الدوبلير – عبد الباقي شمسان

الدوبلير – عبد الباقي شمسان

سألني رجل بسيط، ذات مقيل قديم يعود الى فترة الاحادية الحزبية، عن معنى الديمقراطية، بعد ان نفد صبره وهو يستمع.. كنا مجموعة من الشباب المراهقين نتحاور على طريقة: «عمياء تخضب مجنونة»، فأجبته بزهو وثقة: حكم الشعب نفسه بنفسه. وقبل ان انهي اجابتي الشافية من وجهة نظري، سألني: كيف؟ ودون تردد اجبته مازحاً: اذا تخاصمت انت وشخص آخر لا تذهب الى قسم الشرطة، بل حلها بالتراضي مع غريمك «أخرج لك»!! ضحكنا من الاعماق، وظلت تلك النكتة معي طوال سنوات الغربة حتى عودتي مؤخراً حيث وجدت ان حكم الشعب نفسه بنفسه اضحى اسلوب حياة مقبولاً ومعترفاً به من قبل الجميع وثمة شواهد ومواقف عدة، تندرج في هذا السياق الديمقراطية على الطريقة اليمنية.

* سلمتك بيد الله
قبل ايام توفيت زوجة أحد الاصدقاء نتيجة خطأ طبي في التشخيص. وغيرها كثيرون يغادرون الحياة او يعانون الاعاقة مع كل ساعة وربما كل دقيقة ولم نسمع يوماً بلجنة طبية تناقش الامر على مستوى المستشفى (مع تحفظي الشخصي على التسمية) او وزارة الصحة، ولا نجد اهتماماً من مؤسسات المجتمع المدني وبوجه الخصوص الاعلام الذي لا يفرد مساحة لمتابعة كل قديم وجديد، وان وجد ذلك في صحف المعارضة فإنه يبدو مؤقتاً وفي اطار توظيفي. اما الصحف الرسمية فالتأييد او الصمت منهجها. مثقفون، ناشطو المجتمع المدني.. الخ، يعانون ويسمعون ويشاهدون ولا يحركون ساكناً؛ إما بسبب ادراكهم عدم جدوى ذلك و إما إيماناً منهم بالقضاء والقدر: «مكتوب». ولهذا نقترح شعاراً لوزارة الصحة: «سلمتك بيد الله»؛ تلبية ونزولاً عند النهج المتبع لوزارة الصحة، والعمق الايماني للمواطن اليمني.

* أنت وحظك
شركة نقل بري طويلة المسافات تملك اسطولاً من المركبات وتربح يومياً ملايين الريالات تعمل منذ سنوات بآلية فصَّلتها على مقاسها وفقاً لقانون: « هات وهات وكمان هات!» ولا أدري ما إذا كان ركاب هذه الشركة المعروفة والرائدة، اطلعوا على التعليمات المدونة في الوجه الاخير لتذكرة السفر، رغم ان الاطلاع على الحقوق والواجبات ليست عادة يمنية؛ فتلك الشروط تلغي كل حقوق المسافر، فلها الحق في إلغاء الرحلة دون ابداء الاسباب، ولا تتحمل مسؤولية فقدان العفش، او فقدان تذكرة السفر لأي سبب من الاسباب، ولا.. ولا…. ولا.. ومن جهة ثانية يتضمن سعر التذكرة تقديم قنينة ماء، وبعض ما يسمى خدمات (شريط فيديو) ومع ذلك قد تحصل على ماء وتشاهد شريطاً مستهلكاً وقد تحصل على احداهما وقد لا تجد الاثنتين (على افتراض انها خدمات) امام هذه المزاجية في ظل غياب القوانين والمراقبة والمساءلة تقضم حقوق المستهلك، فلا وجود لثقافة المطالبة والدفاع عن الحقوق ولا وجود لجمعيات حماية المستهلك تغطي كل القطاعات والمساحات، والمهم: انت وحظك.

* مطبات
في الطرق الممتدة من محافظة الى اخرى يواجهك عديد المطبات الترابية الاسفلتية، البشرية، فضلاً عن غياب العلامات المرورية؛ ففي هذه البلاد المحسودة التي لا وجود فيها لقانون رادع ولا متابعة من الهيئات المختصة، يحكم المواطن فيها نفسه بنفسه، فكل من اراد بيع قات، او فواكه او غيرها «او طلع له عِرْق فشرة» أقام مطباً خاصاً به فالطريق والعمر حق الله.

* تاريخ الانتهاء
لا يبدو أمراً خافياً على اغلب افراد المجتمع سوء استخدام المبيدات الزراعية، فضلاً عن وجود أصناف ممنوعة دولياً في السوق اليمنية، ومع ذلك لا نجد مواقف واجراءات تصل الى مستوى الحد الادنى من الاضرار، ونستطيع القول ان عمر الانسان في اليمن محدد سلفاً.
لقد تعمدنا الاشارة فقط لبعض المسائل ذات العلاقة بحياة الانسان (وهي نقطة من بحر) استناداً الى نظريات علم النفس الاجتماعي التي رتبت المطالب الانسانية تصاعدياً: اولها الاحتياجات الاساسية المرتبطة بالوجود والبقاء، وتتزايد تدريجياً كلما تحصل الانسان على سابقتها، فقد يصمت المرء قهراً على المتطلبات المتعلقة بحرية الرأي و.. و…و.. ولكن يندفع مقاوماً بقوة الغريزة اذا ما تهدد وجوده وبقاؤه، وهذا ما أدخل القلق والحيرة من اللامبالاة السائدة والمقبولة حتى تجاه القضايا والمسائل المتعلقة بالحياة والانسان. ونعتقد بأن غياب القانون والمحاسبة والمساءلة وتدني مستوى الدخل ادى الى تفشي الفساد واتساع رقعته ومأسسته وقبوله اجتماعياً، هي عوامل مساهمة في خلق تلك الحالة، اما العوامل الاخرى هي:

* فقدان الثقة
أيام قليلة ويتجه المواطنون اليمنيون الى المراكز الانتخابية لاختيار ممثليهم فهل سيتم اتخاذ قرار الاختيار بناء على معطيات مرتبطة بالبرنامج الانتخابي وبالوعود والخطابات؟ أكاد اجزم بأن المواطن الذي يعاني على كافة الاصعدة فاقد الثقة، بناءً على خبرة طويلة في التعامل مع البرامج والوعود، رغم انه يتمنى ان تتحقق. ومن هنا يتم اختيار الممثلين بناءً على العلاقات الوشائجية، والانتماء الحزبي، والمصالح بدرجات متفاوتة.

* النخب القبلية
تتمترس النخب السياسية والحزبية والاعلامية بقوة وشدة في صراعها ضد المنافس/ المنافسين او العدو، متغذياً ذلك التمترس من ثقافة قاعدية سابقة للثقافة الحديثة الظاهرة، فتصعد قيم تلك الثقافة وتعود عند الاستدعاء الواعي وغير الواعي.
وجوهر تلك الثقافة هو العصبة والعصبية التي قد تكون قبلية، مناطقية، حزبية؛ فقوة حضور تلك الثقافة نفسياًَ واجتماعياً وثقافياً انتقل الى المؤسسات الحديثة، فنجد المناصرة والمنافسة والصراع وفقاً للقرابة الحزبية، وهذا ما يفسر غياب المساءلة والمحاسبة والمتابعة القائمة على الفصل الواعي بين الحزبي التنافسي والوطني، والمهني والاعلامي.

* الدوبلير
ان غياب القانون، والمساءلة والمحاسبة، وتفشي الفساد واتساع رقعته، وتمترس النخب السياسية والحزبية والاعلامية، جعل اليمنيين يبحثون عن دوبلير (بلغة السينما) ذلك الرجل الذي يقوم باداء المشاهد الخطرة مجازفاً بحياته نيابة عن البطل. فالبحث عن دوبلير او ضحية بديلة (بالصمت، والتستر، والتمترس) اصبح سلوكاً شعبياً ونخبوياً حتى لو كان الضحية ذاتنا او الوطن. ونورد هنا نكتة ذات دلالة تقول: ان رجلاً اجنبياً تخاصم مع يمني فضربه هذا الاخير وهرب.. وعاد بعد ايام ومعه جمع من الشخصيات، ومعهم عجل الى أمام بيت منزل الاجنبي، وما ان باشر بذبحه حتى صاح الاجنبي: «ليس هذا الذي ضربني بل ذاك» مشيراً الى الرجل الذي ضربه..
 لقد اتهم اليمنيون فأراً بتهديم سد مأرب، وتستروا على الفاعل. ومن المؤكد انهم سيتهمون عجلاً بتهديم دولتهم الحديثة التي هي على شفا حفرة (…).
ان اول الخطوات باتجاه المساءلة والمحاسبة والاصلاح تبدأ بنقل النخب السياسية والحزبية لتنافسها وصراعها الى ملعب الديمقراطية ومبادئها، من جانب أول، وبمعاقبة الجماهير للمسؤولين على تدهور حالتهم وذلك بعدم انتخابهم تحت أي ظرف كخطوة اولى في الاتجاه السليم.