الاحتجاجات الشعبية المتنامية تؤجل بحث أفكار اميركية لنقل السلطة سلميا في اليمن

الاحتجاجات الشعبية المتنامية تؤجل بحث أفكار اميركية لنقل السلطة سلميا في اليمن

المحرر السياسي
تراوح الأزمة السياسية في اليمن في موقعها منذ الثورة الشعبية في مصر، والتي دفعت بالرئيس علي عبدالله صالح للقبول بأغلب شروط اللقاء المشترك التي كانت موضع رفض قبل عاصفة الثورات التي قادها شباب الفيس بوك، لكن السؤال الذي يفرض نفسه على الجميع الآن هو هل يعني نزول المعارضة الى الشارع أنها قد حسمت خيارها بالاعتماد على ثورة شعبية تطيح بنظام الحكم باعتبار ذلك بديلا للحل السياسي القائم على تنازلات قاسية من السلطة؟
على مدى الأسابيع الثلاثة تجاهلت المعارضة العرض الرئاسي بالعودة إلى الحوار، وعمدت، وإن متأخرا، إلى الالتحاق بالشباب والشابات الذين نزلوا إلى الشوارع والساحات مستلهمين روح شباب الثورتين التونسية والمصرية، ما يفيد بأنها باتت مقتنعة بأن هذا الخيار هو الأكثر فاعلية لإجبار النظام على تقديم تنازلات كبيرة تفضي في الأخير إلى تعبيد الطريق أمام انتخابات برلمانية وأخرى رئاسية لا يكون الرجل القابع على سدة الحكم مدة تجاوزت العقود الثلاثة طرفا فيها.
مصادر سياسية ذكرت أن القناة الأمريكية، إما عبر السفير جيرالد فايرستاين، وإما عبر المدير الإقليمي للمعهد الوطني الديمقراطي ليس كامبل، تعمل بنشاط كبير خلف الأضواء لضمان تحقق مرحلة انتقالية تؤمن تغييرا هادئا وسلسا ومتدرجا للسلطة يحول دون انهيار مباغت للدولة من شأنه إفساح المجال أمام عناصر تنظيم القاعدة للحركة بحرية على تخوم آبار تختزن أكبر احتياطي نفطي في العالم، وبحار تشكل ممراتها عصب التجارة والصناعة الدوليتين.
ووفقا للمصادر فإن تغيرا لافتا حدث في الموقف الأمريكي من الرؤية لمعالجة الأزمة السياسية، فبعد أن كانت الرؤية ترتكز على دعم عودة الطرفين إلى طاولة الحوار وفقا لاتفاق فبراير 2009 وما نتج عنه، خصوصا محضر اللجنة الرباعية الذي أغضب الرئيس صالح، بدأت دوائر سياسية ودبلوماسية في واشنطن تناقش بوضوح ما تقول إنها أفكار لانتقال سلمي ومتدرج للسلطة في اليمن، وبما يضمن تجنيب البلاد سينياريوهات الحروب الداخلية والتشرذم.
الأفكار الأميركية، حسبما قالت المصادر لـ”النداء”، ترتكز على ضرورة توفير ضمانات حقيقية تجسد التزام الرئيس بعدم الترشح مرة أخرى بعد انتهاء ولايته الحالية والأخيرة طبقا للدستور، في منتصف العام 2013، بينها الشروع في حركة تغييرات في الدولة تبعد أقارب الرئيس من المواقع القيادية في الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية، يعقبها تشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها المعارضة بكافة مكوناتها مثل الحراك الجنوبي والمتمردين الحوثيين، وتسند الحقائب السيادية فيها إلى معارضين ومستقلين.
وكان ليس كامبل أجرى اتصالات الأسبوع الماضي بمختلف الأطراف قبل أن يغادر صنعاء فور انتهائه من لقاء الرئيس صالح به. وسبق ذلك لقاءات أجراها السفير الاميركي مع سياسيين يمنيين أبرزهم محمد اليدومي القيادي البارز في الإصلاح. وبخصوص الإصلاحات الدستورية والانتخابية، وخصوصا تلك التي تستوعب مطالب الحراك الجنوبي، تتضمن الأفكار الأميركية مقترحا بتشكيل لجنة مشتركة من الحكم والمعارضة تعد لتعديلات دستورية تضمن انتقال البلاد من الدولة المركزية إلى دولة لامركزية، وتشكيل لجنة أخرى مهمتها صوغ قانون انتخابي يقوم على نظام التمثيل النسبي (القائمة النسبية) عوضا عن نظام الأغلبية النسبية (الدائرة الفردية)، ويضمن تشكيل لجنة عليا للانتخابات من الأطراف السياسية بالتساوي حتى تكون موضع ثقة الناخبين.
حزمة الأفكار هذه التي يتم نقاشها بحذر شديد في ظل التصعيد في الشارع وانعدام ثقة اللقاء المشترك بجدية السلطة، قد تنتهي إلى خزانة التاريخ في حال استمر التصعيد في الشارع الذي صار للمحتجين فيه الكلمة الحاسمة في مسار الأزمة. لكن مصدرين خاصين على الأقل أفادا “النداء” [إن الرئيس علي عبدالله صالح أظهر انفتاحا على هذه الأفكار، وعزز انفتاحه بإعلانه مرتين متتاليتين خلال الأسبوع الماضي، عن التزامه بعدم نيته الترشح لولاية رئاسية جديدة].
لكن المعارضة التي فوجئت بهذه المقترحات تجنبت الرد الفوري عليها، مفضلة طلب المزيد من الإيضاحات وتجريب خيار الشارع الذي كما يبدو من التطورات المتسارعة يمنحها المزيد من القوة لفرض رؤيتها للإصلاح الوطني على السلطة. وعلى الأرجح فإن الدبلوماسية الأميركية فوجئت بدورها من القرار الحاسم للمعارضة بالنزول إلى الشارع، وما قد يشكله هذا القرار من تعقيدات إضافية تحول دون التوافق على الحوار، وترهن مصير النظام السياسي بقوى شبابية جديدة لا يرضيها سوى رحيل الرئيس صالح من الحكم. وتخشى هذه الدوائر من بلوغ المشترك نقطة اللاعودة من الشارع الذي وفق تعبير مصدر خاص، يفرض الآن شرعيته على مختلف الأطراف وبخاصة المشترك الذي أيد ثورة الشباب ومنحها زخما كبيرا نهاية الأسبوع الماضي، لكنه لا يتحكم بمسار هذه الثورة ومداها، ما يشير إلى خروج ثورة الشارع من سيطرة الفاعلين الحزبيين خصوصا في تعز وعدن وحضرموت.
وطرأ متغير آخر السبت بانضمام الشيخ حسين الأحمر إلى قائمة المطالبين برحيل النظام، مسنودا بالتفاف قبلي كان وما يزال يثير مخاوف وقلق نخب سياسية تتطلع لدولة مدنية تنبثق عن الموجة الثورية التي تكتسح العالم العربي منذ أسابيع. ومن أجل تبديد هذه المخاوف عمد الشيخ حسين الأحمر إلى التشديد على مطلب الدولة المدنية متعهدا بعدم ترشحه هو وأي من إخوانه إلى موقع الرئاسة. وترددت النغمة ذاتها في بيانات صادرة من مشائخ بارزين في قبيلة بكيل أعلنوا انضمامهم للثورة الشعبية السلمية، مؤكدين رغبتهم في يمن جديد يتأسس على المساواة والعدالة. وأيا تكن دوافع هذا الانضمام وتفاوت مفاعيله في الساحات الثائرة شمالا وجنوبا، فإن من الثابت أنه تسبب بصدوع عميقة في جدار السلطة التي لوحت بشكل مضمر طيلة الأسابيع الماضية بورقة القبيلة بما هي قوة الردع الفعالة في مواجهة القوى المطالبة بالتغيير. ومن المثير أن إعلان الشيخ حسين الأحمر جاء بعد يومين من تسرب معلومات عن لقاء جمعه بالرئيس صالح لرأب الصدع بينهما. وحسب مصادر موثوق بها فإن اللقاء الذي حضره مشائخ آخرون في مجلس التضامن اليمني الذي يرأسه الأحمر، وسع الهوة بين الرئيس والشيخ المتمرد والمثير للجدل.
قبل أسبوعين خرجت قطاعات كبيرة من الشعب اليمني إلى الشارع، يتصدرهم شباب سئموا الرئيس مثلما سئموا الشعارات والرطانات التي يرفعها معارضوه العديدون والمتباينون، فدخلت اليمن مرحلة جديدة لم يعد القول الفصل فيها للرئيس ومعارضيه التقليديين، ما يفرض على المجتمع الدولى وأصدقاء اليمن إعادة التفكير في مقاربتهم للأزمات المتوطنة في اليمن، في انتظار تبلور مشهد سياسي جديد قد يفرض عليهم توسيع نطاق اتصالاتهم ليشمل قوى قائمة كانت مستثناة من الحوار، وأخرى فتية طالعة من رحم الثورة.