لطفي شطارة* يكت عن محو آثار قضية صعدة تؤكد انفصالية النظام

لطفي شطارة* يكت عن محو آثار قضية صعدة تؤكد انفصالية النظام

بعث إلي أحد القراء رسالة خاصة قال فيها إن كتاباتي فيها حقد على الرئيس علي عبد الله صالح، واتهمني بمجاهرتي بهذه الكراهية في مقالاتي. لم أرد على ذلك القارئ، الذي يفكر بنفس عقلية الحزب الحاكم، الذين حولوا شخصية عامة وهو الرئيس الى قديس يحرم المساس به او تناول عيوبه السياسية وأخطائه الكارثية.. ذلك القارىء لا يعرف أني أعرف الرئيس علي عبدالله صالح عن قرب ورافقته كصحافي، ليس في زيارات خارجية عندما غطيت زيارتين له الى باريس ولندن مرتين، بل وداخلية ايضا في جميع المحافظات الجنوبية بعد الوحدة مباشرة انطلاقا من عدن حتى وادي المسيلة الذي حول قناعات ” الوحدويين الجدد” وكشف عن أطماعهم، فتبدلت القناعة مع قص شريط انتاج الشركة الكندية في محافظة حضرموت. لا يعرف ذلك القارىء أني رافقت الرئيس علي عبدالله صالح في تلك الزيارة التاريخية الى حضرموت وكتبت شخصيا خبر وصول الرئيس ونائبه الى المكلا بعد أن تاهت السيارة التي كانت تقل الاخ عبده بورجي السكرتير الصحافي للرئيس وعلي الشاطر رئيس دائرة التوجيه السياسي والمعنوي في الطريق.. التفت إلى الرئيس صالح وقال: الاخ مصري؟ أجبته: لا، أنا عدني وصحافي أعمل في صحيفة 14 أكتوبر وأرافق وفدكم أنت والنائب في هذه الجولة التفقدية، إبتسم ودعاني للجلوس الى جانبه في الجناح الذي أقام فيه في دار الضيافة بمنطقة ” فوة ” الجميلة ” وقال: تفضل واجلس واكتب خبر وصول الوفد الى المكلا. من تلك اللحظة عرفت وأيقنت أن الرجل الذي أرافقه وسط عدد هائل من العسكر المدججين بالأسلحة يدير الدولة عبر الإعلام والمال والعسكر.. وأن عينه على الإعلام واهتمامه بضرورة تسخيره له، وليس للشعب فيه من المعاني التي يعرفها الرئيس ولا يعرفها أمثال ذلك القارىء الذي يفسر تعصبي وانتصاري لقضية الجنوب كصحافي بأنه حقد على شخص الرئيس لا غيره.. ومرة قال لي أحد القراء بأني مشغول في قضية صفقة ميناء عدن دون غيرها من القضايا الاخرى التي تفوح منها روائح فساد واضحة، فأجبته بأن مهمة التصدي للفساد تحتاج شجاعة من كل الصحافيين وليس من صحافي واحد.. اذا امتلكت معلومات عن قضية فساد في أي مؤسسة فلن أتردد في فضحها ليس إعلاميا فحسب بل وكشفها للمؤسسات والدول المانحة، الذين يورطون شعبنا ديونا ستدفع الأجيال القادمة ثمنها باهظا. فكان ذلك القارئ أول المهنئين لي بعد إعلان تجميد الصفقة وإعادتها لشركة موانئ دبي لجعلها متساوية مع اتفاقية الشركة الإماراتية التي تدير جزءاً من ميناء جدة ولكن بشروط دولة وليس ببيعة لصوص.. اما كتاباتي عن قضية الجنوب فلا تهمني كثيرا صفة الانفصالية ( لاني ارتبطت بشريكة حياتي في يوم إعلان الوحدة ) التي يحاول البعض إلصاقها بي في كل مرة أتناول فيها بوضوح مبررات وجود هذه القضية التي أصبحت بحاجة ملحة للاعتراف بوجودها والعمل على حلها وبهدوء وباعتراف السلطة بحقوق الشركاء في صنع دولة الوحدة. ولو لم تكن هناك قضية جنوبية يئن منها الشعب هناك، لما كانت محورا من محاور اللقاءات التي طرحتها جهات في الحكومة البريطانية على ممثلي اللقاء المشترك ( محمد قحطان وابوبكر باذيب ) اللذين زارا العاصمة البريطانية في منتصف يوليو الماضي بدعوة رسمية حظيا فيها بإهتمام الدوائر التي زارها؛ ولكنهما لم يحظيا ولا بالتفاتة من قبل السفارة اليمنية في لندن، فسخر محمد قحطان كعادته: “لقد إلغت السفارة اليمنية دعوة عشاء للوفد بعد أن تم ابلاغها أن ممثل الحزب الحاكم البركاني لم ينضم الى الوفد لأسباب مجهولة فشطبوا وألغوا دعوتهم لنا للعشاء”، ضحكت من مهزلة ووقاحة مثل هذا التصرف غير المسؤول من سفارة هي مسؤولة عن احترام كل يمني يصل الى هذه البلاد، فما بالك برجلين احترمتهم الدولة المضيفة وتجاهلتهم سفارة بلادهم، وكأن قحطان وباذيب لا يمثلان أحزابا يمنية جاءت لحوار رسمي مع الحكومة البريطانية وبدعوة هدفها معرفة اراء ” المشتركـ” المنافس الحقيقي للحزب الحاكم على إدارة شؤون البلاد بعد أن وصلت الى طريق محفوف بالمخاطر..، وهذا دليل آخر أن كل مؤسسات الدولة مسخرة للحزب الحاكم وفاسديه.. بالامس زار (كيث فاز) عضو البرلمان البريطاني عن مدينة ليستر -مدينة عدن، وقبل أن يصل السيد كيث فاز سبقه السفير البريطاني جيفورد الى عدن ليسهل له زيارته ويعود بنتائج طيبة.. في اليمن بلد الرئيس الواحد والحزب الواحد لا يعترف بحقوق الاخرين، بلد ” أنا و بعدي الطوفان ” والرئيس علي عبدالله صالح وحزبه الحاكم هم من يمارسون وبجدارة هذه المقولة.. وكل يوم يعطينا الحزب الحاكم ورئيسه تأكيدات بأنهم لا يتعلمون من التاريخ ولا من عبر الحياة السياسية، بل ويجاهرون باستعلائهم الى درجة مقززة من العنصرية والنرجسية ونكران الاخر.. فالرئيس اعترف قبل يومين في خطابه الذي دشن به حملته للانتخابات الرئاسية المقررة في 20سبتمبر الجاري بإقامة مهرجانه الأول بمحافظة صعدة، والذي أكد فيه إنفصالية حزبه الحاكم واعترافه بأن الوحدة بعيدة كل البعد عن قاموس حزبه عندما قال:” أؤكد مرة أخرى أننا سنعمل على معالجة ما خلفته حرب مران والرزامات وسنعمل على ازالة اثارها وليعودوا الشباب كل الشباب الى بيوتهم آمنين مطمئنين لهم كامل الحقوق وعليهم كل الواجبات*وأجدد الشكر لابناء صعدة قاطبة على مواقفهم النبيلة التي وقفوها في بداية تحقيق الوحدة اليمنية واثناء حرب الردة والانفصال وكان لكم اشرف المواقف وأشجعها “.. فالرئيس هنا اعترف بوجود قضية في صعدة ولهذا أعلن تأكيده بإزالة آثارها.. ولا يزال ينكر حق الجنوبيين في إزالة آثار حرب 94 التي سماها بـ” حرب الردة والانفصال ” ليضفي عليها بعدا دينيا ويؤكد الفتوى التي أصدرت لجعل حرب 94 دينية ضد الملاحدة والمشركين.. أحترم قرار الرئيس في إزالة آثار حرب صعدة التي مورست فيها أعمال إبادة جماعية واستخدمت فيها كافة انواع الاسلحة، وإزالة آثارها لا تأتي عبر خطب بل من خلال اعتراف السلطة بخطئها في ادارة تلك القضية.. كما أن قضية صعدة لن تنتهي بمراضاة جماعة الحوثي، بل من خلال الاعتذار وتحمل كل الأسباب التي أدت الى إشعال تلك المجازر التي دفع ثمنها شباب خسرتهم أسرهم قبل أن يخسرهم الوطن، فماذا عملت السلطة على الارض مع أسر الضحايا لتسوية هذه القضية قبل أن تستخدمها ورقة لاستمالة قبائل المنطقة ودفعهم الى ترشيح رئيس الحزب الحاكم وبعدها تذوب الوعود كما جرت في مناسبات كثيرة؟ تناسى الحزب الحاكم أن أبناء صعدة لن ينسوا الدماء التي سالت على جبال مران وضاع مئات الآلاف من الشباب بين قتلى وجرحى ومفقودين ومشردين..
فهل سيصدق ابناء صعدة بوجود قضية في محافظتهم جعلت رئيس الحزب الحاكم يبدأ حملته الانتخابية منها لاستعطافهم؟.. لا أعتقد أنهم سيبتلعون مثل هذه الخطابات التي تنتهي أهميتها بانتهاء الحفل نفسه وإطفاء انوار المسرح الذي ظهر عليه ممثل حزب الفساد.. ولا أعتقد أن من أطلق نفس الشعارات بعد حرب 94 في الجنوب سيصدق كلماته ابناء أسر ما يزالون يبكون اولادهم في شمال الشمال.. اما اذا كان الرئيس صادقا بوجود قضية في صعدة وهي محافظة وسيعمل على محو اثارها، فإنه يعترف علنا بأنه إنفصالي ولا يعترف بوجود قضية في الجنوب تزداد توسعا وتتعالى اصوات ابنائها في الداخل والخارج.. ولكني أشك أن رئيس الحزب الحاكم الذي منح عسكره ممارسة كل أنواع الاستعلاء لتركيع كل صوت جنوبي يطالب بوقف الاستكبار، إعترف او سيعترف بوجود قضية تتفاقم في الجنوب، لأن جزء في خطابه في عمران أكد الرئيس من خلاله أنه يمارس طمسا علنيا للجنوب دولة وشعباً وهوية عندما قال: “أدعو المتنافسين على منصب الرئاسة ان يكونوا حصيفين في خطابهم السياسي، والا يكذبوا على الجمهور، ولا يعدون بما لا يقدرون عليه، فهم لا يملكون خبرة في الإدارة وقد جربناهم أيام النظام الشمولي في جنوب الوطن، لا يستطيعوا ان يديروا حتى أنفسهم، لا يعرفوا ان يديروها “.. لا ندري ما هي مقاييس الإدارة عند فخامته.. وما هو الموقع الذي تتربع عليه اليمن سواء إقليميا او عربيا او دوليا بفعل تفوق ادارته وحزبه للبلاد.
داخليا وبفعل ادارته للبلاد جعل الجنوبيين يتمردون على الوحدة منذ قيامها وحتى اليوم، ومن يقول عكس ذلك لديه قصر نظر سياسي او منافق للرئيس وحزبه او انه لا يعيش المعاناة واقعا، وبفعل ادارته وحنكته مارس سياسة “فرق تسد” بين السياسيين.. فأصبحت اليمن لا تسع الا لرجل وحزب واحد؛ اليست هذه هي الشمولية بأقبح صورها وتتجمل بصراخ الديمقراطية وليس ممارستها؟ بفعل إدارته وصل اقتصادنا الى الهاوية، كذبنا على البنك الدولي عبر برنامج إصلاحات فشلت رغم مرور 10 سنوات منذ بدأها.. اصبحنا بفعل حنكة الادارة على بعد شهرين من مؤتمر عالمي للدول المانحة سيعقد في لندن لمساعدة اليمن من الانهيار الاقتصادي عبر تحديد اولويات التنمية، فهل حنكة 28 عاما من الادارة تتطلب تدخلا دوليا لتحديد أي اهم للشعب في اليمن الماء أم سكة الحديد، الكهرباء العادية أم عبر المفاعلات النووية!!
إقليميا فقد تفوقت الادارة اليمنية في إنهيار التلاحم بين الصوماليين بعد تدخل اليمن في مناصرة تيارات صومالية وتجنبت آخرين لأنهم انفصاليين يطالبون بدولتهم في “أرض الصومالـ”، فالاداري المتمكن لا ينحاز لتيار ضد الآخر اذا اراد القيام بمهمة مصالحة حقيقية.. الإدارة والحنكة اليمنية جعلت اليمن ضمن تحالف إقليمي شكلته مجموعة “البؤساء” لا يملكون مقومات التنمية وانضم “المتعوس على خائب الرجاء”، “وتلاشى التجمع بفعل هشاشة تأسيسه واهدافه التي لا تخدم جميع “البؤساء” الذين يعيشون عالة على مساعدات الخارج.
دوليا فقد نجحت الادارة والحنكة السياسية للرئيس وحزبه الحاكم على استصدار قرارين وليس قراراً لمجلس الأمن الدولي ضد اليمن لحل الاسباب التي ادت الى حرب 94 لم ينفذا حتى اليوم رغم دعوة فخامته إسرائيل لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية في فلسطين، وبفعل حنكته السياسية يلاحق مجلس الامن الدولي مواطنا يمنيا بتهمة رعاية الارهاب، واصدر ضده قرارا دوليا وهو “الشيخ عبدالمجيد الزنداني”، وربما الحنكة السياسية قادت الشيخ عبد الوهاب المؤيد الى سجن أمريكي ليقضي فيه 75 عاما بتهمة الارهاب ايضا، وأثمرت عن قتل الحارثي بطائرة امريكية بدون طيار.. وربما الحنكة والمهارة في ادارة الدولة كما ألمح اليه الرئيس في خطاب عمران هي التي تفجرت بسببها جميع التقارير الدولية ضد اليمن والاوضاع فيها.
فهل من الحنكة تجاهل قضية تزداد تفاقما مثل قضية الجنوب لن تلغيها مغالطات على العالم أصبح يعرف ابعادها، وتجلى ذلك في حوار الحكومة البريطانية مع ممثلي ” المشترك ” قحطان وباذيب في لقائهما ببعض دوائر القرار في لندن؟! وهل من الحنكة وصف من يتحدث عن وجود الفساد بأنه فاسد بعد أن أصبح الشعب بكامله يعلم منابع الفساد والحظائر التي تفرخ منها؟! وهل من الحنكة السياسية أن تجعل السلطة قضية صعدة مادة سياسية لدغدغة عواطف أسر ما تزال تبحث عن أعز أبنائها دون أن تقدم الدولة إجابات واضحة عن أسباب اشتعال الحرب او من المسؤول عنها، او أخطاء إدارتها للازمة؟! إسرائيل التي مسحت لبنان بسبب حجز حزب الله لجنديين ومع هذا تجري الان تحقيقا عن كيفية ادارة الحرب.
أعتقد أن على الرئيس وحزبه الحاكم الذي يناطح من أجل تحسين الصورة التي تلطخت بها سمعة اليمن في عهد ” المؤتمر “.. أن يعترفا بحقوق الآخرين إبتداءاً من قضية الجنوب، قبل فوات الاوان، وخوفا من تدويلها لان المستمسكات القانونية ما تزال قوية ولصالح الجنوبيين.. و أن يعترفوا أن بأنهم استنفذوا كل اساليب الفهلوة التي جعلوا منها مبررا لبقائهم في السلطة كحزب سياسي.. فصعدة لن تنهيها خطابات عمران، والجنوب لن تنتهي قضيته بإدارة بعض البيادق في لعبة شطرنجية أصبحت مكشوفة ومفضوحة، ومن سخافتها أصبحت تهدد كل اللاعبين الذين اعتقدوا أنهم يملكون عقلا كعقل الروسي غاري كاسباروف،
الكلام لم يعد يجدي والخطابات المكررة لن تبني وطنا ولن تطيل من عمر نظام يفقد مقومات بقائه مع إطلالة كل يوم جديد.
[email protected]

* صحافي وكاتب بريطاني – يمني مقيم في لندن