الفندم الأستاذ !

الفندم الأستاذ !

* سامي غالب
ازدهرت في اليمن مؤخراً تجارة “الوطنية” التي كانت قبل سنوات قليلة حكراً على السياسيين في العاصمة، حكماً ومعارضة.
لكن “السياسة” في اليمن تخلت في فبراير 2009 عن آخر مجالاتها واستثماراتها عندما تقرر تأجيل الانتخابات البرلمانية عامين كاملين، ثم ما لبث أربابها أن فقدوا لغتها، ومنطقها وممكناتها، فتقدمت “العسكرتاريا” بما هي المالك الأصيل للسلطة، لملء “الفراغات الوطنية”!
* سامي غالب
ازدهرت في اليمن مؤخراً تجارة “الوطنية” التي كانت قبل سنوات قليلة حكراً على السياسيين في العاصمة، حكماً ومعارضة.
لكن “السياسة” في اليمن تخلت في فبراير 2009 عن آخر مجالاتها واستثماراتها عندما تقرر تأجيل الانتخابات البرلمانية عامين كاملين، ثم ما لبث أربابها أن فقدوا لغتها، ومنطقها وممكناتها، فتقدمت “العسكرتاريا” بما هي المالك الأصيل للسلطة، لملء “الفراغات الوطنية”!
وقد أُعلن، مؤخراً، عن هيئات وجمعيات وملتقيات تتصدى للدفاع عن القيم والرموز الوطنية، وتتوسل “الرقي والتقدم” في يمن يتلظى بنار الأزمات الوطنية الكبرى. والقاسم المشترك الأعظم بين هذه الهيئات، يكمن في أشخاص مؤسسيها، فهم في الغالب شباب يمتون بصلة قرابة، بيولوجية أو جغرافية، إلى رئيس الجمهورية، ويشغلون مواقع عسكرية وأمنية رفيعة، ويمارس بعضهم، علناً، أنشطة تجارية
ولأن وطن ال22 من مايو، بتعاقب الإقصاءات منذ اليوم التالي لإعلان الجمهورية اليمنية، آل إلى “بقعة مسورة”، في الشمال قبل الجنوب، فإن الوطنية في وعي هؤلاء لا تعدو كونها طنطنة لفظية، وزراكش ملونة تزين الساحات العامة والمرافق العامة والخاصة.
ولأن لكلٍّ من مهنته نصيب، فإن لغة هؤلاء أوامرية إملائية تقتضي من الجميع الانصياع والمباركة، وإذا مانع أحد برأي متشكك أو ناقد، يكون حاقداً أو مريضاً نفسياً، عليه أن يغادر البلد لتلقي العلاج، وهذا بالضبط ما نصح به رئيس ملتقى الرقي والتقدم (أركان حرب الأمن المركزي) المتشككين في نجاعة مشروع قانون العلم الذي تقدم به إلى الحكومة في إعلاء قيم الوطنية.
الوطن بعد 20 سنة من تجسد “الوحدة” بما هي الوعد الكبير بالخلاص من العذابات، يتم اختزاله الآن في مجرد “خرق- تهزها الريح، يمنة ويسرة”، وشعارات جوفاء تتوسل تغطية التصدعات في جدار الجماعة اليمنية، وإلا فساحات محاكم وزنازن تضيق بالناقدين.
كذلك يتردى اليمن إلى دور الحضيض، وفيه تفيض القوة الغشوم بجهالاتها وجهالها، على اليمنيين، وفيه تنعدم الفروق بين واجهات “دولة الغلبة”، ويبلغ المزج البنياني في أجهزتها و”مؤسساتها” ذروته، فيصير “الفندم” أستاذاً -لندع بالسكينة للأستاذ النعمان في قبره- يلقي دروساً في “الوطنية”، ويتملقه، طلباً لمباركته وذهبه، مشائخ وأنصاف مثقفين وأكاديميون والزواحف من الكتاب والصحفيين.