في يوم التراث العالمي 18 أبريل: ألا يتحول التنوع إلى أيديولوجيا الصوت الواحد؟

في يوم التراث العالمي 18 أبريل: ألا يتحول التنوع إلى أيديولوجيا الصوت الواحد؟

قراءة في أحوال تراث اليمن
لا يختلف اثنان على أن اليمن تمتلك مخزوناً هائلاً وثرياً متنوعاً من كنوز التراث الثقافي الإنساني في كل أشكال التراث المادي واللامادي، ورغم ذلك فإنها لا تعير التفاتاً لليوم العالمي للتراث الذي يصادف 18 أبريل من كل عام، وتحتفل به، في الوقت الذي تسارع فيه الدول والمنظمات الشعبية والجماهيرية في العالم، للاحتفاء بهذا اليوم، بل وفي كل يوم لعرض تراثها والتعريف به، لتوسيع قاعدة المشترك الذي يتسع كل الأطياف.
أروى عثمان
ولعل دول الخليج تشكل نموذجاً في هذا المنحى، فهي تحتفل بهذا اليوم، وتدعو المهتمين والمشاركين، وتصرف الملايين من أجل توثيق تراثها، ونشره في المحافل الدولية، وتعمل على إيفاد الباحثين والمهتمين لمراكز التراث الحضاري في العالم للدراسة، وتعلم الجديد في هذا المجال، وتقيم العديد من الفعاليات والمهرجانات الضخمة، وتستدعي الكثير من المتخصصين.
وفي اليمن لا يكاد هذا اليوم 18 أبريل، يعرف، حتى بالنسبة للمثقفين والمهتمين، ذلك لأن معرفتنا بتراثنا فقيرة للغاية، إن لم تكن غائبة.
***
متاحف اليمن: تدمير، نهب منظم،  قوارض آدمية وحيوانية
فالتراث الحضاري واللامادي في بلادنا مهمل، ويستفحل الإهمال من سنة لأخرى، ولا يكاد هذا التراث يذكر في أجندة الحكومة بمؤسساتها المختلفة، فلا متاحف جديدة تنشأ، أو في طور الإنشاء، وما هو موجود عرضة للاندثار والإغلاق، كما هو حال العديد من المتاحف التي أغلقت، مثل: متحف التراث الشعبي في أمانة العاصمة، الذي أفرغت محتوياته بالنهب المنظم، والمتبقي منها مرمي في “بدروم” المتحف (سابقا)، لتفترسه القوارض، والأشد خطورة القوارض الآدمية.. وها هو “المتحف” يدخل عامه السابع، وهو مغلق بحجة الترميم، الذي لم ينتهِ حتى اللحظة.
***
حرب 1994: طغيان صوت الأيديولوجية.. استباحة مجانية للذاكرة
ولا ننسى، أيضاً، ما تعرضت له متاحف مدينة عدن، من نهب وسلب في حرب 1994، ومؤخراً حادثة السرقة الكبيرة للمسكوكات النقدية التي لا تقدر بثمن. ولا تنتهي القائمة حيث لم تقتصر عوامل الإتلاف والنهب المنظم على المتاحف بقدر ما طاولت المساجد التي أفرغت من محتوياتها، كالمخطوطات وغيرها.
إن هذه الاستباحة المجانية العابثة لذاكرة البلاد ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، في ظل ثقافة اللامبالاة الغرائبية، من كل الأطراف، وأهمها مؤسسات الدولة، والحكومة بدرجة أساسية.
***
“عكفة” تتسيد ذاكرة المتاحف والفنون
لقد تحولت ذاكرة البلاد إلى سلعة رائجة تدر الملايين على المتنفذين و… الخ في ظل عدم وجود قوانين حازمة تعاقب كل عابث.
وعلى خلفية ذلك تسيدت متاحف البلاد، المركزية القاتلة لـ”نخبة” من (العكفة) –القبيلي حين يتعكسر- تدير المتاحف بمزاجية واعتباط، فهي نخبة عجيبة، لم تكلف نفسها عناء البحث عن الجديد في عالم وعلوم المتاحف، بقدر ما جعلت من المتاحف متنفسات للعناكب، فحتى اللحظة، مازالت آلاف المقتنيات، والمخطوطات تتكدس في بدرومات المتاحف. متاحة لعبث كل من هب ودب، من هوام آدمية وحيوانية.
في الألفية الثالثة، مازالت متاحفنا تعمل بآلية متاحف القرون الوسطى في ظلاميتها، وبدائيتها، وبداوتها، فلا تأهيل، سوى ما ندر، ولا أبحاث، ولا مجلات متخصصة تعنى بالمتاحف، أما القدرات البشرية العاملة فيها، فهي طاقات استنفدها الإحباط المركب.. متهالكون ألماً وفجيعة، على ما آلت إليه كنوز اليمن من دمار.
أما المتاحف الصغيرة، المتناثرة في أصقاع اليمن، وتعتمد على جهود فردية بحتة، فتعاني الإهمال والموت السريري، وقد تحول بعضها إلى تكايا إحباط، وهمّ يأكل الجميع.
***
التراث اللامادي: لا معاهد للموسيقى، وفنانون في انتظار الجلطات والسكتة القلبية
لا يتوقف الأمر عند المتاحف، بل إن التراث اللامادي كالتراث الموسيقي عرضة للنهب، والتلاشي المنظم، فلا معاهد متخصصة، كـ”المعهد العالي للتراث الموسيقي” أسوة بدول الجوار، وما كان موجوداً، رغم تواضعه، أغلق، كمعهد جميل غانم، الذي تم افتتاحه قبل أشهر من قبل وزير الثقافة، لكن تظل المعاناة من الإمكانيات الشحيحة سبباً يمكن أن يفضي به حتماً إلى الإغلاق نهائياً. وكذلك هو حال معهد التوثيق الموسيقي في العاصمة صنعاء، الذي لا نكاد نسمع عنه شيئاً.
أما ما يتعلق بالأكاديميين الذين تخرجوا من أرقى الجامعات العالمية التي تعنى بشؤون الموسيقى، والفلكلور، فهم يشتغلون بأدنى الإمكانيات، أو يلتزمون بأحكام الإقامة الجبرية في بيوتهم ينتظرون دورهم للانتقال إلى جوار ربهم بالجلطات والسكتات القلبية، وحالات الاكتئاب المزمن. وقوافل الفنانين والموسيقيين الذين يرحلون دون أن يطرف للحكومة جفن، شاهدة حية على كل ما يحدث.
***
السلطة الحاكمة: تخريب منظم لتراث التنوع.. ولا سينما في اليمن
في هذه المناسبة، 18 أبريل؛ اليوم العالمي للتراث، وكمهتمة بالتراث، أحمل السلطة، وأجهزتها الحكومية، بمؤسساتها المختلفة: وزارة الثقافة، ووزارة السياحة، ووزارة الإعلام… الخ، مسؤولية ما يحيق بذاكرة البلاد في طول البلاد وعرضها، من خراب وتدمير وعبث بهذه الكنوز الإنسانية (التراث المادي واللامادي) الحافل بالتنوع والتعدد، ذلك أن السلطة هي التي حولت الشأن الثقافي ترفاً، وأخرجته عن كونه ضرورة إنسانية، فأحجمت عن دعمه، بل وهمشته، حد الاستئصال، فلم تشجعه لتجعل منه ضرورة اجتماعية ملحة: في المدرسة، والجامعة، والشارع، فسيّست كل ما هو ثقافي، وحولت موتيفات الموسيقى وأداء الرقص إلى مناسباتي، وأفرغته من مضمونه الجمالي والوظيفي، وأصبح الثقافي –التراثي سياسياً شعاراتياً، ودعائياً مجانياً، وزادت الأمور سوءاً بعدم مسارعتها إلى إيقاف تلك الحملات المسعورة التي اجتاحت مدن اليمن وأريافها لوأد الفنون من الرقص، والغناء، والمسارح، فأغلقت دور السينما برمتها في كل أصقاع اليمن، وشاركت، مع بالغ الأسف، في تمويت الثقافة والفنون، وكأن هناك قراراً سياسياً ضمنياً، تعاقدياً مشتركاًَ بين السلطة والجماعات السلفية المتطرفة والقبائلية التي اجتمعت وتوحدت على تقتيل كل أشكال الفن والثقافة والتراث، وأهمها الإنسان المبدع لها، فاختفى الغناء، والرقص، والأزياء، والكرنفالات، والموالد وحلقات التصوف،… الخ، وما يمارس منها في نطاق ضيق أو في حفلات الأعياد الوطنية، وجعلت من منظومة الإنشاد الديني وحده، هو لسان حال الثقافة والتراث، والحياة في اليمن.
***
أسلمة الفنون، صوت الإنشاد الجنائزي هو الصوت الطاغي في الفرح والمأتم
هذا الاستئصال السافر، لم يقضِ على أشكال التراث، بل قضى على إنسانية الإنسان، وحوله إلى كائن مكتوم، لا يتنفس، وقضى على التنوع في الفنون المختلفة في مناطق اليمن. في هذا السياق انتعشت الأيديولوجيات، والهويات المتقاتلة، واختزل التعدد إلى لون أحادي مارشوي إسلاموي، فأسلمت كل الفنون، بل ومنع كل تطريب.
***
الأفغنة.. وتجريم الفنون والفلكلور
وتبعاً لذلك طفحت أعراض الأفغنة في المدارس والجامعات، والإعلام، والشارع والمراكز… الخ، وتحولت المتنفسات إلى ثكنات ملغومة تمنع الفنون، وتشجع وتدعم اللون الواحد.. فعروض الأزياء، والغناء أنيطت بأطفال صغار بالكاد يتهجون مخارج الألفاظ، وكأنما عارٌ على المرأة البالغة أن تؤدي وصلة غنائية، أو عرضاً لزي شعبي. في هذه المذبحة، تم إقصاء الفنانات، والراقصات، والاستعراضيات، وجرمتهن بأوزار العيب والفتوى، ولم يتبقَّ من الجيل الأول سوى فنانة أو اثنتين، من الفرق الوطنية الشعبية للفنون، تتباهى بها مؤسسات الدولة لتقديم العروض الفنية في الخارج، بهدف الترويج السياحي، أما الترويج في الداخل، فهو ممنوع ومحرم، ليس هذا فحسب، بل صارت أولئك الفنانات يتعرضن لهضم حقوقهن في المؤسسات التي يعملن بها.
***
اختفاء صوت النساء
لقد أصبحت ثقافة الضجيج السياسي المأتم هي التي تطبع حالنا وأحوالنا في الريف والمدينة، بسبب سياسة المنع والتجريم، فمنعت أغاني ومهاجل الزراعة، والبناء، والمواويل، وخصوصاً صوت النساء في الجبال والوديان، ولم يعد يمارس منها إلا أقل القليل، وعلى أضيق نطاق.
***
صناعة العيب والفتوى: جامعة الإيمان تحكم إيقاع الحياة في اليمن
لقد تعممت صناعة العيب سياسياً واجتماعياً، واستقوت هذه الصناعة بالفتوى ضمن عملية تدنيس وحجب واسعة لثقافتنا الفلكلورية، التي انهالت عليها معاول التكفير والتفسيق، وبذا تشعبت وتجددت صناعة الفتوى، وأصبح تراثنا ومتنفسنا، بين فكين خانقين: مارش وطني دعائي، ومارش فتووي –ديني، فضاع جمال التراث الإنساني، وإشعاعات البهجة والفرح كمولدة لطاقات الإنسان، وجرى منح الامتيازات للفتوى، في الإعلام المحلي، وأصبح كل ما تقوله “جامعة الإيمان” بمشائخها ودعاتها القدماء والجدد، هو الصوت الطاغي في اليمن، والصوت الذي يراد له أن يتحكم بكامل إيقاع حياتنا، في كل بقعة من الأرض اليمنية ريفاً وحضراً.
فقد حرمت الصورة، الحركة، الصوت، والإيقاع، وتفجر المجتمع بعدوانيات مختلفة تصل إلى الدموية، ويحدث ذلك ببساطة لأنه لا يتنفس، والمجتمع الذي لا يتنفس يأكل بعضه، ويأكل الآخر في طريقه.
***
باسم يوم التراث العالمي 18 أبريل: رد الاعتبار للبهجة.. لرقصات “رنين الحجولـ” المرأة
في هذا اليوم العالمي للتراث 18 أبريل، والمقر من قبل منظمة اليونسكو، نحمل السلطة التي تهاونت في حماية التراث الحضاري، والشعبي، ودعمه وتشجيعه، وصناعته –أيضاً، المسؤولية عن هذا الذي يحدث. ولا نملك في هذا اليوم العالمي، إلا أن نرفع صوتنا عالياً باسم الإنسان المبدع للتراث، وإيقاعاته، وتنوعه، وتعدد أشكاله في الريف والمدينة، وللطوائف المختلفة في الجنس، والشكل واللون، والدين، للبدو والحضر.. مطالبين برد الاعتبار للإنسان اليمني، لأن يتنفس بطلاقة، في فضاء مفتوح عامر بالبهجة والمحبة، رد الاعتبار للحياة المدنية في اليمن، لدولة المؤسسات والقانون، رد الاعتبار للثقافة، الفن، المسرح، الرقص، الغناء، البهجة، الكرنفالات المتنوعة، الفكر، الحركة، والموسيقى.. وأخيراً رد الاعتبار للمرأة مبدعة أشكال التراث، وحاميته، أن تصنع لوحة اليمن بجانب أخيها الفنان، وجه اليمن المشرق، الذي لن يكون إلا بالفن والثقافة، برقصات رنين الحجول.
 

المراسلة:
خطوة أولى لحماية تراثنا الشعبي، اجمع ودوِّن ما تستطيع جمعه من تراث، وأرسله إلى بيت الموروث الشعبي، صنعاء، باب البلقة، ص.ب: 33081، فاكس: 482178 أو الموقع: yemenifolklore.org.

18 أبريل 2010
[email protected]