رئاسة اليمن بين المُعلن والمسكوت عنه – محمد محسن الظاهري*

رئاسة اليمن بين المُعلن والمسكوت عنه – محمد محسن الظاهري*

بادئ ذي بدء يتعين التنويه إلى أني لست من أولئك المولعين باختزال مفهوم النظام السياسي في الحاكم السياسي وثلة من أتباعه وبطانته -بل النظام السياسي يتضمن- إلى جانب النخبة الحاكمة أو رئيس الدولة- القوى والمؤسسات الاجتماعية والسياسية الأخرى، سواء كانت أحزاب معارضة أو جماعات تسعى لتحقيق مصالحها أم نخب مضادة تتفاعل مع مكونات النظام السياسي في إطار ثقافة سياسية سائدة وإطار مجتمعي عام.

آليات تولي السلطة وانتقالها في اليمن
بداية يتعين التنويه إلى أن العقل السياسي العربي قد فشل في استيعاب قواعد إسناد السلطة وتداولها سلمياً ؛ إذ غدا اقتناص السلطة في الفصل بين السلطة والثروة، إذ غدت السلطة مجلبة الثروة، ولذا يتم التمسك بالسلطة والاقتتال في سبيلها، والعض عليها بالنواجذ ؛ ولذا نجد الحكام العرب خير معبرٍ عن المقولة الخلدونية التي تومئ إلى أنهم ” متنافسون في الرياسة، وقل أن يُسلم أحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته…فيفسد العمران وينتقص”.
والتساؤل الملح في هذا السياق أين اليمن من هذا الاستنتاج؟ وهذا ما يتمُ بيانه تواً.
تنتقل السلطة السياسية (منصب الرئاسة تحديداً) في النظام السياسي اليمني عبر آليات ثلاث، هي: تحكيمية، وحربية، وسلمية (ديمقراطية).
وبما أننا مقبلون على انتخابات رئاسية ومحلية، فإن استقراء التاريخ السياسي اليمني في هذا السياق, يدفع إلى القول بأن هذه الآلية السلمية (الديمقراطية) هي استثناء في حياة اليمنيين. فهذه الآلية، غالباً, ما تُستدعى لتثبيت الأمر الواقع ومحاولة شرعنته لا تغييره. فالقابض على السلطة والمتشبث بالحكم قد يشجع على ظهور هذه الآلية, ولكن بشكل “ديكوري” و “تزييني”؛ ليزين به حكمه القائم, وتثبيته واستمراره لا تغييره. فلسان حال الحاكم المتربع علي السلطة يقول: نعم للانتخابات البرلمانية والرئاسية. بل والمحلية، طالما بقيت “أنا” في موقعي كرئيس “دائم” للدولة اليمنية.
وللأسف فإن الخبرة السياسية اليمنية قد عجزت,وما تزال, عن تقديم مثال واحد (جاد وحقيقي) تُفعل فيه هذه الآلية السلمية الديمقراطية لانتقال السلطة وتناوبها بين الرؤساء اليمنيين.
وعلى الرغم من أن برنامج مرشح أحزاب اللقاء المشترك يشير إلى أن الانتخابات القادمة ستكون “أول انتخابات رئاسية تنافسية مباشرة تشهدها بلادنا”, إلا أنه يمكن التقرير هنا, أن اليمن قد شهدت أول انتخابات مباشرة لرئاسة دولة الوحدة عام 1999, حيث فاز فيها الرئيس علي عبد الله صالح. وما يلاحظ على هذه الانتخابات الرئاسية أنه رغم أهميتها كسابقة في الحياة السياسية اليمنية، إلا أنها قد افتقرت للمنافسة الجادة، وكان يعوزها المشاركة الحقيقية من الفاعلين في الساحة اليمنية، وهذا ما قد يميز الانتخابات الرئاسية التي ستجري في العشرين من سبتمبر القادم. إذ إن مؤشرات التحضير لها تومئ إلى أنها ستكون أول انتخابات رئاسية تنافسية وحقيقية إذ يبدو أن الواقع السياسي اليمني في طريقة إلى التهيؤ لقيام صراع “سلمي” على رئاسة الدولة اليمنية.

المؤتمر الشعبي العام.. التنظيم والبرنامج
يمكن القول إن التسمية الأقرب للدقة للمؤتمر الشعبي العام أنه بمثابة “التنظيم الملتقى والمضياف”.
 فهو بمثابة ” تنظيم ملتقى ” لكثير من الأحزاب التي كانت تمارس نشاطها سراً إبان الحظر الدستوري ومنع التعددية السياسية إبان التشطير.
وهو “تنظيم مضياف” ؛ لأن الواقع السياسي اليمني يومي إلي انه مازال “يستضيف” كثيرا من القيادات الحزبية التي آثرت ” الجمع ” بين البقاء في المؤتمر مع الاحتفاظ بعضويتها لأحزابها الأم!
ولذا يمكن التقرير, هنا, أن المؤتمر الشعبي العام ما انفك يمارس مفهوم الضيافة السياسية والحزبية معا ً.
أما البرنامج الانتخابي لمرشح المؤتمر فالملاحظ أنه قد استعرض الأزمات التي عانى منها النظام السياسي اليمني، وبالغ في الحديث عن منجزات تحققت في الماضي على المستويين الداخلي والخارجي، بل وأغرق في الحديث عما ينبغي أن يكون لا عما هو كائن!
وفي هذا السياق، وبمنأى عن التهوين أو التهويل، يمكن القول إن المتتبع لبرامج المؤتمر الشعبي العام، سواء النيابية أم الرئاسية، يلحظ الحديث عن ” منجزات ” هي في أغلبها لم تر النور في الواقع اليمني، رغم تكرارها في برامج المؤتمر الانتخابية منذ أول انتخابات نيابية عام 1993 وحتى آخر انتخابات نيابية عام 2003م. وكي لا يكون الحديث على عواهنه هاكم بعض الأمثلة على هذا الاستنتاج:
يلاحظ وجود وعود في البرنامج الانتخابي للمؤتمر الشعبي العام للانتخابات للعام 1993 ولم تنفذ, منها: “تطبيق نظام الانتخابات المحلية على مستوى المحافظين ومديري الأمن على مستوي الجمهورية…”, “التركيز على استكمال الشبكة الكهربائية في جميع أنحاء الجمهورية”, “مكافحة ظواهر الثأر… وتعزيز هيبة الدولة”, ” تحديث وتطوير القضاء والتأكيد على استقلالية السلطة القضائية وتبسيط الإجراءات القضائية”.
كما وردت وعود أخرى إلى جانب كثير من الوعود السابقة في البرنامج الانتخابي للمؤتمر الشعبي العام لعام 1997, 2003 م, من هذه الوعود التي لم تر النور حتى الآن:

محاربة الفساد ومحاصرته, تفعيل قانون حيازة وحمل السلاح…!
وهكذا يلاحظ أن كثيراً من هذه الوعود والتعهدات مطروحة, بل ومكروره في البرنامج الانتخابي لمرشح المؤتمر الشعبي العام.
ورغم ما يسجل لمرشح المؤتمر الشعبي العام الرئيس علي عبد الله صالح من مشاركة في إعادة تحقيق الوحدة اليمنية, ونجاح الحكومة في رصف الكثير من الطرقات وتعبيدها, إلا أن الواقع اليمني يومئ إلى تدني أداء حكومة المؤتمر الشعبي العام وضعف قدراتها, سواء القدرات الاستخراجية والتوزيعية والتنظيمية أم القدرة الاستجابية.

أحزاب اللقاء المشترك, المعارضة والبرنامج
إن أحزاب اللقاء المشترك تعد بمثابة العمود الفقري للمعارضة اليمنية. وعلى الرغم من أننا كثيراً ما كنا نعيب على المعارضة اليمنية اختزال كثير من نشاطاتها في ظاهرة إصدار البيانات المشتركة، والاكتفاء بتوثيق إخفاقات الحزب الحاكم وحكومته، واقترابها من ثقافة الاستضعاف في الغالب، والتركيز على بعض جوانب الوظيفة السياسية من دون الوظائف الأخرى، إلا أن اتفاق أحزاب اللقاء المشترك على مرشح واحد للرئاسة, والمشاركة بروح تنافسية على أهم واخطر منصب وهو منصب الرئاسة اليمنية لدليل على أن المعارضة اليمنية قد غادرت مرحلة الخوف والاستضعاف السياسي، ويبدو أنها ستكون أقرب إلى مرحلة الاقتدار السياسي، خاصة إذا نجحت في تخطي تبايناتها الأيديولوجية، والانتقال من مرحلة “اللقاء” المشترك إلى مرحلة “التحالف” المشترك، بل و “الكتلة” المشتركة.
أما برنامج مرشح اللقاء المشترك للرئاسة فإن أول ما يلفت نظر القارئ لهذا البرنامج مقولة أو شعار “رئيس من أجل اليمن.. لا يمن من أجل الرئيس”. ورغم طموح هذه المقولة وجُرأة أصحابها, إلا أنها تعكس إشكالية الثقافة الاختزالية التي تتسم بها الثقافة اليمنية السائدة، والتي يُختزل فيها الوطن والدولة في الحاكم الفرد وقلة من أتباعه ومريديه.
كما أن ما يسجل لهذا البرنامج تشخيصه الدقيق لمثالب النظام السياسي اليمني، واقتراح الحلول المناسبة. كما أن تركيز البرنامج على المدخل السياسي في إحداث إصلاح شامل يُعد من أهم نقاط قوته ؛ لأن المتغير السياسي (القيادي تحديداً) من أهم مفاتيح التغيير، وخاصة إذا علمنا أن من سمات الحياة اليمنية التحام المتغير السياسي وطغيانه على بقية المتغيرات الأخرى، سواء كانت اقتصادية أم اجتماعية أم ثقافية.
أما ترشيح أحزاب اللقاء المشترك لشخصية مستقلة ممثلة في المهندس/ فيصل بن شملان، فلا يعد هذا الترشيح بدعة، بل يكاد يشكل ظاهرة في الحياة السياسية اليمنية؛ وما ترشيح المؤتمر الشعبي العام لفرج بن غانم، كشخصية مستقلة وتوليه رئاسة حكومة المؤتمر الشعبي العام عقب انتخابات عام 1997 النيابية، وترشيح المؤتمر الشعبي للشيخ عبد الله بن حسين الأحمر, لترؤس مجلس النواب اليمني، إلا دليل على هذا الاستنتاج. ويبدو أن ترشيح شخصية مستقلة من خارج الأحزاب يجد له جذوراً في طبيعة الثقافة السياسية اليمنية ذات السمة التحكيمية، واللجوء إلى طرف ثالث كحل وسط.
أما ما قد يلفت نظر القارئ لكلا البرنامجين الانتخابيين، سواء لمرشح المؤتمر الشعبي العام أم لمرشح أحزاب اللقاء المشترك، فيتمثل في تركيزهما على الأخذ بنظام المجلسين (أو الغرفتين) في تشكيل السلطة التشريعية.
وكاتب هذه السطور لا يحبذ نظام المجلسين بالنسبة لليمن ؛ لأن نظام المجلسين, غالباً ما يكون أكثر ملائمة للدولة كثيرة السكان، شاسعة المساحة, متعددة الطوائف والأعراق، وهذا ما لا ينطبق على اليمن بالضرورة.
كما أن العبرة ليست في تعددية المؤسسات وتكاثرها، وإنما في كيفية تفعيل هذه المؤسسات والعبور بها من الشكل والمبنى إلى الجوهر والمعنى. فتفعيل مجلس النواب الحالي وتمكينه من تأدية مهامه الدستورية خير وأجدى من تفريخ مؤسسة جديدة (شكلية)، وإن اتخذت من مفهوم”الشورى” عباءة، والانتخاب آلية.

معضلة الفجوة بين المنطوق به والمسكوت عنه
على الرغم من احتضان الدستور اليمني لمواد ذات سمة ديمقراطية، إذ ينص على أن “الشعب مالك السلطة ومصدرها”, ويقوم النظام السياسي اليمني على التعددية السياسية والحزبية, بهدف تداول السلطة سلمياً, كما أكد الدستور على انتخاب رئيس الجمهورية من قبل الشعب في انتخابات تنافسية, ويعمل رئيس الجمهورية على تجسيد أرادة الشعب, واحترام الدستور والقانون، كما يشير الدستور إلى أن مدة رئيس الجمهورية 7سنوات ولا يجوز تولي منصب الرئيس لأكثر من دورتين، بل إن الدستور خصص باباً كاملا ً لحقوق وواجبات المواطنين الأساسية؛ وفي هذا السياق، يتعين التوكيد على أنه بالرغم من أهمية الدستور ونصوصه، إلا أن الأكثر أهمية يتجلى في نقل هذه النصوص إلى واقع ممارس ومعاش, بحيث تغدو الدولة مطبقة لهذه النصوص ومسيجة بتفعيل مواده. فالعبرة ليس بوجود دستور يتضمن حقوق وحريات وواجبات المواطنين, بل العبرة في حصول هؤلاء المواطنين على هذه الحقوق والحريات وممارستها, وتأدية الواجبات. ومن هنا, فإن الدولة توسم بـ”الدستورية” حينما يتحول الدستور إلى كائن ممارس ومعاش على أرض الواقع. والمعضلة, هنا، أن الدولة اليمنية لديها فعلاً دستور، ولكنها –للأسف- مازالت بمنأى عن أن تكون دولة ” دستورية “.
أما المسكوت عنه في النظام السياسي اليمني، فيتمثل في كراهية المؤسسية، والخوف من الجوهر والمعنى المؤسسي، والهروب باتجاه الشكل المؤسسي، وإغراق الخطاب السياسي في ما ينبغي أن يكون لا في ما هو كائن، والركون إلى المؤسسة العسكرية بدلاً عن التعويل على مؤسسات المجتمع المدني، والهروب إلى الماضي التليد وأمجاده بدلاً عن العيش في الحاضر بتحدياته ومنجزاته، وغياب الإرادة السياسية في إدارة المجتمع والدولة، وتواري إرادة الفعل والاكتفاء بنحت النصوص وإصدار القوانين و (البرامج) دون احترامها وتطبيقها!

ختاماً:
يحضرني مثلٌ عربي مفاده: ” تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها”. ويا عجبي لمثقف يسترزق بقلمه، ويأكل بتملقه لولي أمره وبتزلفه لسلطانه. ومرحى لشعبٍ يصنع التغيير ويقتنص لحظة الانعتاق من الفساد والمفسدين والمتملقين، ولو عبر صوت في الانتخابات! فلا نامت أعين المثبطين والمنهزمين معاً!!

* رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة صنعاء
[email protected]