بين اليمن والخليج – عبدالباري طاهر

بين اليمن والخليج – عبدالباري طاهر

بدءاً ينبغي الايماء إلى أن الجزيرة والخليج جزء من كل، أي من امة عربية.
كثيرة هي الامم الموجودة، ولكن القليل منها هي التي تتوافر لديها مقومات الأمة في المنظور العلمي (اللغة المشتركة والتاريخ المشترك والتكوين النفسي العام ويعيشون على أرض واحدة، وتربطهم مصالح إقتصادية مشتركة. وحتى روابط القرابة بالمعنى البيولوجي فإن الكثير من القبائل العربية من الجزيرة العربية والخليج قد انتشرت في مختلف البلدان العربية، وإن كنا نستبعد رابطة الدم من تعريف الأمة وهو الجذر الذي عولت عليه النازية في تحديد الجنس الكريه، والصهيونية في تعريف من هو اليهودي. إن العروبة في الوعي العربي والرسالة الإسلامية هي اللسان، فالرسول الكريم يقول: “ليست العربية بأم لاحدكم ولا اباً وإنما هي اللسان”).
وقد عرف علماء الدين الإسلامي وفقهاء العربية، الأمة، التي استخدمها القرآن الكريم لدلالات ومعان متعددة حسب السياقات المختلفة. وإن تعريف فقهاء العربية الذي استقر في الوعي بصورة عامة هو أن الأمة هي: كل جماعة يجمعهم أمر ما: إما دين إما زمان واحد إما مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيراً أم اختيارا.
والواقع أن الشرق الأوسط الجديد الذي يروج له المحافظون الجدد ليس معطى من معطيات التجربة الأمريكية، وإنما هو إرث بريطاني طبقته الإمبراطورية في معظم محمياتها ومستعمراتها، وإن كان التوجه الحالي قد يستجيب لمصالح الإمبراطورية الإمريكية الجديدة.
بنيت الدولة القُطرية في البلدان العربية من أحجار الواقع القائم وعقلية الاستعمار القائمة على التفرقة. ترافدت المناطقية والتركيبة القبلية الضاربة الجذور في التربة، مع المصالح والسياسات الإستعمارية- وبالاخص البريطانية- في المشرق العربي، وبالأخص في الجزيرة والخليج. ولكن رغم قيام الدول القُطرية فقد ظلت الوحدة العربية كحقيقة موضوعية أكبر من الإنكار أو الرفض.
أدت هزيمة 1967م إلى تراجع الحركة القومية: البعث، القوميين العرب، التيار الناصري و الماركسي، كمناهج وكتيار سياسي. ولكن الفترة نفسها شهدت ايضاً تحولات مهمة في العديد من المناطق العربية في الجزيرة والخليج. فقد استقلت ج.ي.د.ش في جنوب الوطن في ال30 من نوفمبر 1967م، وانتصرت صنعاء على حصار السبعين يوماً عام 1968م في فبراير تحديداً، واستقلت دولة الإمارات العربية المتحدة في ديسمبر عام 1971م، وانضمت إليها رأس الخيمة كعضو سابع في فبراير 1972م.
وكانت السبعينات بداية تطورات مهمة في المنطقة كلها.

ما بين العام والخصوصية
فكرة الوحدة العربية لم تمنع قيام دولة الكويت عام 1961م بدعم ومساندة الزعيم عبد الناصر لها في مواجهة وضد دعاوى عبد الكريم قاسم. كما دعم وساند كفاح جنوب اليمن ضد بريطانيا، وأدى ذلك إلى إنسحاب بريطانيا من شرق السويس والخليج العربي تحديدا.
في العام 1981م أُعلن عن إنشاء مجلس التعاون الخليجي بعد أن مر بمراحل عديدة.. وكانت الحرب العراقية الإيرانية خلفية مهمة لهذا المجلس.
صحيح أن مجلس التعاون المغاربي قد سبق إعلانه إلا أن الخلافات بين دوله الأهم قد أعاقت عمله وتأثيره.
كان التصور لقيام هذه المجالس- بقطع النظر عن التحديات والتهديدات الخارجية- هو أن الوطن العربي متفاوت في النمو والتطور والثروة. والبلاد العربية- كما يرى مفكر ماركسي مهم هو الأستاذ محمود أمين العالم – تختلف فيما بينها من حيث أشكال الحكم والايديولوجيات السياسية السائدة فيها، ومن حيث الأبنية الاقتصادية المختلفة المتعارضة. فهناك بلاد يغلب عليها الطابع العشائري أو القبلي، وهناك بلاد عربية يغلب عليها تعدد الأجناس والقوميات، بل تعدد الطوائف الدينية، وهناك بلاد عربية ملكية، واخرى جمهورية. وهناك بلاد عربية نضجت فيها التمايزات الطبقية وأخذت تتحدد وتتشكل قسماتها المتميزة، على أن هناك بلاد عربية اخرى ماتزال تتداخل فيها الأبنية الاقتصادية والإجتماعية السابقة على الرأسمالية.. وهناك إختلافات في مستوى المعيشة. وهناك اختلافات في عدد السكان واختلاف في مستوى التطور الثقافي العام والحضاري، والاختلافات في الإنتماءات السياسية سواء الداخلية منها أم الدولية.
إن هذا التفاوت والإختلاف الواقعي والموضوعي هو ما فرض ويفرض السير نحو تجمعات ومجالس تقف على ارضيات مشتركة ومتقاربة. واذا ما استثينا المجلس العربي للتعاون والذي ضم العراق والاردن ومصر عام 1989م واتخذ شكل الحلف العسكري، فإن بقية المجالس: المجلس المغاربي، ومجلس دول الخليج، تتوفر لها هذه الأرضية.
صحيح ان استبعاد العراق واليمن، وهما ركنان أساسيان في الجزيرة والخليج، قد تم في الماضي لاسباب جوهرية، وهي انخراط العراق في حرب مع ايران، وانقسام اليمن بين شمال وجنوب (دولتان مصارعتان حد المواجهه).
نود الإشارة إلى أن التوحيد لأي جزء من المنطقة العربية قد نظر إليه كخطوة متقدمة وكعمل حضاري: قيام العربية السعودية مطلع القرن الماضي، الامارات العربية المتحدة عام 1971م، الوحدة اليمنية 22 مايو1990م. ومن هنا فإن قيام مجلس التعاون الخليجي عام 1981م في حمى الحرب العراقية الايرانية قد مثل خطوة وحدوية مهمة باتجاه المستقبل والعصر والوحدة العربية المنتظرة.
ويبقى انضمام أي دولة من الدول الرئيسة في المنطقة يرفد هذا المجلس بقوة بشرية وإمكانات اقتصادية وبعد سياسي وحضاري.
وحسنا تفعل دول المجلس بقبول اليمن في عضويتها ومساعدتها على التطور الضروري للتوافق العام مع شقيقاتها الخليجية. فاليمن -كالعراق- جزء أساس من الواقع الجغرافي والمجتمعي والنسيج العام الحضاري والتاريخي والثقافي والأدبي.