عبدالإله القدْسي: نتمنى ألا يتم تحريف أو تشويه المخطوطات التي تركها البردوني ولم نتأكد من مصيرها

عبدالإله القدْسي: نتمنى ألا يتم تحريف أو تشويه المخطوطات التي تركها البردوني ولم نتأكد من مصيرها
عبدالإله القدسي - صورة مؤقتة من مقابلة مع قناة يمن شباب

عبدالإله القدْسي: نتمنى ألا يتم تحريف أو تشويه المخطوطات التي تركها البردوني ولم نتأكد من مصيرها، فأسلوبه معروف للصغير والكبير

في مهرجان الموصل كانت هناك أصوات تتساءل ما الذي سيقوله هذا؟
وكان الشاعر الفلسطيني معين بسيسو أكثر وغزاً بالبردوني
يقول أستاذ اللسانيات المفكر التونسي د. عبدالسلام المسدي في كتابه “نحو وعي ثقافي جديد”، ما من سياسة زهدت في حرية الفكر إلا ظلمت نفسها بنفسها، فحرية الرأي هي التي تستصفي النقد، والنقد هو الذي يحمي السياسة من الفشل، والنقد هو الذي يحمي النجاح من الغرور.
يحضر ما قاله المسدي في الذكرى ال11 للشاعر العظيم عبدالله البردوني. فقد كان في شعره كما هو في فكره ناقدا لا يكل… ماذا لو صدق السياسيون ما تنبأ به البردوني حول الوحدة منذ قامت في أكثر من حوار معه، لربما كانت أيامنا هذه بلا حراك.
في الذكرى ال11 ما زال البردوني يتردد في ذاكرة من أحبوه رمزاً لتطلعاتهم، وفي ذاكرة من كرهوه موقفا جليا لا يعرف المساومة. في الذكرى ال11 ما زال البردوني يحملُ مصباحه من بيت لبيت ليضيء.. محتشدا في الشعب الأستاذ والجندي وقائد الجيش والعامل والفلاح والثائر والعاشق. ألا يكفي أن البردوني جعل اليمانيين ينامون وهم يحبون ذاتهم.
في الذكرى ال11 لوفاة البردوني لا شيء يثير الألم أكثر من بلدٍ أشاح بوجهه عن البردوني، فأعماله التي تركها تعجز الدولة، بقصد أو دون قصد، أن تقوم بحل إشكالية بين ورثته أو إشكالية أخرى تبدو جلية في عقلها. كأننا بحاجة لتبني مبادرة لحل هذه المعضلة والبدء بنشر أعماله المعدة للنشر “الجمهورية اليمنية”، رواية “العم ميمون”، “المؤسسات الثقافية في اليمن”، “الجديد والمتجدد في الأدب اليمني”، وديواني “رحلة العشق علي مرافئ القمر” و”ابن من شاب قرناها”.
تحاور “النداء” الأستاذ عبدالإله القدسي أحد من كانوا يقرؤون ويكتبون للشاعر الكبير عبدالله البردوني، عن فترة عاشها مع البردوني قارئا وكاتبا له، وعن بعض المواقف التي عايشها معه. وهو من مواليد مدينة الحديدة، خريج الاتحاد السوفيتي سابقاً، يحمل درجة الماجستير في علوم الصحافة والآداب عام 1986.
*كان دائماً يقول: علي أن أقول كلمتي وهي تستفز وتقاتل إذا انتصرت لا أفرح بانتصارها وإذا سقطت لا آسف على سقوطها” ولم يكن يجامل أحداً كما لم يكن فجاً
* له محاضرات ألقاها في اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين لم تنشر على الإطلاق وهي مسجلة لديهم، رغم أن نشرها مهمة الاتحاد
* حوار: محمد الشلفي
> ” كيف بدأت علاقتك بالبردوني؟
– صلتي بالأستاذ عبدالله البردوني منذ أواخر 67 بعد أن منيت الأمة العربية بهزيمة نكراء. كنت هنا في صنعاء أدرس وتعرفت عليه. قبلها كنت أتابع مجلة الفكر والأدب في إذاعة صنعاء، كان عمري 12 سنة، وكان على معرفة وثيقة بأبي، لهذا تآزر التعارف من خلاله. كنت أحد قرائه إذ كان يقرأ له سابقاً على الملالي، محمد علي المهدي، والعزي الشاطبي، وكان صديقه.
> ما كان أول كتاب قرأته له؟
– “الشعر اليمني قديمه وحديثه”، وكانت الطبعة صادرة على دار الجماهير العراقية.
> كيف كان يقضي يومه؟
– يستيقظ صباحاً الساعة ال6 يتابع الأخبار كإذاعة الشرق الأوسط، تأتي في الصباح باقة أخبار ثقافية؛ ما الذي استجد في الجانب الثقافي لأدباء كبار في مصر. يتابع أخبار المهرجانات الأدبية التي تعقد، فكان يعرف أخبار طه حسين، العقاد، حافظ إبراهيم، وصلاح عبدالصبور. كما كان يتابع الأخبار السياسية عبر إذاعة لندن، الكويت. بعد سماع الأخبار يتخللها تناول الفطور، ثم يبدأ بالقراءة بين الثامنة والثامنة والنصف، وتنتهي الفترة الساعة ال12 ظهراً، بعد ذلك الغداء، ثم -وهذا عندما كان يتعاطى القات- يبدأ بسماع الأخبار من إذاعة صنعاء التي كانت تبدأ البث في الساعة ال2، الساعة ال3 يبدأ القراءة مرة أخرى حتى المغرب، بعدها تكون صلاة المغرب ثم العشاء، ثم قراءة إلى الساعة ال12 ليلاً، وكانت تتعدى إلى الساعة ال3 صباحاً، لكن بعد أن امتنع عن القات لفترة طويلة كان ينام حتى الساعة ال5 بعد الغداء. وكانت القراءة وجبة يومية. كانت متنوعة في الجانب السياسي، الثقافي، والتاريخي.
> ماذا عن نشاطه الثقافي؟
– عندما يستضيفه اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين كان هو من يختار مواضيع محاضراته، فيأتي عصراً يشغل حيزاً كبيراً جداً من الوقت في إلقاء محاضراته، أعتقد أن له محاضرات كثيرة لم تنشر على الإطلاق في الصحف ولا في المجلات في اتحاد الأدباء، وهي مسجلة في اتحاد الأدباء وموجودة لكن لم ينشرها رغم أن نشرها مهمة المسؤول الثقافي في فرع صنعاء في اتحاد الأدباء، وربما تكون الأمانة العامة منوطة بطبعها، خاصة أن أ. عبدالله البردوني من المؤسسين وأول رئيس لاتحاد الأدباء والكتاب في اليمن.
> ما هي الكتب التي أملاها عليك؟
– لم أكتب له كتاباً كاملاً، كتبت فصولاً، شاركت في كتابة بعض الفصول الأولى من “اليمن الجمهوري”، فصلين في “قضايا يمنية”، وفصلين من “رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه”.
> كم كان يستغرق تأليفه للكتاب؟
– كان الكتاب يتألف من مجموعة أبحاث ودراسات تم نشرها، ثم يقوم بإعادة صياغة أجزاء منها ويضيف إليها وينقحها وينشرها ككتاب، ما عدا كتاب “رحلة في الشعر اليمني” لأنه كان لديه مجموعة كبيرة جداً من الجرائد والمجلات التي يحتفظ بكتابات الأدباء اليمنيين مثل القرشي عبدالرحيم سلام، محمد عبدالله غانم، لطفي جعفر أمان، محمد الشرفي، عبدالرحمن قاضي، محمد سعيد جرادة، وتناولهم نقدياً. وقد أغضب ما كان يكتبه البردوني في النقد بعض الكتاب، وكان دائماً يقول: “علي أن أقول كلمتي وهي تستفز وتقاتل إذا انتصرت لا أفرح بانتصارها وإذا سقطت لا آسف على سقوطها”. كان لا يجامل أحداً على الإطلاق، وأسلوبه ليس فجاً. وكان يتهم بأنه “حاطب ليلـ” مزاجي، وبأنه لا يرى شيئاً، وكان يطلع على الكتابات تلك ويرد عليها بأسلوب غير مباشر.
> عندما كنتم تكتبون له هل كان يأخذ برأي من يكتب، أم كنتم تهابون إبداء رأيكم باعتباره البردوني؟
– كان يقبل الملاحظات، كنت أكتب له، ثم يسمع ما كتبت ليتأكد مما كتبت. وكان دقيقا في هذا الأمر. ثم إذا كان هناك ملاحظة أقول له فيقبل. من الملاحظات التي كان يكتبها خصومه أنه ليس مؤرخا، وكانوا يريدون أن يقول في الساعة كم حدث، وهذا ما لم يحدث عند المؤرخين جميعهم.
> أنت كنت بصحبته في مهرجان الموصل، ما الذي حدث؟
– أرسلت دعوة للأستاذ البردوني من القائمين على مهرجان الموصل، كان ذلك في عهد الإرياني في 1971. كان هناك أصوات في الاحتفال تتساءل ما الذي سيقوله هذا؟ من منطلق هذا الزخم الثقافي الكبير والشخصيات التي حضرت صلاح عبدالصبور، نزار قباني، الجوهري، صالح جودت. حينها كان الشاعر الفلسطيني معين بسيسو أكثر الناس وغزاً للبردوني، يهمز ويلمز أمام بعض الأدباء، ولم يكن البردوني مكترثا. كان ترتيب اليمن هجائياً في النهاية، وحدثت التغيرات وتقدمت اليمن، فبدأ يلقي قصيدته المعروفة “أبو تمام وعروبة اليوم”، وكانت بدايتها:
ما أصدق السيف! إن لم ينضه الكذب
وأكذب السيف إن لم يصدق الغضبُ
بيض الصفائح أهدى حين تحملها
أيد إذا غلبت يعلو بها الغلبُ
وأقبح النصر… نصر الأقوياء بلا
فهم.. سوى فهم كم باعوا… وكم كسبوا
أدهى من الجهل علم يطمئن إلى
أنصاف ناس طغوا بالعلم واغتصبوا… إلخ.
صفق الحضور بشدة. وطلب الحضور في القاعة الإعادة أكثر من مرة حتى قال لهم “أنتم تدعونني إلى الانتحار”. هذا المهرجان كان مرحلة جديدة جعلت البردوني أكثر شهرة مما كان عليه. بعدها صعد نزار ليقول ما معناه أن الإلقاء بعد البردوني انتحار، ولم يلقِ قصيدته.
كما قلت كان معين بسيسو أكثر لمزا بالبردوني، وفي ما بعد جاء مع ياسر عرفات إلى اليمن، وكان معين محسوبا على حركة الثورة الفلسطينية، ووقتها كان المستشار الثقافي لعرفات. وجاؤوا حينها لإعادة انتخاب اتحاد الكتاب الفلسطينيين، ولقي البردوني معين بسيسو فقال له: “أنا يا أخي العربي صحراء، وتحت يدي سلاحي”، أين سلاحك يا معين؟ كان يريد أن يقول له أن يتابع كتاباته، وقرأ له نصوصاً كثيرة، وكنت ألاحظ الوجوم الخجل يعتري وجه معين بسيسو، فقال له الذي حدث ذهب، ورد عليه البردوني أنا لا أسألك عن أمسك، بل إنك أنت وليد لحظتك هذه. وهذا من العتاب الجميل.
> ما قصة قصيدة “الغزو من الداخلـ”؟
– بدأت القصيدة تنتشر، كانت هذه القصيدة ستمنع، لكن إبراهيم الحمدي رفض ثم في عهده طبع الديوان، قال لهم إبراهيم الحمدي دعوها، حتى عندما قال عنه “جبينه دبابة واقفة” في قصيدته خطاب 13 يونيو حزيران لم يحذف منها شيئاً، وقال دعوه يقول ما يشاء يريده، ولم تكن هناك أية رقابة.
لم تخضع أعمال البردوني للرقابة كما حدث في عهد الرئيس علي عبدالله صالح وعلي ناصر محمد في كتابه “اليمن الجمهوري” سنة 1982، ثم تراجعوا بعد أن وزع كتبه في عدن وفي الشمال مجاناً دون بيع.
ولما كان عهد إبراهيم الحمدي من 74 إلى 76، كانت ممنوعة كتب: “لعيني أم بلقيس”، “السفر إلى الأيام الخضر”، و”قضايا يمنية” من دخولها إلى السعودية، لكن الكتب كانت مطلوبة من الناس، وكان اليمنيون في السعودية يشترون هذه الكتب من صاحب مكتبة الثقافة أمين مستور، كانت رخيصة، وقد عرفت أن مثقفاً سعودياً كان مستعداً أن يدفع 3000 ريال سعودي.
> لكنك لم تتحدث عن قصة هذه القصيدة..
– دعي البردوني لعيد الجلوس للملك فيصل، وكان في نادي الضباط عام 1973، من قبل جهات رسمية يمنية وسعودية. كانت ذا وقع كبير، وكان معتدا حاملاً معه بطانيته فقالوا له إلى أين؟ قال إلى السجن أو إلى المشنقة. وكان بحضور رئيس الوزراء عبدالله الحجري والحمدي. وأعقبت هذه القضية كثير من الغضب، وكان الحمدي يقول جاء حراً ويذهب حراً، وهذا ما حدث.
> ما الذي كان يشغل البردوني؟
– هو أن يتقدم اليمن، وأن تكون دولة مؤسسات حقيقية، وأن يكون النظام مدنياً منفتحاً، وديمقراطياً حقيقباً. كان البردوني يركز على الجانب التعليمي، وكثيراً ما انتقد التجهيل. كان البردوني ضد الانقلابات، كان يريد ثورة شعبية تخرج، كان تحريضياً، وكان له موقف من الوحدة، والثورة، يقول: أيها الآتي بلا وجه إلينا/ لم تعد منا ولا ضيفاً علينا.
> هل كان البردوني يخاف؟ وهل رأيته يبكي؟
– لا، لم يكن يخاف، ولم أره مرة يقول ذلك، ثم إنه كان إنسانا حساسا فقد بكى على إبراهيم الحمدي وشاهدت أناته، بكى لفقدان أعز الناس إليه زوجته، وقتها تقلب فوق الحصى باكياً. بكى على عبدالسلام الدميني.
> كان ناقدا لا يتواني عن قول رأيه، بالمقابل هل كان يتقبل النقد مثلما كان ينتقد الآخرين؟
– كان ديمقراطياً وكان يقبل النقد. أذكر ذات مرة كنا في اتحاد الأدباء وكان يلقي محاضرة في شعر الحضراني، فوقف عبدالله هاشم الكبسي يقول للبردوني أنت قلت عن هذه الأبيات من بحر المنسرح، وأنا أقول إن هذه من البحر الخفيف. هذه حدثت فعلاً ولا أحد يستطيع أن ينكرها، منهم عبدالله هاشم الكبسي. لم يرد عليه البردوني سوى بـ”شكراً”. لم يكن البردوني يغضب أو يحنق، وكان عبدالله هاشم الكبسي على حق. وهذا لا يغير من مقام البردوني شيئا.
> ترك البردوني مجموعة من المخطوطات التي لم تنشر من قبل، البعض يقول إن عدم نشرها بسبب خلافات الورثة، والبعض يقول إن جهات صادرتها يوم موته من منزله.
– الأستاذ عبدالله البردوني كان يحتفظ بما نشره أو ما هو معد للنشر في دولاب والمفاتيح مربوطة على خصره لا يعطي المفتاح أحدا. الذي أعرفه من الكتب الجاهزة للطباعة هي “الجمهورية اليمنية”، وهو كتاب يوضح موقف البردوني من الوحدة، انتقد بعض الظواهر السلبية في الحكومة الانتقالية، ومهما اختلف معه فذلك رأيه.
الكتاب الثاني رواية “العم ميمون”، الكتاب الثالث “المؤسسات الثقافية في اليمن”، الكتاب الرابع كان أقدمها وكان يؤخره حتى يتواصل مع إبداعات الجيل الجديد، عنوانه “الجديد والمجدد في الأدب اليمني”، ثم ديوان “رحلة العشق على مرافئ القمر” وديوان “ابن من شاب قرناها”، وفيه أحدث قصائده.
> أين ذهبت هذه المخطوطات؟
– نحن، وبعد مراسم دفنه، سألنا زوجته فقالت إنها سلمت المخطوطات لجهات نافذة في الدولة.
> من كان حاضراً معك حينها؟
– أمين العباسي، الحارث بن الفضل، الشاطبي، محمد شرغة.. كما تحدثت هي في أكثر من وسيلة إعلامية.
> إذن لا دخل للورثة بتأخر طبع الكتب إلى اليوم؟
– بعدها حدث خلاف حول البيت، وقد كانت الوثائق أثبتت أنه باسم البردوني لا باسم زوجته. والمتداول الآن أن البيت تم حجزه بما فيه الإرث الثقافي تم ربط المخطوطات بالبيت. لكن مع ذلك إذا صح ووجد خلاف بين الورثة بخصوص إرثه الثقافي، فالدولة قادرة على حله إذا كانت تحترم قامة كالبردوني. الدولة لا تهتم إلا بقطاع الطرق، أما أن تهتم بالشخصية العظيمة البردوني الذي احتشد الشعب فيه.
> ما الذي جناه البردوني حتى يعاقب بهذه الطريقة، ويقابل بالنكران، فلم يتحول منزله إلى متحف، وإن أحييت ذكرى أخذت طابعاً إعلامياً دعائياً.
– إذا كانت الدولة تحترم البردوني فليفرجوا عن موروثه الثقافي الموجود لديها، ونتمنى ألا يتم خدش أو إلغاء أو تشويه المخطوطات التي تركها البردوني، ولم نتأكد من مصيرها، لأن البردوني بأسلوبه معروف للصغير والكبير.

***
قاطع من قصائده
من دهور… وأنت سحرُ العباره/ وانتظار المنى وحلمُ الإشاره
كنت بنتَ الغيوب دهراً فنمَّت/ عن تجليّك حشرجاتُ الحضاره
وتداعي عصر يموت ليحيا/ أو ليفنى، ولا يحسَّ انتحاره
جانحاه في منتهى كل نجم/ وهواهُ، في كل سوق: تجاره
باع فيه تأله الأرض دعواه/ وباعت فيه الصلاةُ الطهاره
أو ما تلمحينه كيف يعدو/ يطحن الريح والشظايا المُثاره
نم عن فجرك الحنون ضجيج/ ذاهل يلتظي ويمتص ناره
عالم كالدجاج، يعلو ويهوي/ يلقط الحب، من بطون القذاره
ضيع القلب، واستحال جذوعاً/ ترتدي آدميةً… مستعاره
“مدينة الغد”
لها أغلى حبيباتي/ بداياتي… وغاياتي
لها غزوي وإرهاقي/ لها أزهى فتوحاتي
وأسفاري إلى الماضي/ وإبحاري إلى الآتي
لعيني (أم بلقيس)/ فتوحاتي وراياتي
وأنقاضي وأجنحتي/ وأقماري وغيماتي
لها تلويحُ توديعي/ لها أشواقُ أوباتي
أشرق وهي قدامي/ أغرب وهي مرآتي
إليها ينتهي روحي/ ومنها تبتدي ذاتي
“لعيني أم بلقيس”
يا رفاقي.. إن أحزنت أغنياتي/ فالمآسي.. حياتكم وحياتي
إن همت أحرفي دماً فلأني/ يمني المداد… قلبي دواتي
أمضغ القات كي أبيت حزيناً/ والقوافي تهمي أسى غير قاتي
أنا أعطي ما تمنحون احتراقي/ فالمرارات بذركم ونباتي
غير أني ومدية الموت عطشي/ في وريدي أشدو فألغي وفاتي
فإذا جئت مبكياً فلأني/ جئتكم من مماتكم ومماتي
عارياً.. ما استعرت غير جبيني/ شاحباً.. ما حملت غير سماتي
جائعاً… من صدى (ابن علوان) خبزي/ ظامئاً من ذبول (أروى) سُقاتي
“السفر إلى الأيام الخضر”
القناديل يا دجى منك أدجى/ المنايا، أم شرطة الليل أنجى؟
ربما كنت تسأل الآن مثلي/ وأنا أجتدي بإبطيك محجى
القناديل لا تري الشعب نهجاً/ وتري قاهريه عشرين نهجا
هل تعي يا دجى لماذا تحابي؟/ ذاك تعميه، ذاك تعطيه وهجا
من تداجي؟ تمسي لبعض سراجاً/ ولبعض إلى السراديب سرجا
ولبعض أداة خلعٍ وحرقٍ/ ولبعضٍ تضيء رقصاً وصنجا
“رواغ المصابيح”
ما الذي تبتاعُ يا (زيد الوصابي)/ هل هنا سوقٌ سوى هذا المرابي؟
يدخل السوقان سوقاً، يمتطي/ (باب موسى) ركبتيْ (سوق الجنابي)
ورق العملات يعدو مثلما/ تهرب الحيّات من ضيق المخابي
يسقط المُغْرى على المغري كما/ يستحمُّ الطين في الطين المذاب
لا أرى (الشرشفَ والعِقدَ) على/ قامة (العُسبان) مدعاةَ اعتجابي
هكذا قُلْ، إنما لا تقترح/ عن هُدى التمييز أن أُبدي متابي
سوف تلقى سبَّهُم، يا ليتهم/ أحسنوا أحدوثةً حتى سِبابي
كلَّ يومٍ لا تَرى ما ترتضي/ ثمَّ تغضي آبياً أو غير آبي
“جوَّاب العصور”
من أين؟ من باب الذي ما ابتدا/ أزمعت أرمي بي دماً، أو ندى
بداية من آخر المنتهى/ شبيبة من خلف شيب الردى
براءةً ما ولدت تربة/ لها، وتنوي الآن أن تولدا
كسرة التفاحة اخضوضرت/ تأهبت من قبل أن تنهدا
<<<
طلعت مما كان قبري الذي/ أمسى قبوراً نوماً سهدا
أقتاد جنا، من حليب السهى/ يبيضون (العنسي الأسودا)
أعرى من الصحرا، فإن عضهم/ برد، ترى هذا بذاك ارتدى
“رجعة الحكيم بن زايد”
أسفر الفجر فانهضي يا صديقه/ نقتطف سحره ونحضن بريقه
كم حننا إليه وهو شجونٌ/ في حنايا الظلام حيرى غريقه
وتباشيره خيالات كأسٍ/ في شفاه الرؤى، ونجوى عميقه
وظمئنا إليه وهو حنين/ ظامئ يرعش الخفوق شهيقه
واشتياق يقتات أنفاسه الحمر/ ويحسو جراحه… وحريقه
وذهولٌ كأنه فيلسوفٌ/ غاب في صمته يناجي الحقيقه
وطيوف كأنها ذكرياتٌ/ تتهادى من العهود السحيقه
واحتضنا أطيافه في مآقينا/ كما يحضن العشيق العشيقه
وهو حب يجول في خاطرينا/ جولة الفكر في المعاني الدقيقه
والتقينا نريق دمع المآقي/ فأبت كبرياؤنا أن نريقه
واحترقنا شوقاً إليه وذبنا/ في كؤوس الهوى لحوناً رقيقه
وانتظرناه والدجى يرعش الحلم/ على هجعة القبور العتيقه
والسرى وحشة وقافلة الس/ فر يخاف الرفيق فيها رفيقه
وظلامٌ لا ينظر المرء كفي/ ه ولا يسعد الشقيق شقيقه
هكذا كان ليلنا فتهادى/ فجرنا الطلق فالحياة طليقه
“في طريق الفجر”
***
ولد الشاعر الكبير عبدالله البردوني في قرية البردون، شرق مدينة ذمار، عام 1929. أصيب بالجدري وهو في الخامسة أو السادسة من عمره، وعلى إثره فقد بصره. بدأ تلقي تعليمه الأولي في قريته وهو في السابعة من العمر، وبعد عامين انتقل إلى قرية “الملة عنس”، ثم انتقل إلى مدينة ذمار وهناك التحق بالمدرسة الشمسية. حين بلغ ال13 من عمره بدأ يغرم بالشعر وأخذ من كل الفنون إذ لا يمر مقدار يومين ولا يتعهد الشعر قراءة أو تأليفاً، قرأ ما وقعت عليه يده من الدواوين القديمة. انتقل إلى صنعاء قبل أن يتم العقد الثاني من عمره حيث درس في جامعها الكبير، ثم انتقل إلى دار العلوم في مطلع الأربعينيات، وتعلم كل ما أحاط به منهجها حتى حصل على إجازة من الدار في “العلوم الشرعية والتفوق اللغوي”. عين مدرساً للأدب العربي شعراً ونثراً في دار العلوم.
رأس لجنة النصوص في إذاعة صنعاء، ثم عين مديراً للبرامج في الإذاعة إلى عام 1980. استمر في إعداد أغنى برنامج إذاعي ثقافي في إذاعة صنعاء “مجلة الفكر والأدبـ”، بصورة أسبوعية، طيلة الفترة من عام 1964 حتى وفاته. عمل مشرفاً ثقافياً على مجلة الجيش من 1969 إلى 1975، كما كان له مقال أسبوعي في صحيفة “26 سبتمبر” بعنوان “قضايا الفكر والأدبـ”، ومقال أسبوعي في صحيفة “الثورة” بعنوان “شؤون ثقافية”.
هو من أوائل من سعوا لتأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وقد انتخب رئيساً للاتحاد في المؤتمر الأول.
أعماله الشعرية:
صدرت له 12 مجموعة شعرية هي: من أرض بلقيس -القاهرة – 1961، في طريق الفجر -بيروت – 1967، مدينة الغد -بيروت – 1970، لعيني أم بلقيس -بغداد – 1972، السفر إلى الأيام الخضر -دمشق – 1974، وجوه دخانية في مرايا الليل -بيروت – 1977، زمان بلا نوعية -دمشق – 1979، ترجمة رملية لأعراس الغبار -دمشق – 1981، كائنات الشوق الآخر -دمشق – 1987، رواغ المصابيح -دمشق – 1989، جواب العصور -دمشق- 1991، رجعة الحكيم ابن زايد -بيروت – 1994.
الكتب والدراسات:
رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه – 1972، قضايا يمنية – 1977، فنون الأدب الشعبي في اليمن – 1982، الثقافة الشعبية تجارب وأقاويل يمنية – 1987، الثقافة والثورة – 1989، من أول قصيدة إلى آخر طلقة: دراسة في شعر الزبيري وحياته – 1993، أشتات – 1994، اليمن الجمهوري – 1997.
نال العديد من الجوائز:
جائزة أبي تمام بالموصل عام 1971 – 1391ه، جائزة شوقي بالقاهرة عام 1981 – 1401ه، جائزة الأمم المتحدة (اليونسكو) التي أصدرت عملة فضية عليها صورته عام 1982 – 1402ه، كمعوق تجاوز العجز، جائزة مهرجان جرش الرابع بالأردن عام 1984 – 1404ه، جائزة سلطان العويس بالإمارات 1993 – 1414ه.
الكتب والدراسات التي تناولت حياته وشعره منها:
البردوني شاعراً وكاتباً لطه أحمد إسماعيل -رسالة دكتوراه – القاهرة، الصورة في شعر عبدالله البردوني، د. وليد مشوح – سوريا، شعر البردوني، محمد أحمد القضاة -رسالة دكتوراه – الأردن، قصائد من شعر البردوني، ناجح جميل العراقي.
أعمال مترجمة إلى اللغات العالمية:
عشرون قصيدة مترجمة إلى الإنجليزية في جامعة ديانا في أمريكا، الثقافة الشعبية مترجمة إلى الإنجليزية، ديوان مدينة الغد مترجم إلى الفرنسية، اليمن الجمهوري مترجم إلى الفرنسية، كتاب بعنوان الخاص والمشترك في ثقافة الجزيرة والخليج/ مجموعة محاضرات بالعربية لطلاب الجزيرة والخليج ترجم إلى الفرنسية.