اقراء في شاشة النداء:

اقراء في شاشة النداء:

محمد الشلفي:  How must died تحوَّل من مشروع تخرج طلاب اللغة الإنجليزية مدته 15 دقيقة إلى أول فيلم يمني أكشن مدته ساعة ونصف
محمد العبسي: هل الأرض كروية؟ (الثالثة والأخيرة)
صقر أبو حسن: تؤسس لكيان ثقافي في مدينة للقبيلة فيها سطوة وحضور طاغٍ
محمد الشجاع: النسق كحالة يفتقدها وطن
جلاء العبسي: قطفات من حياة فتاة مسالمة
الفيلم تحوَّل من مشروع تخرج طلاب اللغة الإنجليزية مدته 15 دقيقة إلى أول فيلم يمني أكشن مدته ساعة ونصف How must died
المحرر
 في 2008 كشفت السلطات اليمنية عما سمته “خلية إسرائيلـ”، وبغض النظر عن تفاصيل القضية، إلا أنها ستصبح في ما بعد فكرة بتفاصيل مختلفة لأول فيلم أكشن يمني باللغة الإنجليزية كما كتب صانعوه على أسطوانة الفيلم.
في أكتوبر الماضي كان بإمكان مرتادي محلات بيع الاسطوانات الحصول على فيلم “How must died ” (من يجب أن يموت)، إخراج وبطولة علام البنا، وتأليف رمزي البنا. وهذا الفيلم هو المحاولة الثانية التي لاقت بعض النجاح بعد فيلم آخر هو “the last day in America” (اليوم الأخير في أمريكا).
يقول رمزي البنا “إن استخدام اللغة الإنجليزية كلغة للفيلم كان مبررا لأن الفيلم كان مشروع تخرج لطلاب اللغة الإنجليزية في معهد المحيط في العاصمة صنعا”ء.
وبعد أن كان مشروع التخرج مقتصرا على 15 دقيقة، قرر الأخوان زيادة مدة الفيلم إلى ساعة ونصف. سبب آخر جعل الأخوين يستخدمان الإنجليزية، وهو أنهما يودان أن يفهمه أكبر من يتكلم الإنجليزية مع ترجمة إلى اللغة العربية مكتوبة. كل ذلك دون نوايا للهجرة أو العمل في مجال فني، لأن الفن لا يوفر لقمة العيش في اليمن.
يحكي الفيلم قصة منظمة تحاول تجنيد أو إرسال بعض الأشخاص للعمل كعملاء لها في اليمن. يتم تغيير أسمائهم والطلب منهم تنفيذ مهمات محددة. وتتوالى الأحداث في إطار بوليسي تنتهي بالقبض على هذه المنظمة من قبل الأمن اليمني. تبقى هوية المنظمة مجهولة حتى النهاية، ليعرف المشاهد في النهاية بطريقة غير مباشرة. يقول المؤلف رمزي البنا كانت طريقة لتشويق المشاهد.
يتحدث المخرج وصاحب البطولة علام البنا عن جهود ذاتية وبسيطة في تمويل الفيلم، فالكاميرا التي تم التصوير بها كاميرا عادية عادة ما تستخدم في تصوير حفلات الأعراس، وطاقم العمل كله من الطلبة المتطوعين في العمل. وتصل تكلفة الفيلم حتى طبعه على اسطوانات (DVD) 300 ألف ريال يمني لا غير. لكن مع ذلك تخلق مشاهدة الفيلم حالة من التساؤل حول الدافع في إقدامهم على ذلك وتوزيع 2000 نسخة في 60 محلا في صنعاء. إلا أن علام البنا يقدر عدد النسخ مع تلك التي نسخت من نسخ أصلية ب10 آلاف نسخة.
حاول علام البحث عن تمويل للفيلم، لكنه فشل، فالهيئة العامة للسينما والمسرح اشترطت أن يكون الموضوع اجتماعياً عن الزواج السياحي، وهي لا تدعم “العنف” بعد أن أحالته وزارة الثقافة إليها. كما رفضت شركات خاصة ذلك.
مع ذلك ما زال لدى الأخوين رغبة في إنتاج عمل آخر، فكلاهما يستهويه تقديم أفلام “الحركة”، وهما يعملان الآن لتقديم فيلم آخر بعد نجاح الفيلم من وجهة نظرهما، كما يحمسهما في ذلك استعداد أشخاص لدعمهما في ما يحتاجانه لتكرار التجربة، وإعجاب كثيرين بالفيلم.
لا يحتاج الفيلم لناقد فني بل لمن يتتبع حالة من التوق إلى البحث عن مكان في العالم نقدم فيه أنفسنا عن سينما لا يؤمن بها إلا القليل، فدائما ما يتوقف حديث الجهات المعنية الخاصة منها عن الإبداع كفن وصناعة في ذات الوقت.
*************
 
إجابةً على هذا السؤال أحرقتْ كتب، أُدين كتّابٌ وأُحرق مفكرون واستغرقت الإجابة عليه قروناً!
هل الأرض كروية؟ (الثالثة والأخيرة)
محمد عبده العبسي
لماذا تبنى الفاتيكان تصور بطليموس وما ترتب عليه؟
تقع الأرض، وفق تصور بطليموس، في مركز المجموعة الشمسية محاطةً ب8 مسارات دائرية: القمر، الشمس، النجوم، و5 كواكب كانت معروفة وقتها، هي: عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري، زحلـ”. إن أهم ميزة في تصور بطليموس أنه “ترك مساحة كبيرة خارج دائرة النجوم الثابتة للجنة والنار”(17). ولذلك -ولأنه الأكثر موافقةً للنصوص الدينية- تبنته الكنيسة الكاثوليكية بعد الألفية الأولى كنظرية رسمية للفاتيكان عن الكون وحركة الأجرام السماوية.
مر تصور بطليموس ب3 مراحل: في البداية كان رأياً يحتمل الصواب والخطأ. ثم أصبح، مع الوقت، مسلّمة فلكية لدى علماء الرياضيات. ثم تحول، بمصادقة الكنيسة، من مجرد تصور فلكي إلى حقيقة كاثوليكية مقدسة لا يمكن مناقشتها أو التشكيك يها. الشكل التالي يوضح، بصرياً، تصور بطليموس للمجموعة الشمسية، والذي تسبب في محنة عظيمة في ما بعد.
 
هذا الشكل أعلاه هو سبب محنة أستاذ المنوّر جاليليو جاليلي، ومن قبله كوبرنيكوس. هذا الشكل كان سبباً رئيسياً في إحراق كتب “جيوردانو برونو” وإحراقه حياً، كمهرطق، في إحدى الساحات العامة بروما، بعد اعتقال وتعذيب 8 سنوات. استناداً على هذا الشكل، ودفاعاً عنه، عُقدت المحاكم ووجهت التهم: بالجملة والتجزئة. استناداً على هذا الشكل، ومن إلهاماته أيضاً، قيل: إن الأرض مركز الكون -أما والشمس والكواكب الأخرى تدور حولها- وبالتالي فالجنة فوق الأرض ونار جهنم تحتها.
وجاء المخلص.
جاء الرجل الذي كُتب على شاهدة قبره: “هو من أوقف الشمس وحرّك الأرض”(18) تعبيراً عن الانعطافة الأهم في تاريخ العلوم الطبيعية الحديثة. يعرف معظم الناس اسم هذا الشخص: نيكولاس كوبرنيكوس (Nicholas Copernicus)، لكن قلة تعرف أنه نشر نظريته، في البداية، من دون “نشر اسمه مخافة مساءلة الكنيسة”(19).
يبدو الأمر مريعاً. إن خوف كوبرنيكوس من الاتهام بالهرطقة، جعله يجازف بنشر نظرية غيّرت التاريخ دون تذييلها باسمه ونسبتها إليها. لم يخش كوبرنيكوس أن تُنسب النظرية لغيره، وكان احتمالا وارداً، إيماناً منه بفكرة أن خلود الحقيقة ونشرها أهم من خلود الاسم ونشره.
لقد قدم كوبرنيكوس، عام 1514، “نموذجاً أبسط من نموذج بطليموس، فكرته الأساسية أن الشمس ساكنة في المركز والكواكب الأخرى تتحرك حولها بمسارات دائرية”. لكن كوبرنيكوس، مثل أرسطو، أصاب وأخطأ. كان كوبرنيكوس محقاً في سكون الشمس ودوران الأرض حولها، غير أنه، كأي عبقري، كان مخطئاً في فكرة “المسارات الدائرية”. إن النظر إلى الدائرة باعتبارها أكثر الأشكال اكتمالاً، وبالتالي قداسة، كان موافقاً لرأي الكنيسة التي قدست الدائرة، في حين أن حركة الكواكب، كما هو مؤكد اليوم علمياً، تتم بشكل إهليلجي أو بيضاوي.
من مميزات كوبرنيكوس أنه كان رجلاً شديد الحيطة والحذر. وبحسب هارت: فقد “ألقى سنة 1533، في ال60 من عمره، سلسلة من المحاضرات فِي روما، عرض فيها مبادئ نظريته دون أن يثير غضب بابا الفاتيكان. وحتى عندما أكمل الكتاب فإنه تردد في نشره خوفاً من الكنيسة، ولم يقرر نشره إلا عندما بلغ أواخر الستينيات، فلم ير النسخة الأولى من كتابه إلا يوم وفاته في 24 مايو 1543″(20). الكتاب الذي كان نقطة البدء لعلم الفلك الحديث.
أحسنت الأقدار هذه المرة. فمن حسن حظ كوبرنيكوس البولندي، مولداً وحياة، أنه كان بعيداً نوعاً ما عن سطوة رجال دين روما. ومن حسن حظه، ثانيةً، أنه توفي عام 1543. أي قبل تأسيس البابا بولس الثالث محاكم التفتيش الرومانية (الخاصة بالعلماء والمفكرين) بأقل من عام. لقد نجا كوبرنيكوس، لأسباب عدة، من محاكم التفتيش، لكن كتابه “حركات الأجرام السماوية” لم ينجُ من الحظر. فحرم وأدرجته الكنيسة ضمن قائمة الكتب المحرمة، وقالت: “إن ما فيه وساوس شيطانية مغايرة لروح الإنجيلـ”! وبحسب ستيفن هوكينج فقد أعلن الفاتيكان سنة 1616 “أن الكوبرناكية خطأ وغير صحيحة، وأمرت جاليليو بألا يدافع أو يؤيد هذه العقيدة! مرة أخرى أبداً”(21).
حسنُ حظ كوبرنيكوس هذا كان سوء حظ لجاليليو جاليلي (Galilio Galilei) المولود في إيطاليا: بلد الكنيسة. ومتى؟ بعد 11 عاماً فقط من تأسيس “محاكم التفتيش الرومانية”. المحكمة التي سيكون هو، أكثر من غيره، من أكثر زوارها ومن أكثر المتهمين وقوفاً أمام كرادلتها.
هل تدور الأرض حول الشمس أم العكس؟
تتراكم المعرفة البشرية عبر الزمن. ذلك ضروري. فهذه نظرية كوبرنيكوس، رغم نشرها عام 1514، إلا أنها لم تؤخذ جدياً إلا بعد قرن من قبل عالِمين أدرجت الكنيسة الكاثوليكية كتبهما، في ما بعد، في قائمة الكتب المحرمة أيضاً: الألماني “يوهانز كبلر” والإيطالي “جاليليو جاليلي”، باعتبارهما أول من أيّد وناصر، علناً، الكوبرنيكية.
كان جاليليو -بفضل التلسكوب المطوِّر على يديه- على قناعة تامة أن أفكاره صحيحة، وأن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس، وبالبرهانين: المادي والعقلي. فعام 1609، وباستخدام التلسكوب، اكتشف حقائق هامة ودحض عدة اعتقادات خاطئة سادت لقرون، في مقدمتها فكرة استواء القمر.
دحض جاليليو أيضاً اعتقادات أخرى خاطئة كانت سائدة في أوروبا. وجّه التلسكوب فنظر إلى الطريق اللبني في السماء “فلم يجد لا طريقاً ولا كان لبني اللون، إنما هي مجموعة هائلة من النجوم التي لا نهاية لها”. نظر إلى الكواكب ف”وجد دوائر تلف كوكب زحل، وشاهد بقعاً سوداء في الشمس. كما لاحظ أن كوكب الزهرة يمر بمراحل مختلفة يمر بها القمر”(22).
والأهم من ذلك أنه “رأى، وهو يراقب كوكب المشتري، 4 أقمار تدور حول المشتري”، وفي ذلك دليل جديد على أنه من الممكن أن تكون هناك أقمار أخرى تدور حول كواكب أخرى غير الأرض”. بعبارة أخرى: إن أقمار المشتري تثبت، بشكل قاطع، أن الأرض ليست مركز الكون. فوجود 4 أقمار تدور حول المشتري يعني “أنه ليس على جميع الكواكب السماوية الدوران حول الأرض” حسب تعبير ستيفن هوكينغ. وبالتالي فهي تؤكد، من جهة ثانية، صحة نظرية كوبرنيكوس ورأي إنكزاغورس(23).
كبلر هو الآخر لم يؤيد نظرية كوبرنيكوس فحسب، وإنما عدل بعض أخطائها ونقّحها. كان كوبرنيكوس مخطئاً، كما سلف، في وصف حركة الكواكب بالدائرية. وهذا أيضاً “رأي الكنيسة التي قدست الدائرة باعتبارها أكثر كمالاً”(24). في الحقيقة إن حركة الكواكب، بخلاف كوبرنيكوس، وكما هو مثبت اليوم، تتم بشكل إهليلجي. وهذا الرأي أو الاكتشاف يعود فضله ليوهانز كبلر (Johannes Kepler) كأول من وصف حركة الكواكب بالإهليلجية.
لقد أخطأ كوبرنيكوس “في تقدير اتساع المجموعة الشمسية كما أخطأ في تصور حركة الكواكب بوصفها دائرية أو نصف دائرية”، لكنه نجح في تحريك المياه الراكدة. كيف؟ يجيب هارت: “لقد أثار اهتماماً بالغاً وأيقظ فلكيين آخرين وحفزهم لإكمال الثورة الفلكية، خصوصاً الفلكي الدنمركي: تيخو براهه الذي استطاع أن يسجل ملاحظاته الأكثر دقة عن دورة الكواكب حول الشمس. هذه الملاحظات كانت المفتاح الذي بنى عليه كبلر تصوره الدقيق عن حركة الكواكبـ”(25). وتلك سمة أساسية في الغرب: العلم تكاملي كبلازما الدم.
النظريات العلمية بوصفها عملية تراكمية
تبلورت معظم النظريات العلمية على هذا النحو. إنها حلقة مستمرة من جهود علماء سابقين يجري استكمالها وتطويرها من علماء لاحقين. فكوبرنيكوس أكمل، وطور، ما بدأه إنكزاغورس كرأي، وأثبته علمياً بصياغته في نظرية متماسكة. تيخو براهه الفلكي الدنمركي، أكمل ما بدأه كوبرنيكوس قبله، وسجل ملاحظات هامة حول حركة الكواكب استفاد منها الذين من بعده. ثم جاء كبلر ليكمل، ويصحح، جهود العلماء السابقين، ويخرج بالتصور العلمي، شبه المكتمل، حول حركة الكواكب ووصفها بالإهليلجية.
إنها بناية من عدة طوابق. من غير الممكن بناء الطابق الثالث قبل بناء الثاني والأول. تلك هي الفكرة. وكما أكمل كبلر جهود علماء سابقين له، كانت بعض أفكاره بحاجة إلى من يكملها بعده. لقد ألحّتْ على كبلر، في نفس الفترة، أفكار كثيرة أهمها من ناحية علمية فكرته القائلة: “إن الكواكب تدور حول الشمس بتأثير قوى مغناطيسية”، وهي فكرة ثورية في زمانها، لكن كبلر لم يستطع تحديد ماهية هذه القوى المغناطيسية أو تفسير طبيعتها ومن ثم صياغتها في قانون أو نظرية.
لم يمضِ زمن طويل حتى جاء الجواب حاملاً إمضاء فيزيائي إنجليزي وليس ألمانِياً، أكمل فكرة كبلر وأثبتها علمياً وصاغها في قانون جديد. لقد فسر السير إسحاق نيوتن عام 1687، ظاهرة القوى المغناطيسية، بعمق وكلّية ومعادلات رياضية دقيقة، في كتابه فلسفة الرياضيات الطبيعية ومبادئها (Philosophiae Naturalis Principia Mathematica). الكتاب “الذي ربما يكون أهم عمل فردي أصدر في العلوم الفيزيائية” حد تعبير هوكينج. كان تفسير نيوتن: “إن الجاذبية هي التي تجعل القمر يتحرك في مدار إهليلجي حول الأرض، وهي أيضاً سبب دوران الأرض والكواكب حول الشمس في مدار إهليلجي”(26) باختصار.
نظريتان، إذن، غيرتا العالم: بإعلان كوبرنيكوس نظريته عن حركة الأجرام السماوية عام 1514، وبإعلان إسحق نيوتن نظرية الجاذبية، الأكثر دقة وصرامة، عام 1687، تغيرت نظرة الإنسان للكون، جذرياً، وتغيرت العلوم الطبيعية. الأول –وهو الذي أصاب الكنيسة بمقتل- كان كاهناً في كنيسة. بينما كان الثانِي رئيساً للجمعية الملكية البريطانية.
بين هذين الإعلانين (1514 – 1687) جرت أحداث كثيرة: اضطهاد مؤلفين وحبس فلكيين. إحراق كتب وحظر نظريات. بين هذين العامين حُرّمت الكوبرنيكية وأُدين مؤيدوها أحياء وأمواتاً. بين هذين العامين وقعت محنة جاليليو الشهيرة على 3 نسخ.
أيضاً أحرق بين هذين العامين “جيردانو برونو” في إحدى الساحات العامة بروما. كان ذلك، على وجه التحديد، يوم 17/2/1600، ولست أدري في أية ساعة. عُصبتْ عيناه ويداه، وسِيق، في ثياب مهرطق، إلى ساحة الإعدام. لقد أُحرق برونو حياً، في ال53 من عمره، بسبب فكرة أو بالأحرى رأي فلكي. وما من شيء أكثر فداحة من عقوبة الحرق بسبب فكرة أو رأي!
والآن فلنضع النقاط على الحروف:
هل الأرض كروية؟ وهل تدور الأرض حول الشمس أم العكس؟ هذان أكثر سؤالين أثير حولهما النقاش في التاريخ المسيحي على الأرجح. يعادلهما في التراث الإسلامي سؤال عقائدي -وهنا جوهر الفرق- وليس سؤالاً فلكياً أو فيزيائياً في مقدور التلسكوب أو الميكروسكوب الإجابة عليه. إن سؤال الأسئلة في الإسلام، طوال قرون، هو: هل القرآن مخلوق أم أنه كلام الله؟ وأسئلة التجسيم والصفات..
إن سؤالاً عن سؤال يفْرق: السؤال الأول، بتفرعاته، كان سبباً مباشراً في ثورة العلوم الطبيعية والنهضة الحديثة للغرب. بينما كان السؤال الثاني، بتفرعاته، سبباً مباشراً في وأد العلوم الطبيعية وذم الفلسفة والكيمياء، ونشوء وتعاظم قوة ونفوذ التيار الحنبلي والسلفي خاصة. وهذا هو موضوع المبحث التالي.
الأرض ليست كروية: نماذج من القرن ال20
هل الأرض كروية؟
كل من على ظهر الكوكب اليوم يعرفون أن الأرض كروية: المسلم والمسيحي، اليهودي والبوذي، العلماني واللاهوتي، المتعلم والأمي، الأعمى والأبكم والأصم جميعهم اليوم على قناعة كاملة أن الأرض كروية بالتأكيد. لكن بالنسبة لإنسان عاش قبل 1000 سنة، الأمر مختلف تماماً. الفكرة بحد ذاتها أعصى من أن يستوعبها العقل بسهولة. وفكرة أن تكون الأرض كرة معلقة في الفضاء، من دون أعمدة وقواعد، لما تزل مستعصية على قوانين البشر العمرانية إلى اليوم. بل إن أناساً من القرن العشرين لما يزالوا يشككون في كون الأرض كروية!
واحدة بواحدة: واحدة من الغرب، على طريقتي المفضلة، وأخرى من الشرق. واحدة من العالم المسيحي، للإنصاف، وأخرى من الإسلامي. هذان نموذجان لأشخاص، من القرن العشرين، لا يؤمنون بكروية الأرض رغم مضي أكثر من 500 عام على حسم حقيقة كروية الأرض.
نموذج من الغرب:
كان “برتراند راسلـ” يتحدث، في محاضرة عامة، كيف “أن الأرض تدور حول الشمس، وكيف أن الشمس بدورها تدور حول محور مجموعة كبيرة من النجوم المسماة مجرتنا. في نهاية المحاضرة نهضت سيدة عجوز في آخر القاعة، وقالت: “ليس ما قلته لنا سوى هراء. فالعالم في حقيقته صفيحة مسطحة مرتكزة على ظهر سلحفاة عملاقة”. ابتسم العالم ابتسامة خفيفة وسألها: “وعلى ماذا تقف السلحفاة؟”، أجابته العجوز: “أنت ذكي جدا أيها الشاب، لكنها سلاحف تتلاحق (أو تتراص) حتى تصل إلى الأسفلـ”!(27).
نموذج من الشرق:
كان مفتي الديار السعودية، طوال عقود، المرحوم الشيح عبدالعزيز بن باز، يجد صعوبة بالغة في تقبل فكرة كروية الأرض. وله فتوى شهيرة، ضمن مجموع فتاواه، تكفر من يقول بكروية الأرض، وعليه بالتالي أن “يستتاب لثلاثة أيام”. تراجع بن باز عن فتواه بعد حوارات طويلة مع الشيخ عبدالمجيد الزنداني. لكن كثيرا من التيار السلفي، شيوخاً وطلاباً، على قناعتهم الأولى بحرمة القول بكروية الأرض لتعارضها مع حديث “مكة تحت العرش” وأسباب مشابهة. بل إن فتوى أخرى تنسب لأحد أبرز مشائخ التيار السلفي في اليمن: مقبل الوادعي، تلميذ بن باز، ما تزال سارية المفعول(28).
المراجع:
17- السابق (3)، ص20.
18- السابق (8).
19- السابق (3)، ص20.
20- السابق (10)، ص100.
21- السابق (3)، ص158.
22- السابق (10)، ص58/60.
23- السابق (3)، ص19.
24- السابق (2)، ص225.
25- السابق (10)، ص100/101.
26- السابق (3)، ص21/22.
27- السابق (3)، ص13.
28- مجموع فتاوى الإمام بن باز، إلى جانب مرويات وشهادات متفرقة من شيوخ وطلاب سلفيين.
[email protected]
*******************************
 
النسق كحالة يفتقدها وطن
محمد عبده الشجاع
على أرضية مليئة بشقوق القيظ، يصعب الرتق، وقد هجرْنا الدعاء فهجرَنا المطر، إنها حسن النية البليدة، وتبجح الطالع حين لا يُشرق بأمرنا، كم نحن ضعفاء وفقراء، ومنهكون من سنوات بيض تفوت أعمارنا.
ترى ما الذي سيكون لو تجسد النظام وحكومته وغاب عنه التجريد، أي أصبح إنسانا بلحمه، أو أسدا بفكه الحديدي، أو حتى بائع قات، المهم أن يتجسد ليعيش اللحظة دون عناء، هل سوف يجترح نسقاً تفكيريا واحدا؟ لا أعتقد. فهو أول ما سيفكر به أن يكون حفار قبور، أو حفار آثار، ثم شيخاً بنصف لحية، حتى يستطيع مقاسمة الوقت حركته من أجل العبث، أو تابعاً لجهة ما، يكيل لها الدعم والمديح، ويصلح أوضاعها الداخلية والخارجية، فيما بابه مخلوع!
أستطيع الجزم وأنا أتحدث عن النسق الذي كان قد تطرق إليه قبل شهور الزميل مصطفى الجبزي في مقاله “حاجتنا لنسق تفكير”، بأن التناقض هو عدو النسق الأول، اغتراب الإنسان كقيمة وثروة، دعوات اللاحياة اليومية، الدفع بالعقول إلى جلد الذات، وملاحقة المبدعين معنويا! النسق الذي أضعناه في هذه الجغرافيا، وفقدنا الإمساك بزمامه تماما، أدى إلى تشابه القضايا، وتداخل الهموم، وتساقط الإنسان كقيمة بدونها لا يمكن أن تكون هناك حياة.
أدى أيضا إلى تداخل معايير الأحكام، فالحزب يلعب دورا أيا كانت نتيجته، وفي المقابل تفعل القبيلة. والرأسمال هو الآخر يفتت ما تبقى من أخلاقيات، والإقطاع يحول دون الوصول. الجميع ما يزالون أسرى لأعراف باتت شكلية، حتى ذلك الذي تعلم في الولايات الأمريكية أو الجامعات البريطانية، يستعيدها في حال العودة، ومن هنا فإن هذه الازدواجية تضعف كل نسق يحاول أن يتعافى هنا أو هناك، فالنسق يعني ألا تكون هناك سلطتان متسلحتان في آن واحد، ولا دولة داخل دولة، كما أن حضور النسق بشكل واضح مرتبط بالمثقف المتحرر من السفلية، والنخب ذات الرؤية الواسعة.
فقدان النسق في كل شيء، أدى بالشلليات إلى تجاذب أوساطنا وأطرافنا، وبالقبيلة إلى نهش ما تبقى من أسارير الفرح في وجوه المدنية، فتقطعت السبل داخل الجغرافيا بالكادحين، وتحجرت قلوب المترفين، واستيقظت التخمة في مفاصلهم حد الجنون.
وهنا يمكن الجزم على أنه إذا لم يصبح هناك نسق متصل بالحياة ككل، فإن البؤس سيبقى مستيقظا، والهوة سوف تستمر بالاتساع، وسيظل الموت وحده من يمتلك نسقا جادا وصارما، ووحده من يحمل مشروعا تقدميا.
عام جديد:
نستطيع مع العام الجديد التنبؤ بأن الخيبة بخير! كم نحن بحاجة إلى ما يكسر الرتابة، ويفعل الفعل عن جدارة واستحقاق، ما يقودنا إلى أبعد من الأنا، بعيدا عن ملفات السياسة، وأحداثها الشائكة.
نتحدث في السياسة نحن اليمنيين إلى درجة يكون معها البكاء، ونقتل مشاريع السعادة، إلى درجة يمكن القول معها إننا لا نعرف من أبجدية الحياة والمعرفة والعلم أي شيء. مثلما تفعل السلطة بالمواطن، يفعل المثقف بالثقافة، مشاريع منفردة، يغلب عليها هدف الأنا أكثر من تعميم المعرفة، فيما يبدو المتلقي على مشارف فرصة يعتبرها جيدة، وهي الهروب من القراءة، والارتماء بين يدي الفراغ والقات بكل حرية.
*************
مُجرد أسئلة
عهد محمد النجار
يخطر لي كلما فتحت نافذتي لأشاهد ما الذي طرأ في الحياة، أجد أن أشياء وأفكاراً وأجساداً سقطت من علو شاهق… وانكسرت بقوة..!
ثم أقول لنفسي.. لماذا لا أبدو مهتمة لكل هذا؟
ويناديني صوت من بعيد: لا تسألي من هم؟.. واهتمي فقط بأصدقائك الذين يحبون الخير.. فكل من يسقطون من النوافذ، هم الأشرار وحسب.
أقول لنفسي إننا أتينا إلى الحياة لنرحل بطرقنا.. وإن ما شاهدته من النافذة هي مجرد أشكال من صور الرحيل.. فثمة أشياء تحدث من حولنا ونتحمل نتائجها وحسب، دون أن نعرف سبب حدوثها ولا حتى مرتكبيها.. وهذه تسويات غير عادلة.
يبدو لي أنني أعيد تكرار ذاتي.. كلما عدت لطرح نفس تلك الأسئلة التي أصبحت مملة:
– هل الحياة مهمة؟
– ما الفرق بين أن تعيش هنا أو هناك؟
– ما الفرق بين السعادة والتعاسة؟
– ما الفرق بين الصبر والتأني؟
ثم ماذا بعد كل هذه الأسئلة.. فالإجابة لم تصلني بعد..؟!
أعرف أن أولئك المحكومين بالسجن.. يعرفون دائماً المدة التي يقضونها.. يحسبونها إلى أن يملوا، لكنها تنتهي في النهاية.. أما أنا لا تنتهي حيرتي وأسئلتي التي لا أعرف سبباً لطرحها.. أو من أين تندلق على رأسي..؟
كل ما أعرفه الآن.. أن هناك واقعاً أليماً يتربص بنا خلف النوافذ المغلقة.. ولكن يا ترى من سينجو منه أو سيتخطاه ويتجاوزه..؟ ومن يا ترى سيتصالح معه بخفة.. وكأنه قد اقتنع بأن الحياة ليست أكثر من مجرد امتحان يقبع خلف نافذة وحسب..؟
ديسمبر 2010
*************************

تؤسس لكيان ثقافي في مدينة للقبيلة فيها سطوة وحضور طاغٍ أسماء المصري.. المهنة لا يمكن أن تقتل الموهبة
صنعاء- صقر أبو حسن:
رغم حصولها على شهادة جامعية “ليسانس آدابـ” في الأدب الفرنسي، إلا أنها تمارس الأدب اليمني بشيء من التمكن، وتدير عملها الصحفي بوكالة الأنباء اليمنية “سبأ” بذمار، بمهارة، في مدينة ما زال للقبيلة دور مهم في رسم تفاصيل الحياة العامة وأسلوب المعيشة.
الفتاة التي تفتخر كثيراً بعضويتها في اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وحاصلة على جائزة رئيس الجمهورية للعام 2003 عن قصة “قراصنة الظلام”، وفوزها بالمركز الخامس بجائزة الشارقة للإبداع العربي في دورتها ال11، تحاول من خلال نادي كتاب القصة -فرع ذمار (100 كم إلى الجنوب من العاصمة صنعاء) الذي ترأسه إلى “إبراز الصوت الأنثوي المفقود”. تلك هي القاصة اليمنية أسماء صلاح أحمد المصري.
تقول مصنفةً الكتابة النسوية من جيل المعاصرات في اليمن، بـ”ربما خوض تجارب جديدة وموضوعات حساسة كانت من قبل حكراً على فئة معينة من الكتاب الذين يتناولون قضايا الواقع والمرأة و الطفولة، بل تعدى ذلك إلى (…)”.
وتزيد: بدأت القاصة “اليمنية” بتأسيس مدارس ومناهج حديثة في كتابة القصة المعاصرة، وقلَّ من يجيد ذلك، وبات مما لا يدع مجالاً للشك أن القصة القصيرة والسرد عموماً يمر الآن بأبهى مراحل ازدهاره وتطوره. مراهنةً أن مدينتها “ذمار توشك أن تتوج عاصمة للسرد اليمني”، مستطردة: أجد أن الكاتبة اليمنية بدأت بالخروج من قوقعة العرف والفكر الجامد، وبدأت تبحث عن نوافذ لنشر إبداعاتها وتحرص على الظهور والمشاركة، بل وذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك.. إلى البحث عن أساليب جديدة في طرح إبداعاتها والتفرد بشخصيتها كقاصة.
“رغم ذلك ما زلت أتلمس من خلال قراءتي لمختارات من نتاج قصصي متنوع لكاتبات يمنيات، أن الصبغة الأنثوية تغلف أعمالهن” قالت، وتابعت حديثها إلى محرر “النداء”: الكاتب والكاتبة عموماً ليس مضطراً للتحيّز لجنس معين من خلال أفكاره التي يقدمها، لأن هذا في نظري قصور واضح في إمكانات ومواهب الكاتب الإبداعية، أو أنه يعاني من مشكلة ما.
*************
قطفات من حياة فتاة مسالمة
جلاء العبسي
في أحد الأزمان كانت توجد مدينة كبيرة، وكان من سكان هذه المدينة من هو الطيب ومن هو اللئيم، وقد كان من سكانها فتاة جميلة الشكل وطيبة القلب وجذابة المنظر تدعى حلا، وكذلك ولد اسمه إيليا، وقد كان لئيم القلب ومكاراً، ولكنه لا يظهر، وقد كان يظهر أنه أطيب البشرية، فحاول التسلسل إلى قلب الفتاة، ولكنه وصل وحاول إقناعها أنه أطيب شخص، وأنه لن يتركها مهما يكن الثمن، ولكنه غدر بها وتركها، ولم يكتفِ بهذا فقط، بل فشى بأسرارها وسمح للناس أن تسلسل حكايتها وتتسلى. وليس هكذا فقط، بل حاول التقرب لصديقتها، ومر عليها بنفس اللعبة، ولكن حلا قد كانت حذرت صديقتها منه، ولكنها لم تثق بكلامها حتى وقعت ضحية.
وقد كانت الفتاتان تتساءلان هل هما يستحقان كل هذا؟ فوجدتا الإجابة نعم، لأنهما وثقتا بكلامه.
أما حلا فهي التي كانت صنعت من إيليا ولداً الكل يحترمه ويحبه، وحينما عمل كل هذا ظل أصدقاؤه وكل من حوله يحتقره.
ولكن حلا كانت سعيدة الحظ، ووجدت من يحبها حبا حقيقياً، وهي تحبه.
وقد وجدت حلا عائلة من تحبه، فكانت تحبهم وهم كذلك. وقد كانن لديه أم فكانت بمقام أم لها، وكان لديه أخ بمقام الأخ الكبير لحلا، وقد عاشوا قصة جميلة مملوءة بالسعادة.
وقد كان لحلا وإيليا صديق عزيز على قلبيهما، وكان وعده لهما أنه لن يتركهما، ولكنه تركهما بسبب أصدقائه الجدد، وقد كانوا حينما يذكرون صديقهم يحزنون.