اكثر يوم تخشاه قوات الأمن هو يوم الجمعة

اكثر يوم تخشاه قوات الأمن هو يوم الجمعة

عدن: بوادر صراعات على القيادة والسيطرة على الشارع
علاء عصام
تغطيات إعلامية خجولة أو يمكن أن توصف بأنها “ضعيفة” في الإعلام الدولي, ناهيك عن أن التدوينات من خلال شبكات التواصل الاجتماعية (فيس بوك، تويتر, والمدونات) تكاد لا تتطابق إلى حد كبير. الثابت بين الأمرين يتمثل في الصور والتسجيلات التي تم التقاطها من قبل هواة أرادوا أن يوثقوا؛ ليروا العالم ما يحدث في عدن.
الحياة اليومية
في المجمل الحياة اليومية تبدو إلى حد معين هي “طبيعية”؛ فالمحلات التجارية مفتوحة ليس لوقت طويل، وفي معظمها تغلق في الساعة 7 و8 مساءً، وحركة المواصلات من باصات داخلية وسيارات الأجرة تعمل بشكل يتعاطى مع عدد المتسوقين والمتفاعلين مع مجريات حياتهم اليومية. الموظفون الحكوميون يذهبون إلى أعمالهم بشكل طبيعي أيضاً.
إلا أن كل ما سبق من وصف لليوم العدني يستجيب لسخونة ذات اليوم. فالأيام التي يتم الإعلان عنها من أنها ستشهد تظاهرات كبيرة سواء من خلال شبكات التواصل الاجتماعي أو الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني، يلاحظ توقف تام في الحركة، فالمحلات لا تفتح أبوابها, والطرقات خالية من المارة ومن الحركة المرورية للمركبات… في حين أن الموظفين وطلاب المدارس لا يذهبون إلى أعمالهم ومدارسهم.
الجانب الأمني
المتجول في مدينة عدن يمكنه بسهولة أن يستشعر حالة من “الاستنفار الأمني” غير المعلن. فالطرق المؤدية من وإلى المديريات الثماني التي تتكون منها المحافظة، هي محكمة بنقاط تفتيش من قبل قوات الأمن المركزي، عدا المديريات الأكثر سخونة كالمنصورة والمعلا وخور مكسر، التي يشاهد فيها بين الحين والآخر عربات عسكرية مصفحة, دبابات, مضادات للطائرات, وقوات الجيش.
كما أن ثمة إقفالا بريا يمنع القادمين من المحافظات الأخرى من الولوج إلى مدينة عدن، عدا استثناءات بسيطة، خصوصاً تلك التي تحمل عوائل وحالات مرضية حرجة, ولا ننسى القات أيضاً الذي يأتي من محافظة الضالع التي تبعد عن مدينة عدن ب100 كيلومتر, ناحية الشمال.
وبقدر سخونة اليوم الذي تحدث في المظاهرات التي يتم الدعوة لها, بنفس القدر وأكثر يزداد الخناق الأمني والرد العكسي غير الإنساني من قبل قوات الأمن المركزي وقوات الجيش وأسلحتها الثقيلة. ولعل التسجيلات التي صورت لنا أحداث مديريات المنصورة المعلا وخور مكسر وردة الفعل العنيفة تجاه المتظاهرين سلمياً هي الطريقة الأمينة لنقل الصورة لما يحدث على الأرض.
الاحتجاجات
أتوقع أن أكثر يوم تخشاه قوات الأمن في عدن هو “يوم الجمعة”, فالمصلون بعد انتهاء صلاة الظهيرة يخرجون إلى الشارع بأعداد كبيرة من أنحاء متفرقة، ومن معظم مساجد مديريات محافظة عدن. وهو الذي إن لم هناك تقدير من الأجهزة الأمنية في عدن ربما يسقط المدينة في أيدي المتظاهرين بشكل دراماتيكي وسريع, لذلك يشهد يوم الجمعة أن تنتشر قوات الأمن والجيش بمعداتها العسكرية الخفيفة والمتوسطة بكثافة في محاولة لردع أي تحرك يمكن أن يخرج الأمور من سيطرتها الأمنية الخانقة.
على الصعيد الجغرافي للاحتجاجات, ثمة تجمعان رئيسيان في مدينة عدن؛ الأول في مدينة المنصورة، والثاني في مدينة كريتر. هذا لا يعني بالضرورة أنه لا توجد اعتصامات وتظاهرات في مديريات أخرى, فمديريات دار سعد, خور مكسر, الشيخ عثمان, المعلا, التواهي, وعدن الصغرى تشهد أيضا عددا من الاعتصامات والتظاهرات المتقطعة بين الحين والآخر, وتكاد تكون ثابتة على مدى أيام الأسبوع.
القوى…
دون أدنى شك فإن الشباب هم من دعا إلى تلك الاعتصامات والتظاهرات, وهم الفئة الأكثر حضورا على الأرض وتفاعلاً مع الأحداث والدعوات. إلا أن الشارع العدني لا يبدو أنه تماماً يسير وفق إدارة وتحركات الشباب ذاتهم. فثمة قوى تحرك الشباب من الخلف، مع محاولات للظهور على الأرض وفي الإعلام.
الحراك الجنوبي: هو أول تلك القوى, وقد حرص منذ بداية الاعتصامات في مدينة عدن على أن يستثمر هذه “الهبّة” بين الشباب, وقد ترجم ذلك عبر حضور عدد من قادة الحراك الجنوبي إلى مدينة عدن, مثل: حسن باعوم, وقاسم عسكر جبران, وقاسم عثمان الداعري, إضافة إلى علي بن علي شكري، والدكتور عيدروس اليهري, والدكتور يحيى شائف الشعيبي, وآخرين, ولوحظ أن دعوات تم إطلاقها لنقل الاحتجاجات والتظاهرات التي يتفاعل معها المواطنون في محافظات لحج, الضالع, أبين وحضرموت، إلى مدينة عدن، في محاولة يمكن أن تفسر بأنها دعم الهبة والمحافظة على الزخم.
ومن المهم أن نذكر أن المناطق التي يمكن أن ندعوها أنها تحت سيطرة وحركة الحراك الجنوبي، هي مديريات خور مكسر، المنصورة، دار سعد، الشيخ عثمان وعدن الصغرى “البريقة”.
حزب الإصلاح (الإخوان المسلمون): فعناصر حزب الإصلاح تتحرك بشكل نشط وملحوظ, فهي, وفي تظاهرات واعتصامات مديريات كريتر، المعلا والتواهي, قادت وحركت الشارع، ودعمت تلك الهبة بشكل منظم, ففي مديرية كريتر تصاحب التظاهرات, وخصوصا تظاهرات الجمعة, سيارات يقودها أعضاء في حزب الإصلاح، هدفها الرئيسي عملية إسعاف الحالات التي قد تسقط في التظاهرة, خصوصاً عند تعرضها لقمع قوات الأمن.
كما أن أعضاء حزب الإصلاح هم الذين يمسكون بالميكرفونات التي تردد مختلف الشعارات, وهم الذين يجمعون المصلين بعد كل صلاة جمعة للنزول إلى الشارع، وقد شاهدت ذلك عن قرب في مديرية كريتر.
أما في المديريات الأخرى, كالمنصورة والشيخ عثمان ودار سعد وعدن الصغرى, فأعضاء الإصلاح لا يؤدون الدور القيادي الذي يؤديه نظراؤهم في مديريات كريتر, المعلا والتواهي.
الحزب الاشتراكي: لطالما كان الحزب الاشتراكي ذلك الحزب الشمولي الذي حكم دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (الشطر الجنوبي) طوال 12 عاما, ولطالما ظل النظام يتحدث عن أجندة وقواعد الحزب الاشتراكي التي تحرك وتحرض المواطنين هناك على “الانفصالـ” أو ما صار يسمى بـ”فك الارتباط” الذي تحلو تسميته للعديد من المناصرين للحراك الجنوبي. يعود مرة أخرى بصورة أكثر وضوحاً, وذلك من خلال التنديدات التي يصدرها باسم “منظمة الحزب الاشتراكي –عدن”، بالإضافة إلى بروز عدد من قيادات الحزب الاشتراكي التي تتحدث لوسائل الإعلام بصفتها التنظيمية. ويتزامن ذلك مع تمثيل عدد من الشباب المعتصمين، وهو لا يزال تمثيلا قد لا يمكن مقارنته بنفس حجم أعضاء حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين)، لكنه يظهر بشكل ملفت في مديرية خور مكسر التي يشاهد فيها عبارات تنسب إلى الحزب الاشتراكي بمحتواها جنباً إلى جنب مع تلك المنتشرة هناك، والتي تخص الحراك الجنوبي.
قوى هامشية: ثمة أيضاً تحرك على الأرض لقوى أخرى هامشية ليست بالكبيرة, والملفتة مثل بقية القوى المذكورة, إلا أن دور هذه القوى هو في تنامٍ. فابتداءً بحزب رأي (رابطة أبناء اليمن) وهو الحزب الذي حرك أول تظاهرة نسائية في عدن تدعو لإسقاط النظام, كان ممثلو تلك التظاهرة عدداً كبيرأ من عضوات حزب “رأي”، بالإضافة إلى بعض العضوات البارزات في الحزب الاشتراكي.
كما لا تزال القوى المستقلة والليبرالية ضعيفة التأثير. وتنشط عمليات استقطاب المعتصمين من قبل قوى أخرى لديها مشاريع وأجندة خاصة. يتحدث أحدهم وهو يقيم اعتصاما في ساحة الميدان بمديرية كريتر، أنه ترك عمله ونزل لمشاركة إخوانه الشباب في عدن التحرير, طبقا لتسميته, وعند سؤالي له عن المبلغ الذي يؤمنه هو ومن معه، تحدث عن 10.000 دولار أمريكي, نصفها جمعها من عمله السابق في صنعاء، إذ يدير شركة تعنى بعمليات الصيانة للأجهزة الطبية، والنصف الآخر يأتيه عبر تبرعات من بعض التجار من أقاربه, والذين ينحدرون من منطقة يافع المنقسمة بين محافظتي لحج وأبين, حيث يحولون له مبالغ بالريال السعودي, ومن خلالها يتمكن من دعم الشباب للاستمرار في التظاهرات المنادية بإسقاط النظام, حسب وصفه.
الخلاصة…
بوادر صراعات محلية على القيادة والسيطرة على الشارع تبدو واضحة للمراقب والمحلل لسير تلك الاعتصامات والتظاهرات. وقد بدأت فعلاً في مديرية كريتر –ساحة الميدان، عندما حدث عراك بالأيدي بين أنصار لحزب الإصلاح، وبعض الشباب المناصرين لأبجديات وتوجهات الحراك الجنوبي, وانتهى, أي العراك, بفض “الاعتصام الموحد” إلى اعتصامين, أحدهما لحزب الإصلاح يدعو فيه إلى إسقاط النظام ومحاربة الفساد, وآخر لمناصري الحراك الجنوبي الذي يرفع شعارات بحسب أبجدياته “فك الارتباط” وعودة دولة الجنوب.
وفيما يبدو أن ثمة مؤشرات تتلاقى بين توجهات الحزب الاشتراكي والحراك الجنوبي في عدن, يقوم حزب الإصلاح بتفريخ تنظيمات وحركات نشطة تتزعمها شخصيات أكثر تقبل من المجتمع, وأكثر انفتاحاً في محاولة لملمة الشارع.