علماء ضد العلم

علماء ضد العلم

نبيل قاسم
يتم تعريف العلم بأنه المعرفة التي وصلت إلى درجة عالية من اليقين، وفي بلد متقدم، يحدث أن يجتمع أحياناً علماء الفيزياء وعلماء الكيمياء وعلماء الأحياء… الخ، أي كل في مجال تخصصه. كل علم من هذه العلوم له موضوع محدد، وهناك أيضاً مناهج محددة لدراسة هذه المواضيع، وهناك قوانين تتحكم في الظواهر المدروسة. السؤال الذي يتوارد إلى الذهن الآن، ما هو موضوع علماء اليمن؟ هل هم العلماء المتخصصون بدراسة شؤون اليمن؟ وما هي مناهجهم لدراسة أحوال اليمن؟ وهل هناك قوانين علمية تتحكم بالظواهر التي يدرسونها؟ إذا لم تتوفر هذه الشروط فلسنا أمام علماء اليمن، وإذا كان موضوعهم الدين، فيجب تسميتهم علماء الدين، وإذا تدخلوا في مواضيع ليست من ضمن تخصصاتهم، كعلم السياسة وعلم الاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع، بل أيضاً تدخلهم في الحياة السياسية والحياة الاقتصادية والحياة التجارية والحياة العلمية، فإنهم سيتحولون من علماء دين إلى رجال دين، كما كانت أوروبا في العصور الوسطى، بحيث لا يمر قرار دون موافقة رجال الدين، الأدهى من ذلك أنهم يعرفون أن الكهانة غائبة في الإسلام، وليس هناك وسيط بين العبد وربه. ولأنهم لن يقبلوا بصفة رجال الدين، ولن يقبلوا بصفة فقهاء اليمن أيضاً، إذن لابد من تسميتهم بعلماء الدين الإسلامي اليمنيين، أي العلماء المتخصصين بدراسة الدين، وتحديد الدين الإسلامي، لأنهم لا يدرسون كل الأديان، وأخيراً صفة اليمنيين، حتى لا تتضرر مجتمعات أخرى من فتاواهم. أما صفة العلماء فقط فليست كافية، حتى إننا لا يمكن أن نسأل شخصاً، ما هو عملك فيجيب، أنا عالم! لابد عليه إذا كان عالماً، أن يذكر تخصصه، فيقول عالم فلك، عالم ذرة، عالم في الزراعة، وحتى داخل العلم الواحد هناك تخصصات، كأن يقال عالم فيزياء نووية، عالم في الاقتصاد الزراعي، أما عالم في كل شيء فليست موجودة الآن. لذلك أطالب بضرورة احترام عقول الناس.
أما أن يكتب وزير الإعلام فجأة مقالة شديدة اللهجة، يخاطب فيها علماء الدين ويحملهم المسؤولية على أن يجبروا الناس على طاعة الحاكم، على مذهب أبي القيِّم اللوزي! والحاكم كذلك يحملهم المسؤولية، وكأنهم عمال في السلطة التنفيذية، وهذا التخبط ناجم عن أنهم لا يملكون موضوعاً محدداً يتخصصون بدراسته. فإذا كانوا محل ثقة، فلماذا لم يسلمهم مقاليد الحكم وإدارة البلاد، خاصة وأنهم يعرفون ويتدخلون في معظم مجالات الحياة؟!
هؤلاء العلماء لا يظهرون في الحياة العامة إلا حين يكون الحاكم في أزمة، وكأنهم خبراء أزمات، وكذلك في أوقات الحروب، كأنهم خبراء حروب، لذلك من الآن فصاعداً، لابد من ذكر صفة الدين، ليصبحوا علماء الدين، ولابد من ذكر بقية الصفات، حتى لا يأتيهم الإحساس بأنهم خارقون، وذلك حسب ما تقتضيه التقاليد العلمية في جميع أنحاء العالم. وعليهم أيضاً الابتعاد عن الشبهات، ورفض الدخول في مسائل لا يفقهون فيها. والحمد لله أننا لا نملك مفاعلات نووية، وإلا ماذا سيحدث إذا اختلفوا بينهم وصوت بعضهم على ضرورة قيام الحرب النووية! لذلك لا يمنع أن تتجاور ثورة الشباب مع ثورات عديدة، حتى نصل جميعاً إلى مجتمع مدني متعدد للجميع، بمختلف الاتجاهات والمشارب، على الأقل، حتى يبقى للآخرين مساحة حرية للعمل، وكل في مجال تخصصه.