ماذا لو بكت الرجال؟! – أروى عثمان

ماذا لو بكت الرجال؟! – أروى عثمان

 

* إلى اللحظة الإنسانية المتجلية: فؤاد السنيورة

تنويه واعتذار:
حدث خطأ فني غير مقصود، العدد الماضي، في مادة الزميلة القديرة اروى عثمان، حيث سقطت بعض العبارات.
وقد لزم الاعتذار للكاتبة والقراء.. ونعيد هنا نشر المادة مرة أخرى.

ماذا لو فكر الرجال بشكل جدي، وأطلقوا إنسانيتهم لتمارس وجودا طبيعياً، تتنفس، وتتكلم بصوت مسموع؟!
ماذا لو تخلى الرجال عن سلطتهم ليوم واحد، أربع وعشرين ساعة فقط، فيتحررون من تراث متاريس الذكورة، وعناقيد وميليشيات الفحولة و الرجولة واشتقاقاتهما وصواريخهما من: خيبر 3،2،1، حتى لو أطلقت على بعد، بعد (تنكا بلاد النامس)، عن مدافع الكرامة، وبوازيك الصمود، وكاتيوشا الردع، وسكود الشهامة، وسيوف الجهاد، وراجمات صواريخ الشرف، وحروب الأمة، وبوارج السيادة الوطنية، ومفاهيم كثيرة، وكبيرة؟!
أن تتخلوا أيها الرجال ولو مرة واحدة عن تركة استفحل ثقلها ألف عام، ألفين، مليون عام، وتطلقوا العنان لإنسانيتكم، وتبكون، وتبكون، وتبكون، تطعمون ملوحة الدموع في ذهنياتكم، قبل ألسنتكم، وتنهمر مآقيكم لتكنس رجولة الإنسان العربي التي لا تُعرّف إلا بعتاد ثكنات الحرب، والدم، والأشلاء، والجثث، والذئبنة، والأسدنة، والقطرنة، والضبعنة، والمحارب / الصامد الذي لا يقهر… الخ.
لقد أعطتكم الثقافة والتاريخ والحضارة والدين والملاحم والسير الشعبية، البطولة، وجعلتكم رجالاً هُماماً، لا يطرف لكم جفن، تنحرون، وتحرقون العالم، تشربون وتقذفون الدم، وتنتفون اللحم من الجثث نيئاً ومحروقاً، وتسيرون، في جسور من جثث، وجماجم، وأشلاء، وأغلب الأحيان أحياء.. هذا الموت المجاني العابث، المجنون لأجل مفاهيم كانت لها وظيفتها في سالف الأزمان، وكان ياماكان.

آلهة الحكايات
منذ أن انقلبتم ذلك الانقلاب الدامي، واستوليتم على آلهة الأنثى المعشوشبة بالحب والأمومة والحكايات، قلبتم موازين الطبيعة رأساً على عقب، وصنعتم آلهة من ذكور لا تعرف إلا لغة الكراسي، والسواطير، والمارشات. سطرتم ملحمة قابيل وهابيل، التي تجددون أدوارها يوما بعد يوم، تدمرون بها الكون، وتحرقونه، حتى وصلتم إلى الأوزان، فثقبتموه، بما في ذلك السماء والأفلاك، والقمر مفجوع، متيبس، يئن من وطأة قدمكم، وكأن شهوة الدم سبقت وجودكم، بل وكأنكم كائنات صنعتكم مصانع بيولوجية، ولستم بشراً.
فما رأيكم بخلع هذا التاريخ الذي تفاخرون به ليس بكم الحياة الإنسانية، ومساحة الأخضر فيه، بل بكم الأشلاء، وأنهار الدماء، بمساحة الدمار والخراب، ثم تبتسمون مصدقين أنكم انتصرتم، وصنعتم الثورات، والثورات المضادة، وجددتم مساراتها، وأبجدياتها، وواحدياتها، ونسيتم في لجة الانتشاء والتجشؤ أن ثوراتكم ماهي إلا مسارب/ ميازيب تخر مياها إلا على من حطبها واحتطبها.

رجولة مجانية
يوم واحد أيها الأشاوس/ الأفذاذ، يا ظلال الله على الأرض، يا أحزاب الله – إن لم تعلوه درجة، ففي أضعف تواضعكم، تتساون معه – يوم واحد تتحررون من عباءة هذا التاريخ الذكوري/ المتعالي، وتحتفلون بعيد البكاء، وتجهشون فيه. والبكاء بكل بساطة ليس علم، ولا به معادلات كيميائية، كل ما يحتاجه الرجل في هذه اللحظة أن يتأنسن فقط. والأنسنة لا تعرف مصطلحات من: مقدسات، ومكدسات، ومقدرات الذكورة الفائضة/ المجانية/ المجنونة التي نشفت ريق الحياة.
نحن النساء سنشارككم هذا الاحتفال.. سنهديكم دموعنا ليوم واحد. سنهديكم (ضعفنا) لأربع وعشرين ساعة. سنهديكم ثرثراتنا عند عتبات أبواب بيوتنا، وأحواشنا ليوم واحد. سنهديكم أغاني الحب والقمر التي “نهجلـ” بها عند الأصيل، وعند مناجاتنا لعين الشمس. سنهديكم لوعتنا لغياب حبيب، ونهداتنا لفراق جار. سنهديكم، “مشاقرنا” وهدهداتنا لأطفالنا قبل النوم. سنهديكم حكايانا، وخرافاتنا، وهمومنا الصغيرة، وأصابع تلثم الجبين. سنهديكم خفقاتنا، وحتى إخفاقاتنا، مسامرتنا، أنسنا، وحتى سهادنا. سنهديكم إنسانيتنا التي غابت عن سمائكم مليون عام متحجر.

أنسنة الكواسر؟
لو بكت الرجال، وتخلت ليوم واحد عن تاريخ المليون فروسية، للخيل والليل والبيداء، وجلاميد الصخور التي تحط من عل، دون النظر إلى الكائنات في الأسفل (الأرض)، لعبقريات الكواسر والجوارح، لنياشين ثارات الكرامة والرجولة والشرف، ستتأنسنون، وستأنسون العالم من حولكم، سيخضر الكون، وسيرقص القمر، ستنتعش المخدات، ستزهر الحكايات، وستتحول الأسرة إلى حدائق أقحوان.

لعبة الإشتياق
لقد اشتقنا منذ مليون عام لأن نلعب معاً لعبة: غاب القمر ولا عادوووووووو!؟!
مشتاقون لأن تتنسم عقولنا وأجسادنا عطور النرجس، وتزهر أرواحنا بتباشير المستقبل.. مشتاقون لأحضان تقطر حباً، وشجناً غاب عنا منذ أبد الآبدين، مشتاقون، لأغنية، لرقصة مشرعة للشمس، لضحكة تهتز لها قامات الأشجار، تذوب جليد مليون سنة من:عبقريات، وبطولات، وأمجاد، وأساطير “البحر من أمامكم والعدو من خلفكم”، وأعاصير “بالروح بالدم نفديك يا…” و”ورؤوس يانعة حان قطافها “.. مشتاقون لنضحك، ونضحك على تاريخ هزلي،عمره مليون عام، نستخف به، ونلعنه، ونكفر به، وبمن خلق لنا أساطير الوهم، و”شوربانيات” المٌلك، وانتصارات خيوطها كذب مهترئة،.. نضحك حتى تغرورق أعيننا بالدموع. لحظتئذٍ، سنأخذ نفساً وتنهيدة، ونقول: ياااااااااالله ما أجمل أن يكون الإنسان خفيفياً، كريشة محرر من التاريخ وأصفاده، متحرر من كل الأساطير بكل مجدها، ولذتها، وعنفوانها.
عندما نضحك، وتتصاعد قهقهاتنا إلى مشارف السماء السابعة، عندها لن نخاف من ” رفة العين ” التي تعقب ضحكاتنا وقهقهاتنا، ونتهجد في أساريرنا بتعويذات الرعب ” خير اللهم أجعله خير “.
فمتى ستدعوننا إلى حفلة “عيد بكاء الرجال العالمي” نتمنى أن تكون قريبة
جداً، أقرب من حدقاتنا. وياحبذا لو كانت قبل الانتخابات الرئاسية.

صوتنا لمن يبكي
في الانتخابات الرئاسية القادمة فلنعط صوتنا لمن يبكي، لا لمن يدق الطاولات بمقارع التاريخ والحضارة.
وإلا كيف تشوفوووووووو؟

[email protected]