رسالة تضامن إلى زملائي الدكاترة العاطلين في دولة المؤسسات والاستراتيجيات العظمى – أبوبكر السقاف

رسالة تضامن إلى زملائي الدكاترة العاطلين في دولة المؤسسات والاستراتيجيات العظمى – أبوبكر السقاف

“إن الجامعات العربية تطرد بانتظام أفضل علمائها، وتعرض عليهم حياة غير مجدية في الوطن العربي ولعل أشد وأغرب أشكال هدر الكفاءات ما يحدث في اليمن السعيد، وهو ما جعل صحيفة “الوطن” الكويتية تنشر في 18/1/1989م خبراً تحت عنوان مثير “دكاترة اليمن بلا عملـ” ولم يكن هذا الخبر الا نقلاً لنص رسالة وجهها ثمانية عشر دكتوراً يمنياً الى رئيس مجلس الشورى سابقاً الأخ عبدالكريم العرشي، ونشرت في مجلة “الحكمة”، وقد شكوا حال ثمانية وأربعين دكتوراً منعوا من العمل في الجامعة “ارجع ان شئت الى: أبو بكر السقاف، الديمقراطية والإصلاح في الجامعة (=جامعة صنعاء)، الحكمة، عدن، أغسطس 1990م، ونشرت الرسالة والموضوع في الحكمة بعد تعذر نشرها في (ج. ع. ي) ومن بين الذين حظر عليهم العمل في الجامعة الزميلان على محمد زيد، ومحمد المخلافي، الأول عدناني والثاني اشتراكي والعياذ بالله منهما معاً. والجدير بالذكر أن مدير جامعة صنعاء هدد الثاني بإرساله الى الأمن الوطني في حال استمراره في المطالبة بحقوقه مع زملائه، الأول تمكن بعد فترة من الالتحاق باليونسكو، وهاجر عدد كبير من الذين وقعوا الرسالة.
العلم ينشأ عندما توجد طبقة في المجتمع يصبح في نظرها مطلباً اجتماعياً وأساسياً للدولة والمجتمع، وعندئذ يغدو قوة إنتاجية وينتج مبادئ تهذيب ورقي في الأفراد وفي الجماعات تمكن الجميع من مراكمة خبرات قانونية وأخلاقية وإدارية تتكامل في ما يسمى نهضة وحضارة، والحال أن كل أنظمة الحكم العربية بلا استثناء ليست لديها أية فكرة عن النهضة والحضارة ولو في المنام، ولذا فإن التعليم العام والعالي حتى عندما تنفق عليه الأموال الطائلة، وهي هزيلة إذا ما قورنت بما ينفقه العالم المتحضر والناهض أو العدو الإسرائيلي الذي يحتل المكان الأول حتى العام 2005م في الإنفاق على العلم. الانفاق على التعليم في المجتمعات العربية يهدف الى تنظيم القمع في المقام الأول، وفصل التعليم عن المجتمع وربطه بجهاز الحكم، ليس إلا أحد جوانب إستراتيجية القمع الشاملة. ومالكو الأنظمة يعلمون أن رسالة التعليم التحريرية أخطر عليهم من أية ثورة أخرى، فأصبحت المدارس والجامعات سجوناً للتدجين والقمع وتزييف الوعي وصنع الطاعة، وهم يعرفون أن تحرير التعليم هو المقدمة الكبرى لتحرير المجال السياسي ومجال المجتمع المدني من أغلالهما. وقد توصل بحث جماعي أجري في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات بإشراف منتدى الفكر العربي، عمان، الى النتائج التالية فيما يسمى التعليم – رسمي العربي، ومن سوء حظنا أن كل التعليم رسمي باستثناءات قليلة لا تؤثر في الحصيلة النهائية:
1 – يركز على الماضي و يهمل المستقبل.
2 – يركز على الحفظ والترديد وليس على التفكير والتحليل.
3 – يدعم الامتثال والتقليد ويحارب الابتكار والتفرد.
4 – يدعم القهر والتسلط ويناهض الاستقلال والنقد.
5 – يمجد الحصول على الشهادات، والاعتماد على الوظائف الحكومية، ولا يشجع التعليم والاعتماد على النفس.
6 – يشجع على الاستبداد والخنوع والسلبية وليس على المشاركة والديمقراطية والمبادرة.
وتبقى كلمات الملك الراحل حسين التي أطلقها في تلك الأيام، حتى اليوم خدمة شفهية، فقد قال إن المستقبل مرتبط بتعليم المستقبل. وهذا يؤكد أن قضية التعليم في مركز قضية التغيير والثورة والنهضة، وتضاهي في محوريتها قضية التغيير أو الثورة السياسية. (إن شئت ارجع الى: أبو بكر السقاف، فلسفة وأهداف التعليم قضايا العصر، عدن، يناير/ فبراير 1993م)، وقد أوجزت في تلك الصفحات فكرة مفادها أن التعليم العام والعالي: منطقة كارثة وطنية، وطالبت بالكف عن التخريب المستمر، والشروع في تدريس العلوم تدريجياً بالعربية، وقبل ذلك كله حرية البحث والتفكير.
تزايدت وتيرة طرد الكفاءات من مجال التعليم العالي في السنوات الأخيرة، وإذا كانت شهادة حسن السيرة والسلوك وسيلة الطرد الأولى فإنها كادت أن تختفي بعد الوحدة، ثم عادت مقنعة بعد الحرب (1994م) وأضيف إليها تمييز رسمي لأبناء الجنوب لأسباب سياسية فاقعة، فهم غير موثوق بهم في مسألة محورية الولاء للنظام والذي يضع علامة التساوي بينه والوطن، والدولة والوطنية، وذلك على طريقة الدولة السلطانية.
ومن أسباب تزايد وتيرة الطرد عودة مبعوثي الأمن السياسي للدراسات من البلدان العربية وضرورة التحاقهم بالجامعات اليمنية.
وقد حررت في السنوات الأخيرة عدداً من رسائل التوصية لطلاب يريدون مواصلة دراسات عليا في الخارج ولزملاء جاءوا بشهادات دكتوراه للعودة الى المهجر. وكنت حتى عهد غير بعيد أنصح ان طلب مني النصح -بالبقاء في الوطن؛ ولكني أدركت أني ربما أكون بذلك أعين النظام القائم على قمعهم باسم فائدة للوطن مؤجلة يمكن أن يقدموها في زمان قادم، بينما يهدر زهرة العمر في مناخ المذلة والكآبة والإحساس بأن وطنهم لا يحتاج اليهم وأنهم فائضون عن الحاجة.
ان الجديد الذي طرأ على التعليم العام والعالي هو المدارس والجامعات الأهلية، وهي لا تكتفي بتكرار أخطاء المدارس والجامعات الرسمية، بل تضيف خطاياها المدمرة فإذا كانت الرسمية قد اقتربت من إلغاء مجانية التعليم بما تفرضه من رسوم وبتخليها عن تقديم الكتب في الجامعات للطالبات والطلاب، فإن الأهلية قد جعلتهم جزءاً من سوق العرض والطلب، ولأن هدفها هو الربح في أكثر أشكاله بدائية وهي لم تكلف نفسها مشقة استقدام أو إعداد ملاكاتها (كادر) الخاصة؛ إذ تعتمد على أساتذة ومدرسين الجامعات الرسمية، ويجري تدمير الأداء العلمي في الطرفين. وقد سجلت الأهلية رقماً قياسياً في اهدار قيمة الشهادات العلمية ما بعد الجامعية، فمبلغ عدد من منحوا درجة الماجستير فيها -قبل نحو أربع سنوات- نحو ضعف من منحوا الشهادة نفسها في الجامعات الرسمية التي سبقتها في التأسيس بنحو ثلاثة عقود من السنين.
أما البحث العلمي فهو غائب فيها جميعاً، وكيف له أن يوجد إذا كان التدريس متدن ويقع دون المتوسط العربي والدولي؟!
وإذا كان التعليم الأهلي في المجالين: العام والعالي، ومفيداً؛ فإن الفائدة لا تأتي إلا بتوافر شروط علمية وتربوية وفكرية صارمة، وهي غائبة فيها وفي التعليم الرسمي.
وهذه القضية ينظر إليها في حمى الخصخصة على أنها جزء مكون من تحرير السوق بينما الحال في العالم في هذا المجال ليس كذلك، فأمريكا الشمالية -مثلاً- تقوم الدولة فيها ب75% من أعباء البحث العلمي، لأن الدولة هناك وهنا وفي كل مكان لا يمكن أن تكون فقط جابياً للضرائب، وجهازاً يحتكر حق استخدام القوة العلني، وشن حروب الدفاع والعدوان.
إنها ترعى الثقافة باعتبارها تنظيماً اجتماعياً للمعنى وتبني حضارة ويتماسك بنيان سكانها لوعي أخلاقي وقانوني مشترك.
أردت لهذه الصفحات أن تكون مدخلاً لإعلان تعاطفي وتضامني مع الزملاء الذين شكلوا لجنة ترعى شؤون الدكاترة العاطلين، وإني معجب جداً بهذه الخطوة، التي أتمنى أن يقلدهم فيها كثيرون في مجالات متنوعة، فالجهد الجماعي وحده هو الذي يثمر في النهاية، كما أنه حقل التدريب الحقيقي لبناء ما يسمى بهيئات المجتمع المدني التي أرى أن تقوم على ضرورات محلية داخلية، وتعتمد على جهد ذاتي بتمويل ذاتي محلي، وتبنى من القاعدة، ويبدو لي أن عدم إدراكنا ومنذ الخطوة الأولى بأن المجتمع المدني ليس مدخلاً لبناء المجتمع السياسي، بل يستحيل قيامه في غياب الشرط السياسي، لأن الهدف -لاسيما في المجتمعات العربية، لخصوصية تاريخ السياسة فيها- هو أن لا نجعل من وجود منظمات المجتمع المدني شاهد زور يدعم النظام السياسي القائم، كما أن فشل نحو سبعين ألف هيئة ومنظمة لما يسمى بالمجتمع المدني في المجتمعات العربية في تحقيق أية زحزحة للسياسي والمدني، دليل على أنها قائمة على أسس واهية وغير صائبة وأنها تصب الماء في طاحونة النظام/ الأنظمة، سواء أكان على رأسها أمير “يغني بفلوسه” أو جامع زكاة يحول سير النشاط من المدني الى الديني، أو مناضل تعب من حياة العناء ليستريح في أريكة المجتمع المدني، أو مخبر أو رجل أمن أصبح خطيباً ديمقراطياً ليبرالياً مصقعاً، و”ثرثارة في كل ناد يخطبـ” وهذا كله من شأنه أن يحرف المسار عن حقيقة أساسية وهي أن السياسي والمدني لا يكونان إلا معاً.
كيف يكون للمجتمع المدني وهيئاته وجود، عقل الأمة أي الجامعات يحكمها الأمن السياسي وبعضها رؤساءها ضباط كبار في الأمن؟! إذ يحظر قانون الجامعات (آيار/ مايو 1995م) على الأساتذة انتخابات رئيس جامعتهم، والعمداء، ورؤساء الأقسام، بينما يتمتع الطلاب بحق انتخاب هيئة إدارة اتحادهم. وهذا القانون سلب أعضاء هيئة التدريس حقاً مارسوه قبل الحرب فانتخبوا عمداء الكليات وطالبوا بانتخاب رئيس الجامعة. أصبح التعيين حاكماً فأصبحت جامعة صنعاء تدار (بغرفة عمليات) في الجامعة تتصل رأساً بالأمن والداخلية. ونشرت هذه الأخبار في صورة وثيقة رسمية وزعها اتحاد الطلاب بجامعة صنعاء قبل نحو ستة أشهر، و لا يزال الأمن السياسي جاثماً عليه.
ثم لكي تكون لجنة الزملاء العاطلين مستقلة وتعتمد على نفسها، أقترح تنظيم حملة تبرعات عامة وإقامة سوق خيرية تكون حصيلتها نواة ميزانية تمول نشاطها.
أعرف أن الطبقة التجارية مدمجة في النظام، وأنها ليست حتى الآن طبقة لذاتها، وما تتبرع به للمجالات الإنمائية إعلان ولاء وطاعة. ورغم ذلك أظن أنهم يملكون هامشاً للحركة المستقلة، وأوجه انتباههم الى حقل أهملوه، فهم في ذلك كالقطاع الخاص العربي عامة، عازفون عن الاستثمار في المعرفة. بينما نشط فيه منذ وقت طويل ممثلو الإسلام السياسي وجعلوا منه في وقت واحد استثماراً ومشروعاً جهادياً.
جميل ان ترصد بعض البيوت التجارية جوائز للبحث العلمي، بيد أن الأولوية في بلاد كاليمن يجب -أن تكون ان أردنا أن نبدأ بداية صحيحة- لإنتاج العلم وتوطينه في التربة المحلية. وأعلم ان هذا طموح عجزت عن اجتراحه كل المجتمعات العربية*، رغم ان بداية محاولات بعضها ترجع الى نحو قرنين منا لزمان؛ ولكني أقصد البداية المتواضعة في إقامة بنية أساسية سليمة تستفيد من علوم وتكنولوجيا العصر.
لماذا لا يبدأ بيت تجاري أو عدة بيوت بالتشاور مع لجنة الدكاترة العاطلين لبحث إمكان إنشاء كلية للعلوم والآداب، تولي اهتماماً خاصاً لتكنولوجيا المعلوماتية والاتصال والبيولوجية الجزيئية، والاهتمام بالدراسات والعلوم البيئية وفلسفة العلوم، التي أصبحت رائدة في الغرب (=أوروبا وأمريكا) في مجالات الاقتصاد والثقافة وعلم الإجتماع والسياسة والاتصال بإحدى الجامعات أو المعاهد العلمية الأوروبية ضرورة وذلك للاستفادة والعلم والاستئناس بالرأي للوصول إلى الصورة المثلى للاستفادة.
ان اقتصاد المعرفة أصبح منذ سنوات فرعاً هاماً وخطيراً في عالم اليوم، ومجتمع المعرفة يتعذر تصوره بدونه.
لا أريد لزملائي العاطلين أن يحبسوا أنفسهم في عالم جهاز الحكومة الخانق والعاجز، بل ان يبحثوا عن حلول في المجتمع، وان يستمروا في توجيه النقد الى السلطة القائمة لأنها لا تقوم بأخطر واجباتها: رعاية وإنتاج العلم والارتقاء بالتعليم وتنظيم المعرفة والخبرة الجماعية.
ومرة أخرى لكم أيها الزملاء الأعزاء تقديري وتعاطفي وتضامني، وتحية لمبادرتكم الشجاعة والزكية، وأرجو أن يحذو حذوكم كثيرون في مجالات عدة تنتظر تنظيم المطالبة والاحتجاج والمقاومة. أرجو التكرم بنشر عنوانكم البريدي وهاتفكم وبريدكم الالكتروني.

20/8/2006

* أنفقت العالم العربي في السنوات الثلاثين الأخيرة نحو (1000) مليار دولار في مشروعات تسليم المفتاح، أي نحو عشرين ضعفاً لما أنفقه مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
يا لها من تبعية راسخة!! (راجع إن شئت: عدنان بدران، وضع العلم والتكنولوجيا في المنطقة العربية، تقرير اليونسكو الإقليمي، بالإنكليزية،الأردن، 2004).