الغذامي في “الثقافة التلفزيونية”.. محاولة تقويض قلعة “المتن” بوفرة تناقضات – نبيل سبيع

الغذامي في “الثقافة التلفزيونية”.. محاولة تقويض قلعة “المتن” بوفرة تناقضات – نبيل سبيع

بإعلانه موت النقد الأدبي، يبدو الناقد السعودي عبدالله الغذامي كما لو يحاول “إضافة” مِيْتَة أخرى إلى قائمة المِيتات التي أشتُرعت بدايةً عبر “نيتشه”؛ لتتوالى، خلال القرنين الفائتين، عن طريق عديد فلاسفة ونقاد غربيين، ميتات عدة لعل أبرزها أدبيا “موت المؤلف” الذي قال به رولان بارت. وهذه الأخيرة تحديدا مثلت مدخل الغذامي إلى “إضافته”، إذ تحول بفكرة “الموت” من الميتة البارتية إلى “موت النقد الأدبي”.
ولم تأتِ “إضافة” الغذامي هذه هكذا فجأة كما قد يوحي عرض ماجد السامرائي لكتاب “نقد ثقافي أم نقد أدبي؟”، الذي شاطر الغذامي تأليفه السوري عبدالنبي اصطيف، على صفحات “الحياة”، ثالث يناير الفائت. فكتابه “النقد الثقافي – 2000” حمل إعلانا ضمنيا بموت النقد الأدبي؛ لكن مع رجحان عودة التمهيد لذلك إلى كتاب “المرأة واللغة – 1996″، ودون إغفال مجيء “التفكيكـ”، بعناية ديريدا، على القول بموت -لا النقد الأدبي فحسب وإنما- النقد عموما.
وإذا ما عد الغذامي صاحب السبق عربيا في إجلاس النقد الثقافي كـ” بديل منهجي” للنقد الأدبي، فإنه غير بعيد كثيرا عن فعل مشابه فيما يتعلق بالمتن والهامش في الثقافة العربية، عبر عمله على الإطاحة بالأول مقابل إبراز الأخير. هذا، على الأرجح، ما يسجله كتابه “الثقافة التلفزيونية – سقوط النخبة وبروز الشعبي” (المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء/ بيروت- 2004، وهو ما سنتناوله هنا.
 
 

نبيل سبيع
[email protected]

 
 
من أمية القراءة إلى أمية الفرجة
يؤكد الغذامي، في “الثقافة التلفزيونية”، أن “الصورة حتما ستكون هي العلامة الثقافية، وستكون هي مصدر الاستقبال والتأويلـ”، بعد أن كان النص المكتوب حائزاً هذا الدور. وتبعا لهذا، يرى أن النخبة الماثلة كنتاج للثقافة الكتابية سقطت، دون أن يعنى ذلك بالضرورة اختفاءها. فإذا ما كان الأدب يأتي في المعهود التقليدي “وكأنما هو الخطاب الأمثل في التعبير عن الناس وعن الأمة، غير أن الواقع الثقافي والاجتماعي اليوم يشير بوضوح إلى تغير ضخم باتجاه ما هو شعبي وما هو هامشي في السابق، ويشير في الوقت ذاته إلى انصراف خطير عن كل ما هو مؤسساتي وخاصة ما كنا نسميه بالأدبـ”.
الغذامي، إذن، لا يقول بموت النقد الأدبي فحسب، بل والأدب بمفهومه العام أيضا. وهذا الموت، الذي يبدو الغذامي كما لو يحاول التأكيد عليه بدءا من كتابه هذا، لا يقع عليه مباشرة، وإنما يمر إليه من خلال -على نحو شبيه بـ”التقعيد”- التأكيد على عديد “ميتات” تشمل، تمثيلاً لا حصراً: النص المكتوب، النخب الثقافية، الرمزية، احتكار المعرفة، الوصاية… الخ. (والحال: ما من سبق يذكر للغذامي في القول بـ”موت الأدبـ”. إذ أن الحديث عن ذلك كان قد بدأ في ستينيات القرن الفائت. وفي 1982، طرح “لسلي فيدلر”، وهو أحد المدافعين عن الأدب الشعبي والجماهيري، أنه غير آسف على أن أدب ثقافة النخبة العليا يغيب. ولم ينتظر “ألفين كرنان” مجيء الغذامي كيما يصدر كتابه “موت الأدبـ”، ترجم إلى العربية عام 2000، وهو الكتاب الذي تحدث عن حلول التلفزيون والصورة محل الكتاب المطبوع، دون أن يشير إليه كتاب الغذامي ولو بإصبع خجول).
فإذا ما كانت النخبة الثقافية والرمزية -لدى الغذامي- نتاج الثقافة الكتابية، فإن احتكار المعرفة والوصاية(وصاية الكاتب) من علاماتها. وهذا ما لا يراه في الثقافة التلفزيونية وثقافة الصورة إجمالاً، حيث كفَّت لديه النخبة الثقافية من فلاسفة، أدباء، وعلماء عن القيام بدور”قيادة الثقافة الجماهيرية” والفكر، مفسحة المجال لقيادات جديدة قد لا تكون محددة “بأشخاص وأسماء” بل قد تكون الصورة” نفسها، سيما بعد “تجاوزها”، بوصفها وسيلة، تمثيل الرسالة إلى تمثيل المرسل أيضا.
ولما كان ذلك، يرى الغذامي، تلاشت رمزية النخبة التقليدية ف”لم تعد الثقافة تقدم رموزا فريدة لا في السياسة ولا في الاجتماع ولا في الفن والفكر”. وكان أن تلاشت الرمزية “أهم معالم زمن الثقافة الكتابية” في زمن الصورة ” لتحل محلها النجومية”.
على نحو متصل، ينفي الغذامي احتكار المعرفة عن زمن الصورة، الذي سيشهد “دخول فئات عريضة إلى عالم الاستقبال الثقافي، وهي تلك الفئات التي كانت مهمشة في السابق، إما لسبب ثقافي يعود إلى عدم قدرتها على القراءة بسبب الأمية، وإما لسبب اقتصادي لعدم القدرة على شراء الكتب والجرائد. وهذا كان يحصر دوائر الثقافة حين سيطرت الكتابة، حيث انحصرت المعرفة في فئات محددة وتغيب كثيرون ممن صاروا على الهامش”؛ ذلك أن “استقبال الصورة لا يحتاج إلى إجادة القراءة، وهو في الغالب لا يحتاج إلى الكلمات أصلا”. يبني الغذامي هذا على افتراض “إمكانية” استقبال الصورة “دون حاجة إلى لغة” أو أية “سياقات ثقافية أو فكرية” تذكر، وكأنما الصورة، التي يقول بأنها أصبحت الرسالة والمرسل معا، قفزت إلى تأدية دور المرسل إليه أيضا!
ومع أن الغذامي يتحدث هنا عن انعدام الحاجة للسياقات الثقافية والفكرية في عملية استقبال الصورة، إلا أنه يتناقض وتأكيده، في عديد مواضع من الكتاب، على حضور السياقات الفكرية والتأويل الثقافي في عملية استقبال الصورة. لقد أسقط -جزافاً- الحاجة للسياقات الثقافية في عملية استقبال الصورة التي أعطاها دورا خرافيا؛ فهي: الرسالة، المرسل، والمتلقي، التي ستدخل الفئات العريضة المهمشة التي ظلت زمنا طويلا خارج الثقافة والمعرفة، إلى عالم الاستقبال الثقافي، بما معناه موت “الأمية” كما القراءة – عملية الاستقبال في الثقافة الكتابية. ضرب صارخ من التصور الخرافي لدور الصورة يحصل هنا. وهو ذات التصور الخرافي الذي يحيط به المؤلف طبيعة الصورة قبل دورها. فاستقبال الصورة -شأن القراءة- علم يفترض وجود الفئة المتعلمة وغير المتعلمة في آن، ما يؤكد على أن الأمية التي رافقت “زمن الثقافة الكتابية” لن تكف عن الوجود إلا لتظهر أو تفسح المجال لظهور أمية بديلة ترافق “زمن الصورة”. والحال أن أمية القراءة لن تؤدي سوى إلى أمية الفرجة(إن جازت التسمية).

 
لكن، حتى المشاهد يمارس وصاية على الصورة
 
ولئن بدا تناقض الغذامي واضحا بين ما يعلنه موتا للأمية في زمن الثقافة التلفزيونية واعتباره الصورة علما، فإنه لم يكف عن التناقض، عديد مرات، حين حديثه عن انتفاء الوصاية في زمن الثقافة التلفزيونية، قبل أو بعد أن يكون قد أشار إلى عمليتي (الإخراج والمونتاج) السابقتين لإطلاق الصورة. ومن الواضح أن هاتين، فضلا عن عملية الانتقاء التي تقوم بها الكاميرا، عمليتان يعتورهما مدى كبير من وصاية القائمين على صناعة الصورة تفوق -على الأغلب- درجة الوصاية التي يوقعها الكاتب عبر نصه على القارئ. بل ويسعنا القول أن القارئ غالبا ما يطبق وصاية على النص شديدة القبضة. وبالمثل: ليس المخرج وحسب من يمارس وصاية على الصورة، بل والمشاهد كذلك الذي ربما تصل وصايته على الصورة حدوداً “وحشية”. ولا أدل في هذا الخصوص من تلقي البعض لكارثة تسونامي باعتبارها عقابا إلهيا لايستوجب أدنى تعاطف تجاه ضحاياه.
ولعل حضور وصاية القائمين على صناعة الصورة، ما لم تغفله أعمال من مثل: “المتلاعبون بالعقولـ” للأميريكي هربرت شيللر أو ” التلفزيون وآليات التلاعب بالعقولـ” للفرنسي بيير بورديو، فضلا عن أعمال أخرى لفرنسيين آخرين هما، مع طول القائمة: “بول فيريليو” و”جان بودرياد”، والأخير بالمناسبة يتموضع في أحد فصول “الثقافة التلفزيونية” كعينة على “الاستقبال النقدي” -حد تعبير المؤلف- الذي لن يستقيم له الحديث عن “استقبال نقدي” أو حتى إيجابي عند أية درجة، في حين يسقط الحاجة للسياقات الثقافية والفكرية من عملية استقبال الصورة.

 
إشباع المنطق موتا وإحالة اللغة إلى التقاعد:
بحسب الغذامي، تحول الذهن البشري “من ذهنية المنطق ونحوية اللغة إلى ثقافة الصورة ونحو الصورة”. “وتأتي النحوية الجديدة (نحو الصورة) من حيث هي تغيير في قوانين صناعة الدلالة، ومن حيث هي قوانين في التأويل والفهم، تأتي على خمسة أسس، هي: 1- إلغاء السياق الذهني للحدث، 2- السرعة اللحظوية، 3- التلوين التقني، 4- تفعيل النجومية وتحويل الحدث إلى نجومية جديدة، 5– القابلية السريعة للنسيان(إلغاء الذاكرة)”. عدا أن ما قد نعده هنا، جدلا، بمثابة طرح تاسيسي لـ”النحوية الجديدة” مثخن بتناقضات عدة وقسر صارخ.
فعلى القول بالتغاء السياق والمنطق وصولا إلى إقصاء اللغة في زمن الصورة، يبني الغذامي تنظيره لـ”نحو الصورة”. وسرعان ما ينتقل إلى الحديث عن”إحداث القطيعة(في زمن الصورة) مع الماضي اللغوي من أجل تأسيس فهم جديد وتحقيق النحوية الجديدة بمنطقها المختلف”، أو أن يقول: “الصورة هي الثقافة وكل ما هو خارجها فهو خارج المجال الدلالي”!
أزيد من خط واحد يرتسم تحت كلمات وعبارات منقولة هنا عن الغذامي. على سبيل المثال: بينما يقول بانتهاء ذهنية المنطق والتغاء السياق الذهني، نجده يتحدث عن “تأسيس فهم جديد وتحقيق النحوية الجديدة بمنطقها المختلف”. وفي حين كان قال بعدم الحاجة للسياقات الثقافية والفكرية في استقبال الصورة، يتحدث في موضع آخر في الكتاب عن”المجال الدلالي” الذي تحتكره الآن الصورة و”تأسيس فهم جديد” لها! لقد تعامل الغذامي مع اللغة بوصفها مجرد كلمات و محض مكتوب لا أكثر، ليقول بانتهائها، إن لم يكن موتها، في زمن الصورة. فحد قوله، الصورة الآن “تحل محل اللغة وتزيح الكلمات عن اللعبة”!
 

موت برجي مانهاتن/ ولادة “نحو الصورة”
“يؤسس” الغذامي النحوية الجديدة على أحداث، 11 سبتمبر الإرهابية، معرِّفاً “نحو الصورة” بأنه “ما شهدناه في الحادي عشر من سبتمبر” من أحداث أسست لخطاب ثقافي جديد ومرحلة جديدة حددها بـ”مرحلة الثقافة البصرية”، معتبراً أن من أهم علاماتها كلمة(إرهاب) إذ صارت مصطلحها المركزي الذي تحولت معه الثقافة من “ثقافة المنطق إلى ثقافة الصورة “.
وتبعا لهذا، يرى أنه “جرى عزل العلاقة المنطقية التقليدية في الارتباط بين الأسباب والنتائج. وهذا ما نلاحظه على مصطلح الإرهاب، حيث لم يعد أحد اليوم يتكلم عن الأسباب الداعية للإرهابـ” وأصبحت صورة تفجير برجي نيويورك تأتي “بما إنها إرهاب لا يحتاج إلى كلام”. بعد ذلك يعطف إلى أن الإرهاب كان “صفة لأفعال وممارسات. وكان بيد المنطق القديم أن يقيم العلاقة بين هذه وتلك ويحدد الصفات والسلوكيات ويميز بين ما هو إرهاب وبين ما هو مقاومة…”. لكن، وبغض النظر عما إذا كان الغذامي لا يرى في أحداث 11 أيلول إرهاباً صارخاً بل مقاومة، يجدر القول بأن صورة انهيار البرجين جرى تلقيها بوصفها “إرهاباً لا يحتاج إلى كلام”، بناء على الضدية التي صارت الثقافة الإنسانية الحديثة تقابل بها كل ممارسة عنفيّة تطال مدنيين تحت أي مسمى كان وبدعوى أية قضية كانت، إن لم يكن انطلاقا من الضدية الصريحة التي غدت تقابل بها فكرة القتل عموما ومن أساسها(تدعم هذه المظاهرات التي اجتاحت الغرب رفضا للحرب الأخيرة في العراق).

 
هل يطيح معول النقد الثقافي بسلطة المتن؟
عطفا على بداية هذه التناولة،لا يجري الحديث هنا عن موت الأدب أو النخبة مثلاً، في إحالة إلى موت حرفي قدرما إلى نوع من التغير الذي يتحول عن قديم إلى جديد.
ولئن حاول الغذامي القول، أو إعادة القول، بـ”موت الأدبـ” فإنما مواصلة منه لقائمة “الميتات” المشار إليها قبلاً والتي لا تحيل مطلقا إلى موت حرفي. فمقولة “موت الفلسفة” الشائعة، على سبيل المثال، لا تحيل إلى اختفاء الفلسفة قدرما إلى اقتحامها عوالم وآفاق جديدة ليس أهمها ابتعادها عن بيئاتها و موضوعاتها القديمة: اقتياد ميشيل فوكو أو فيريليو -مثلاً- للشأن الفلسفي من الكلياني والأزلي إلى الجزئي واليومي، يشير إلى هذا. ونزول الفلسفة من”عليائها” الأكاديمي الذي توفره الجامعات ومختلف الصروح الأكاديمية إلى الصحيفة اليومية والفيلم السينمائي وحتى الإعلان، يقدم إشارة مماثلة. ولا يقف جاك ديريدا بمنأى عن ذلك، إذ كان، بابتكاره “التفكيكـ”، يعلن موت النقد(في حين لا يزال الغذامي يجهد نفسه في توقيع ضريح مناسب للنقد الأدبي، من أجل إفساح الطريق للنقد الثقافي، الذي يعود إليه معطيا الناقد سيادة مطلقة على النص).
فوكو، أيضا، كان يعلن موت التاريخ، وهو يطرح قراءة مغايرة له عبر تتبع تاريخ: الجنون، الجريمة، السجن، الصيدلية… الخ. قبل فوكو، كان التاريخ يُقرأ سياسيا من خلال الحروب العسكرية والأحداث الكبرى. ثم، في خمسينيات وستينيات القرن الفائت، ظهر اهتمام تاريخي جديد انصب على المجالات الاجتماعية والاقتصادية(مثالنا هنا: مجلة  “ليزنال – في الاجتماع والاقتصاد” الفرنسية، وأحد أهم مؤرخيها فيرنو بروديل).
عدا أن فوكو كان على الأرجح صاحب النقلة الأهم على صعيد تحويل الاهتمام التاريخي -كما الفلسفي- من عبوديته للمتن إلى تحرره في التعامل مع الهامش، لكن دون إغفال إفادته من جهود فرويد العظيمة التي ذهبت بالتحليل النفسي إلى مناطق المهمش النائية كالتركيز على اللاشعور.
الشاهد النصوصي المكتوب يتجاور، في “الثقافة التلفزيونية”، مع الشاهد التلفزيوني والمرجع – الصورة عموما. يبدأ الكاتب من إحالة إلى فيلم سينمائي لينتهي بإحالة إلى استطلاع صحفي، وبينهما إحالات إلى برامج تلفزيونية ومواضيع صحفية كالكاريكاتير وخلافه؛ ما قد يُعد حرصا من المؤلف على تدعيم مقولته بالتغير الثقافي “من الخطاب الأدبي إلى خطاب الصورة، ومن ثقافة النص إلى ثقافة الصورة”. فإذا ما كانت العادة الأكاديمية جرت على أن تكون مراجع أي كتاب شواهد نصوصية مكتوبة (كتب غالبا، وفي النادر مقالات) فإن الحال لم تعد كذلك منذ عقود. ولعل هذا ما جرت عليه إحالات “الثقافة التلفزيونية”.
الإحالة مثلا إلى برنامج “سوبر ستار” باعتباره مرجعاً أساسياً لكتاب نقدي، مسألة لا تحظى بقبول لدى الموائد الأكاديمية العربية المثقلة حقا بالجمود المتسلح بمانشيت “الجدية”. فبرنامج كـ” سوبر ستار” سيعد لدى النخب الثقافية العربية “تافها” وغير جدير بتناوله كأثر ثقافي. هذا ما أتى عليه الغذامي في كتابه مفرداً الفصل الثاني لـ”الثقافي والتفاهي” بعد اقتراحه مصطلح “التفاهي” للاشارة إلى حقول ثقافية ومعرفية يعنونها بـ”الثقافة الشعبية” وهي الثقافة التي أخذت موقع الأدنى والهامش مقابل احتلال الثقافة النخبوية الأعلى والمتن. وكان سبق له المجيء على ذلك في “النقد الثقافي”، إذ اقترح التعامل مع المرويات المبثوثة عن الشعراء في كتب التراث العربي ،بوصفها روافد أدبية مهمة لا تقل في الأهمية النقدية عن قصائدهم. الغذامي، بهذا، يستهدف الإطاحة بالتعالي الحاد الذي ينظر به الأدب العربي وأهله إلى ماعداه من الحقول الثقافية الأخرى. وهو تعالٍ يفهم لدى الثقافة العربية في سياق تعالي المتن على الهامش، النخبوي على الشعبي، الرسمي على اللارسمي، الأزلي على اليومي، التاريخي على الحياتي، الكلياني على الجزئي، وهكذا.
 إن وضع برنامج تلفزيوني في عداد مراجع التأليف الأكاديمي، لا يأتي جزافا من الغذامي، قدرما في سياق محاولته الدائبة الحد من درجة التغييب والإقصاء اللذين تمارسهما الثقافة العربية على الهامش لصالح المتن. وسواء كان عنوان الكتاب “الثقافة التلفزيونية”، “النقد الثقافي” أم “المرأة واللغة”، يبدو الغذامي وكأنما يكرس جهده بهذا الاتجاه. فهو في “المرأة واللغة” يقصد إلى نقد الذكورة بما هي إحدى مرادفات المتن. كما يقصد في “النقد الثقافي” إلى تقويض الشعرنة في الثقافة العربية بما هي إحدى مرادفات المتن. والشيء نفسه يحصل في “الثقافة التلفزيونية”: فإذ يتعامل مع النخبة من حيث مرادفتها المتن، والشعبي من حيث مرادفته الهامش، يبني القول بسقوط النخبة على ما استقر لديه من تراجع ضامنتها “الثقافة الكتابية”، مقابل بنائه القول ببروز الشعبي على بروز ضامنته “ثقافة الصورة”. بعبارة ثانية، لا يدخل الغذامي إلى قراءته “الثقافة التلفزيونية” من باب تتبع “سقوط النخبة وبروز الشعبي” وإنما العكس.
هكذا، يبدو الغذامي في أعماله الأخيرة مكرساً جهده عبر طرق عديد مواضيع، صوب الإطاحة بسلطة المتن المستحكمة في الثقافة العربية، في محاولة دؤوبة لإعادة الاعتبار للهامش.

*«النداء» (15) 22 يونيو 2005