لعباً بل إن ما أضنى خصومه وأعياهم نشاطه الذي لا يكل ودأبه الذي لا يمل.. صحيح أنه على قدر كبير من الطيبة والسماحة لكنه أيضاً على درجة من الحنكة والذكاء وسرعة البديهة وقوة الإحساس.
28 عاماً من حكم علي عبدالله صالح، لم يدمغ فيها اليمن بأية مسحة تبعية لشرق أو لغرب أو يمين أو يسار.. ظل يمنياً خالصاً يعكس طموح هذا الشعب وتوثبه وصدق توكله.. لم ينحز لمنطقة ضد أخرى ولم يتحيز لجماعة أو مذهب أو قبيلة، يمني لكل اليمنيين، يشبه كل اليمنيين ويعيش في وجدانه اليمن بأكمله.
أكره تعداد المنجزات إذ غالباً ما يصبح هذا التعداد على حساب المنجز الأهم وهو روح الرجل التي اتسمت بها سنوات حكمه حيث الحيوية في كل شيء، والحراك في كل شيء تماماً لكي تأتي النتائج على قدر النسبة الفائضة في الحيوية لأي طرف كان. الجميع وجد فرصته في عهد علي عبدالله صالح والجميع تحدث بما لديه حتى ضد علي عبدالله صالح، أخلص البعض وأفسد البعض وتقاعس البعض وانتبه البعض وغفل البعض ليصبح بالإمكان كل شيء ولتنقش بوادر كل شيء والثمر معقود على نسبة العزم ومقدار الحنكة والمبادرة. وأي هفوة ماكانت إلا بسبب تقاعس ذوي النظر السليم ودأب من ذوي المشورة الخاطئة أو أصحاب الرهان الخاسر.
حكم علي عبدالله صالح 28 عاماً وفي حال فوزه في هذه الانتخابات فإنه سيحكم بإذن الله حتى تبلغ 35 عاماً تماماً نظير المدة التي حكم بها التبع اليمني الفريد أسعد الكامل..والتاريخ يقول ان النقلات الكبرى في الأمم الحضارية لم تحدث إلا في ظل فترة حكم كتب لها اطول فترة استقرار.. كان من المستحيل ان تطرح فكرة التداول السلمي للسلطة في اليمن وتشرع وترسخ إلا في ظل زعيم يحكم فترة طويلة يتعهد خلالها برعاية مبدأ صعب كهذا. ولننظر حالنا الآن لم يكن بقاء الرئيس في سدة الحكم مرسخاً لذاته هو بقدرما كان بقاؤه مرسخاً لحضور الآخرين لنصل بعد 28 عاماً من حكم علي عبدالله صالح إلى نقده وتقييم تجربته ووضعوه كحاكم في خانة المفاضلة بينه وآخرين وبشكل حقيقي وخلال تدرج معقول.. رياح العصر ليست السبب إذ بدأنا مع علي عبدالله صالح قبل ان ترتفع عصا الديكتاتور بوش في المنطقة.. ثم كم ستحتاج هذه الرياح لكي تهب على دول المنطقة لتوصلها إلى ما وصلنا إليه.
ويكفي أن علي عبدالله صالح قد قوّى في هذا الشعب عنفوانه وحريته على حساب عنفوانه الحكم وسطوة جهازه الدعائي. لقد عزز حضور الجميع في اتخاذ القرار وغيره ألغى البرلمان وعطل الدستور.. عمل الرجل على تحديث قوى المجتمع وتثقيفها وغيره، استعدى هذه القوى ودفعها للإطاحة به.. وحينما يغادر علي عبدالله صالح السلطة فإنه سيغادرها راضياً مطمئناً إذ وخلال فترة حكمه رسخ في اليمنيين ذاتيتهم وعزز في صدورهم مساحة الرفض وجنبهم الوقوع في أسر أية كاريزما حاكمة تستغفل وعيهم وتضلل رؤاهم.. وغيره غسل عقول الجماهير ودفعها في الشوارع لتهتف: «تخفيض الراتب واجب».. المسألة أحياناً مسألة إعلام، والرئيس ليس خطيباً مصقعاً واعلامه فائق التسطح يعيد انتاج الرتابة وفي ذلك ايضاً خير.
ولهذا كله أريد أن احتفي بما نعيشه الآن من تحول أخاف ألا نثمنه وألا نصقله..ما اجمل الآن ان يحتشد في المحويت لمرشح المشترك فيصل بن شملان جماهير غفيرة اكثر من الذي احتشدت له في بلدته بحضرموت..
في عهد علي عبدالله صالح انكسرت كل هذه التابوهات ودفعة واحدة.. وتحطمت الاطروحات القائمة ما يحقن جاهزية اعضائه علىالحقد المناطقي في أن الحكم مركز في يد اصحاب مطلع، وتلك التي قول ان القبيلة كتلة عمياء ميؤوس من تحضرها وأن ادماجها في الدولة والحياة العامة خطأ اقترفه علي عبدالله صالح التوازن المتباين نسبياً في الاحتشاد التنافسي لا يأتي إلا ليؤكد أن كثيراً من النعرات والمسلمات المنحطة اصبحت «تحت المدعس القديم»، وأن إدماج القبيلة خير من اقصائها.. ماتت العصبيات وذابت الترهات وتأكد للجميع شيء واحد فقط.. هو أننا سنختلف فقط على كيفية خدمة اليمن بصرف النظر عن الاحساب والأنساب والبطون..

**

بعض الناس لاحظَّ لهم في المفاخر وليس لهم قدم صدق في ساعة عسرة ولا حتى صورة تذكارية بجوار حدث عظيم.. هم الذي يحاولون الآن النط إلى قطار التغيير الهادر في اليمن محاولين الادعاء بأنهم من رموزه أو بعض مبشريه.
لا تتخيلوا ان فئات الافساد يقدمون رؤاهم للرئيس بصورة هشة أو مفككة بل يحرصون على تصوير رؤاهم على انها الحل الأنجح والوحيد وينسجون من حوله مخاطر لا وجود لها ومكاسب جمة في مئات الصفحات وآلاف الجداول والمؤشرات فيما اصحاب الرؤى السديدة يائسون من الوضع او معتمدون على قوة حدس الرئيس مصدقين أنه العقل الوحيد لكل قراراته وسياساته.. الرئيس ليس ديكتاتوراً ويشفع للرئيس أنه لم يتأخر لحظة واحدة في الأخذ بما يرى فيه الخير والفائدة.. أحياناً يصيب واحياناً أخرى يأتي التنفيذ معاكساً لما هو مكتوب في رؤى الفئة المضرة الناشطة.
يحضرني هنا مثال وهو الاستاذ فرج بن غانم الذي رسمت له المخيلة اسطورة من الأسف الماحق نسجها زمرة المنجمين الذين يبنون حججهم على كلمة «لو».. مع أن واقع الحال -وبمنطق العقل- يقول إن فرج بن غانم رغم كونه اقتصادياً ماهراً وشخصية نزيهة وجادة فإنه على الإطلاق ليس رجل دولة… ولا معنى لأية كفاءة أو نزاهة إذا كان بدؤها مشروطاً بإزالة كل مراكز التعويق والفساد.. إذ اللائح أنه حينما يقوم الرئيس بإزالة 140 فاسداً دفعة واحدة فإنه بمستطاع عادل الأحمدي أو مصطفى راجح أو يحيى نوري إدارة كفة الحكومة وبكفاءة لا بأس بها.. مراكز الفساد تغلغلت في الفترة الانتقالية كإحدى تداعيات دمج نظامين.. واستأسدت بعد ذلك على عاتق أزمات لاحقة بحيث اصبحت مراكز تفخيخ ونفوذ يحتاج اقتلاعها شيئاً من الحكمة والحنكة والتدرج.. كان بن غانم سينجح لو فعلها.. وباعتقادي هذا هو الفارق بينه وبين عبدالقادر باجمال الذي هنجم وتقدم وأدرك أن أي حاكم ليس قدرة خارقة بيدها كل شيء.. من هنا استطاع أن يكون.. وأن يصل أيضاً إلى منصب امين عام الحزب الحاكم..
الحنكة أيها الأحباب هي ما يفتقده أصحاب النوايا السليمة في هذا البلد.. وهنا أؤكد أنه حينما يتزاحم الفريقان على رسم الرؤى وايضاح الأنسب فإن علي عبدالله صالح أشجع من يقود إلى انتصار مشرِّف.
هي سنة الله في كل خلقه وإلا لا معنى لمبدأ الشورى إذا كان يفترض في الحاكم العصمة الخارقة والقدرة الخرافية..
ما أقصده من هذا السرد هو حرصي على ألا ندفع الحاكم إلى الخوف من الديمقراطية.. أتمنى أن يكون الرئيس محتفياً وسعيداً بمايحدث الآن من نبض ونقد وتنافس فالديمقراطية ايضاً تعطي المناخ المناسب لذكر الايجابيات التي قد يخشى أي رئيس أن يحدث نكرانها في زحمة التنافس.
منتهى الروعة ألا يكون الرئيس الآن مهموماً بنتيجة الصندوق أو بنسبة فوزه أو فوز منافسه.. أتمنى ان يستمتع الرئيس أنه وصل بالإنسان اليمني المقهور منذ قرون إلى هذه الدرجة من الحرية والحيوية.. أليس حقيقياً ورائعاً أن يكتب جمال أنعم في «الصحوة» مؤيداً للمرشح المنافس للرئيس الحالي:
«أنا حر.. وبنسبة كاملة لا تقبل التبعيض».
وقبل سنوات قالها فنان الشعب محمد الاضرعي في شريط حمل ذات العنوان «أنا حر»… أصبحنا نعيش الحرية واقعاً ملموساً يفيض فينا قولاً وتعبيراً وغناء.. أو ليس هذا هو ما ناضلت من أجله الحركة الوطنية اليمنية منذ قرن.. إذ الاحرار ورغم شظف العيش أيام الامامة إلا أنهم لم يناضلوا من أجل اللقمة أو الكساء بل ناضلوا من اجل الانسان.. الانسان الحر.. ومتى ما وجد الانسان الحر فإنه هو الذي يجلب القوت ويضع الرفاه.. ولا قيمة لقوت أو رفاه في نظر انسان منقوص الذات.
خصومنا لم يعودوا مغتاظين من الرئيس فحسب بل من هذا الوحش الذي رّباه الرئيس.. وهو الشعب.
أنا حر.. وأنت حر.. أنت حرٌّ في أن تنتخب من تشاء، وأنا حر في أن أنتخب من أشاء، ولو لم تكن مسؤولية أمام الله لاخترت بن شملان تعزيزاً لحقيقية التحول.. لكنني سأصوت لعلي عبدالله صالح طالما والتنافس حقيقي والتداول لم يعد أمنية مستحيلة. مع تهاني مقدماً للفائز.. وآمل أن يكون مرشحي.
التغيير هو ما نعيشه لا ما سوف تفرز عنه الصناديق والأوطان لا تُبنى بالتحلي ولا بالتمني، وإنما بالفعل المضارع الصحيح الآخر.
أشكركم على قراءة هذا المقال..