اقراء في شاشة النداء:

اقراء في شاشة النداء:

محمد الشلفي: تريم اليتيمة
الشهابي.. لستُ وحدي
محمد الشجاع: موسم الرمان.. وأحلام لا تنقطع
أقر مجلس الوزراء ملياراً و50 مليوناً لتريم عاصمة الثقافة الإسلامية وخفضتها المالية إلى النصف
تريم اليتيمة
محمد الشلفي
يذكر عن تريم قديما أنها تنبت الصالحين كما تنبت الأرض البقل، وبأنه اجتمع بها في عصر واحد من العلماء الذين بلغوا رتبة الإفتاء 300 رجل، وأن بتربتها ممن شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم من الصحابة 70 نفرا. واليوم في أيام اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية، سيكون الأمر مختلفا لشمس الشموس أبو بكر بن عبدالله باعلوي الذي قال عنها ذلك.
بداية العام الحالي، واتت تريم فرصة لإعادة التعريف بالدور التنويري لهذه المدينة، فقد تم إعلانها من قبل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) كعاصمة للثقافة الإسلامية للعام 2010. لكن الحاضر طغى على الماضي بشدة. فلم ينشغل “الجميع” كمسؤولين عن تريم عاصمة للثقافة الإسلامية بتريم، بل نُسيت في غمرة انشغالات شخصية.
لم يشفع برنامجها الثقافي المتأثر ببرنامج القيروان عاصمة للثقافة الإسلامية، تصل أحيانا إلى درجة النسخ للفعاليات، فالبرنامج يخلو من فعالية واحدة عن الصوفية في تريم، وهي التي عُرفت بها. كما قامت وزارة الثقافة بالمشاركة مع جهات حكومية، كما يذكر البرنامج، بالاستحواذ على رعاية الفعاليات، ولم يتم إشراك منظمات المجتمع المدني الأهلية. أما في ما تبقى يغيب العمق في الموضوعات التي تتناول تريم ماضيا وحاضرا. يتلخص البرنامج الأكثر هشاشة، والذي يصل عدد فعاليات إلى 111 فعالية، ب20 فعالية عنوانها تكريم لأحد الأعلام اليمنيين، 6 معارض للفن التشكيلي، واحد منهم صور فوتوغرافية عن تراث تريم، و7 من المؤتمرات الدولية حول الفكر والفلسفة. لكن هذه الفعاليات التي ميزت البرنامج لم تقم، كما لم تقم فعاليات مهرجان باكثير، ولا القوافل التي يفترض أن تأتي من المحافظات. ويتوزع باقي البرنامج بين محاضرات دينية وأمسيات شعرية لا تتعدى عدد الأصابع، ومهرجانات إنشاد مُنع أحدها من الإقامة.
حفلت فعالية تريم بكثير من المشاكل أكثر مما حفلت به من فعاليات ثقافية، بين السلطة المحلية والمكتب التنفيذي لتريم عاصمة الثقافة الإسلامية، ثم مع صندوق إعمار محافظتي حضرموت والمهرة الذي اعتمد له ميزانية مليار بحكم إعلان تريم عاصمة للثقافة، ومهمته تعزيز البنية التحتية الثقافية لتريم، والمجلس المحلي. ومؤخرا قدَّم مدير المكتب التنفيذي لتريم عاصمة الثقافة الإسلامية استقالته. وهنا لن تنتهي مآسي تريم. فيبدو كل شيء غير لائق بها.
********************
الشهابي.. لستُ وحدي
مؤخرا قدم معاذ الشهابي، مدير المكتب التنفيذي لتريم عاصمة الثقافة الإسلامية، استقالته، بسبب تخفيض الميزانية، كما نقل عنه. لكن في حوارنا معه يذكر أسبابا أخرى لاستقالته، ويحمل جهات كثيرة مسؤولية أدت إلى فشل تريم عاصمة الثقافة الإسلامية. وهذه مقتطفات من الحوار:
* ما سبب استقالتك الأخيرة من منصب المدير التنفيذي لتريم عاصمة الثقافة الإسلامية؟
– وصلت إلى قناعة أنه ليس عليّ أن أتحمل وزر فشل تريم، وليس علي أن أتحمل تبعات الفشل وحدي.
* ألم تأتِ هذه الاستقالة متأخرة؟
– في البداية كنت أعتقد أن عليّ أن أقف أمام كل من يحاول إفشال الفعالية حتى لا يتمادوا ويفعلوا أكثر من ذلك.
* البعض اتهمك بأنك استحوذت على الفعالية وافتقدت العمل الجماعي؟
– كيف يمكن ذلك.. يصل قوام المكتب التنفيذي 120 إدارياً، أغلبهم من أبناء حضرموت، 117 رؤساء وأعضاء لجان، وأنا مدير تنفيذي للفعالية مدير عام لمكتب الثقافة، وإلى جانبي مجموعة بالتنسيق مع السلطة المحلية. الفعالية مركزية بمعنى أن هناك وزارات وجهات عليا تشرف عليها مباشرة، وبالتالي لست أنا من أتحكم بالمبالغ، ولا أستطيع تجاوز تلك الجهات. وللعلم فهناك وحدة مستقلة من وزارة المالية برئاسة وكيل وزارة المالية محمود زعيتري، وتتكون من أمين صندوق، ومندوب مشتريات، وحسابات إلخ. وكمدير تنفيذي كنت أتعامل معهم.
* ما الذي حدث إذن؟
– بداية، تم الإعلان عن رصد مليار و50 مليوناً لتريم عاصمة الثقافة الإسلامية، وهكذا كتبت وسائل الإعلام، لكن تم تبليغي أن المبلغ الحقيقي هو نصف مليار، وعلينا أن نتصرف على هذه الأساس. الغريب أن من أقر الميزانية الأولى هو مجلس الوزراء، لكن المالية خفضته إلى النصف، وأيضا يتم تسليمنا المبالغ بالتقسيط وبعد معاملات طويلة، اتفقنا مع وزارة التعليم العالي بتبني ودعم الندوات العلمية، وعلى أساس ذلك لم يتم اعتماد ميزانية لتلك الندوات، وزارة السياحة وعدت ببناء قرية سياحية، لكن لم تفِ هذه الوزارات بما وعدت. كما تم الاتفاق مع الإدارة المحلية في المحافظات لتسيير قوافل خاصة من المحافظات إلى تريم. واعتذر الجميع عدا أمانة العاصمة وأبين، ولدي رسائل الاعتذار.
* ما الذي يجعل الدول العربية ودول كماليزيا وتركيا تعتذر على الحضور بعد أن وافقت؟
– وجهنا دعوات سواء لدول عربية وبعض الدول الأخرى كتركيا، والجميع وافقوا مبدئيا. لكنهم رفضوا في ما بعد. اعتذار ماليزيا بسبب الجانب الأمني، والظروف السياسية في البلد.
* ألم تكن تعرف ماليزيا ذلك عند الموافقة مبدئيا؟
– جاءنا الاعتذار. إندونيسيا اعتذرت، لكني ذهبت إلى السفير الإندونيسي وأقنعته بأن يريم هي التي أوصلت الإسلام على ماليزيا، وقدمت له عروض التكفل بسفر الوفد، وإقامته.. فقبل وتم إقامتها، الأتراك ربما في نوفمبر.
* ماذا عن التعارض الذي حدث بينك وبين السلطة المحلية في تريم؟
– الإشكالات بدأت مع السلطة المحلية (عمير مبارك عمير) من يوم التدشين، وبدأت بعرقلة نشاطاتنا وتحريض الناس على عدم التعامل معنا. جاءت توجيهات لنقل الفعاليات إلى المحافظات، وقمنا بنقل بعضها، قلنا لهم سنجعل أبناء حضرموت يديرون الفعالية، لكن دون جدوى. فعلى سبيل المثال تم إفشال مهرجان ليالي العيد، ومنعوا إقامة الفعاليات بتوجيهات للسلطة المحلية في تريم، بمنع المهرجان. وكان كثير من الشخصيات المعروفة موجودة.
* تُصور السلطة المحلية وكأنها فوق القانون..
– قمنا بتقديم شكاوى إلى اللجنة العليا لتريم، ولرئاسة الوزراء، ولمكتب الرئاسة، ولوزارة الثقافة، ولكل الجهات المعنية، بأن هناك مضايقات من السلطة المحلية، لكن دون فائدة. بعد الشكوى لم يرد أحد على شكاوانا، وكأن الأمر يخص معاذ الشهابي، وعليّ أن أدافع عنه وحدي. أعداء مدينة تريم كثر. البعض كان يريد أن يجلس في البيت ويأخذ راتباً. وهناك جهات معادية للتوجه الديني الوسطي تتربص لإفشال فعاليات تريم، وهو عداء قديم تعرفه الدولة ويعرف ذلك أبناء تريم. لكن الدولة لا تفعل شيئا.
**********************
 
كانت مهمته الإجبارية في الحرب العالمية الثانية، طلاء الطائرات
الفنان “بول كولي” في مرسم كون
“بول كولي، فنان ألماني عاش بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وكان ولا زال من أهم الشخصيات الألمانية، كموسيقي وباحث عظيم، وفنان تشكيلي عبقري، كثيراً ما تأثر بالنباتات، وقال بأنه يمكن من خلال أعماله إيجاد رسوم وأشكال هندسية عديدة، أو هكذا تصور، وبدأ يرسم عن مخيلته وواقعه مئات اللوحات”.
وأكد مدير البيت الألماني للتعاون والثقافة غيدو تسبيتش، في محاضرة قدم فيها جزءاً من حياة الفنان الألماني في الفعالية التي أقيمت في مركز كون، أن الحرب العالمية الأولى نقطة تحول في حياة الفنانين الألمان، حيث جرتهم إلى الحرب والموت، تحت الضغط، ولم يكن أمامهم سوى المشاركة فيها، وقد كان للحرب العالمية في ألمانيا خصوصية، حيث تأثر الكثير بهذه الحرب، فانعكست على تعبيراتهم، التي اعتبرت حينها أنها سوداوية، في ظل انهيار التعبيرات الداخلية من جراء الحرب.
مهنة طلاء الطائرات
وفي حديثه يقول غيدو إن الباحثين يصنفون بول كولي على أنه شخصية عالمية أثرت في مجمل حركات الفن، وللعلم فقد كانت مهمته الإجبارية في الحرب العالمية الثانية، هي العمل في طلاء الطائرات.
كان كأي فنان حريصاً على السفر، وقد كانت أول وجهته الجنوب الألماني، ثم إيطاليا، ومن ثم الجهة المقابلة من الأبيض المتوسط، حيث نزل في تونس، وهذا يعتبر نوعاً من الاستشراق، الذي كان يقوم به الكثير لاكتشاف الشرق، وقد أبدى إعجابه بهذه البلاد، ووصفها بقوله: 17 يوم في تونس غيرت نظرتي إلى اللون النقي، والضوء الواضح، معتبراً أن السماء والبحر والطبيعة مختلفة هناك.
وكما أشار غيدو، فقد تأثر بول كثيراً بالمنمنمات الصغيرة، وخاصة تلك التي ينسجها العرب والمسلمون على السجاد، وكان معجباً بها أيضاً.
وتنقل بين المدارس الفنية التشكيلية، من التعبيرية إلى السريالية إلى التكعيبية، وأخذ نفساً طويلاً من الحرية، وسرعان ما تلحظ هذا التنقل لمجرد تتبع لوحاته ورسوماته.
خروج عن المألوف
الفنانة آمنة النصيري، رئيسة مؤسسة كون، تحدثت في الفعالية عن الفهم القاصر للحرية التي تمتع بها بول، والتي اتبعها الكثير من الفنانين في العصر الحاضر، وتلحظ هذا القصور لدى الكثير من المجتمعات خاصة العربية، وهو ما يعتبرونه خروجاً عن المألوف. ثم تضيف أن أي فن لا يقوم على التحرر والحرية، لا يمكن أن يصبح فناً، وحتى يكون فنا لابد أن ينطلق من الحرية.
تضيف الفنانة آمنة، أن بول كولي، كان كروح طائرة، يتحرك في كل الاتجاهات، في مرحلة كان قد قرر الفنانون فيها التأسيس لفنون جديدة، والتحرر من بعض القيود، ولأن الرجل كان موسيقياً أيضاً، فإنك تجد ذلك منعكساً على لوحاته، وللموسيقى أهمية كبيرة في لوحات الفنان عموماً.
وتقول: إن الفن أصبح هنا رؤية فلسفية، وليس نقلاً حرفياً من الواقع، لذا فقد عمد الفنان بول في العديد من لوحاته، إلى استلهام الطبيعة أو الواقع، ولكن على طريقته، تاركاً لمخيلته وألوانه التغيير في خلق طبيعة مختلفة غير رتيبة أو مألوفة.
وقد ولد بول كولي في 18 ديسمبر سنة 1879 في قرية “مونشن -بوخسي” القريبة من برن، لأم سويسرية تدعى إيدا فريك، وأب ألماني اسمه هانز كولي، وكانت له أخت واحدة أكبر منه ب3 سنوات. والده الألماني الجنسية، لم يطلب في يوم من الأيام الجنسية السويسرية. ورغم ذلك عاد الفنان فارا من ألمانيا إلى مسقط رأسه (برن) ليعيش فيها كأجنبي. وقد سجلته السلطات السويسرية كألماني تبعا لجنسية والده، التي لازمته حتى وفاته. وتوفي الفنان التشكيلي بول كولي قبل أن يحصل على الجنسية السويسرية. ويتم الاحتفاء به سنوياً في سويسرا وألمانيا.
******************
 
في الشأن الثقافي
موسم الرمان.. وأحلام لا تنقطع
محمد الشجاع
الشاعر يحلم بقصيدة، ويحلم أيضا أن يأتي موسم الرمان، وهو قادر على شراء حباته كل أسبوع.
الشاعر يخاف الحرب، لذا من حقه أن يخشى موسم الرمان الصعداوي بامتياز، بقدر فرحته بالقدوم.
إنه وبقدر ما أكره السياسة، بالقدر نفسه هناك أحداث يومية، تشدني للتشدق بها، كالتي سأعرج عليها الآن، وكلها من بنات أفكار الرمان، هذه الفاكهة اللذيذة الجميلة.
على مشارف نهاية الصيف، ومع بداية فصل الشتاء، تحمل الكثير من الفواكه أحلامها إلى الفقراء، الذين لا يصلون إليها إلا قليلا، فيما آخرون لا يصلون بتاتا، لتبقى “الأحلام” ذاتها، هي الفاكهة التي لا تنقطع.
تقول أستاذة الفلسفة فوزية شمسان، تعودتْ صديقتها أروى عبده عثمان، أن تحييها بحسب فاكهة الموسم، مثلاً مساء البرتقال، صباح التين، مساء الرمان، تقول ولأنني بعيدة عن مكان زراعة الفاكهة، فقد أصبحتُ أتعرّف على مواسم الفاكهة من خلال تحيات أروى، وما تحمله عربات الباعة المتجولين في الشوارع والأزقة.
إذن، بين الدكتورة فوزية، والأستاذة أروى، ومواسم الفاكهة.. ربيع من الفلسفة، وموسم من المشاقر والحكايات الشعبية، وتحيات الصباح والمساء البرتقالية.
أما الحركة الأدبية الثقافية، فهي الفاكهة الغائبة، التي ليس لها موسم، وتظل في خانة موسم الأحلام، فالنقاد كل في وادٍ، والشعراء غارقون في البحور، وما زالوا يتقاسمون كعكة التصنيف الأدبي، وبفرحٍ لا يليق، مما يؤجج القطيعة الضحلة، بين السبعينيين والتسعينيين والألفينيين.
وهذا الغياب هو مسلسل يجري منذ عقود ليس لها أية أهمية في هذه البلاد، سوى أنها جزء من فلسفة تاريخ، يسير ضمن عالم يكره الرتابة أكثر من الموت، ويكره الغباء أكثر من تعلقنا بالخنوع.
كما العصافير في الأيام الأولى من الولادة، نظل فاغرين أفواهنا، كمجتمع ومثقفين، وربما شعراء، ومشائخ فقه وقبيلة، لكل ما هو قادم من هناك، المحزن والمقزز أن ما يصلنا تقليدي ومتخلف، خاصة على مستوى الفكر الديني، والمؤلم أنه متجاوز الصلاحية عندهم، أو بمعنى آخر “بايت”، آه كم نحن كرماء، وأرق قلوبا وألين وأفئدة، وأصحاب حكمة وإيمان، وألو بأس غير شديد.
كثيرا ما ينتابني التساؤل، حول الحالة التي يمر بها مبدعو هذا البلد، وفي كل مرة أحاول فيها إصدار الأحكام، إما على الذات المجلودة، أو الهيكلة التي تدير رحى هذه البقعة، حتى أتراجع لمجرد رؤية خريج جامعي أو شاعر أو قاص، يلف على الدواوين الحكومية، للبحث عن عمل، أو ليبع 10 نسخ تشجيعية من مؤلفه، الذي يتم رفضه، لأنه لا يحمل ما يخص الولاء الوطني، وحينها أكتفي بإطلاق نهدة حارة حانية، وأقول:
“سنصيرُ شعباً، إن أردنا، حين نعلم أننا لسنا ملائكةً، وأنَّ الشرَّ ليس من اختصاص الآخرين. سنصير شعباً حين لا نتلو صلاة الشكر للوطن المقدَّس، كلما وجد الفقيرُ عشاءَهُ… سنصير شعباً حين نشتم حاجبَ السلطان والسلطان دون محاكمةْ! سنصير شعبا حين يكتب شاعرٌ وصفاً إباحيا لبطن الراقصةْ. سنصير شعباً حين ننسى ما تقولُ لنا القبيلة…، حين يُعْلي الفرد من شأن التفاصيل الصغيرةْ. سنصير شعباً إن أردنا، حين يؤذن للمغنِّي أن يرتِّل آية من سورة “الرحمن” في حفل الزواج المُخْتَلطْ. سنصير شعباً حين نحترم الصواب، وحين نحترم الغَلَطْ!” (محمود درويش؛ “أثر الفراشة”).
قد تستمر الأحزان، لكن ستبقى فاكهة الرمان لذيذة وحمراء بلا شبيه، وستظل الحرب سوداء لها أكثر من شبيه، وسينضب النفط هنا وهناك، ولن يبقى سوى الشعر، وربيع الفلسفة، والمشاقر، وموسم الرمان
[email protected].