لم يعد لدينا نوايا حسنة – محمد أمين الميداني*

لم يعد لدينا نوايا حسنة – محمد أمين الميداني*

يحاول كل منا، ومن موقعه وعمله، أن يساهم، ولو بشكل متواضع وبسيط في تنبيه الرأي العام العالمي، وتحريك الضمائر الحية، ولفت الأنظار إلى ما يحدث من قتل وتدمير وتخريب ونزوح في لبنان، ناهيك عن الأوضاع في الأراضي العربية المحتلة وما تشهده هي الأخرى من اغتيالات واعتقالات وتضييق وحصار.
ولعل ما جرى على مسرح الأحداث العالمية، خلال الأسبوع الماضي، بدءاً من تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة السيد كوفي عنان بتاريخ 8/8/2006م في رسالة بعث بها إلى مجلس الأمن موضحاً بأن “الاعتداء القاتل الذي شنته إسرائيل على قرية قانا قد يشكل نمطاً لانتهاكات القانون الدولي المرتكبة أثناء الصراع المحتدم مع حزب الله”، وأن هذا الاعتداء يمكن أن يشكل حسب المعلومات الأولية المتوافرة لدى الأمم المتحدة، وشهادة شهود العيان” سلوكاً يقوم على انتهاك القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وقوانين حقوق الإنسان” (وهو ما صرح به بالحرف الواحد نقلاً عن موقع مركز أنباء الأمم المتحدة بالعربية)، أقول لعل تلك التصريحات تشكل بداية لما يمكن أن تقوم به هذه المنظمة من تحقيقات بخصوص مجزرة قانا وغيرها من المجازر والأعمال البربرية والوحشية التي ترتكبها -وما تزال- إسرائيل في لبنان.
ويطالعنا من الطرف الآخر من الأطلسي، من القارة القديمة، ومن مدينة ستراسبورغ الفرنسية حيث مقر منظمة مجلس أوروبا التي تضم 46 دولة أوروبية، تصريح لرئيس الجمعية البرلمانية لهذا المجلس، والتي تضم برلمانيين عن هذه الدول، يستنكر فيه وبتاريخ 7/8/2006م اعتقال السلطات الإسرائيلية لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني الدكتور عزيز دويك، ويطالب بإطلاق سراحه فوراً.
ونكتشف في مقابل هذه التحركات التي تشهدها بعض المنظمات الدولية ونذكر من بينها أخيراً وليس آخراً اجتماع مجلس حقوق الإنسان في جلسة استئنائية بتاريخ 11/8/2006م وبطلب من تونس كممثل للمجموعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وما ستسعى إليه هذه المنظمات والهيئات والمسؤولون فيها للتنبيه لحقيقة ما يجري في لبنان وفلسطين، واستنكارهم لعمليات القتل والتدمير والاعتقال، أقول نكتشف بأن عدداً من الفنانين العرب قد استقالوا من مناصبهم كسفراء “النوايا الحسنة” لدى منظمة الأمم المتحدة أو إحدى وكالاتها مثل اليونسكو؛ استنكاراً واحتجاجاً على الموقف السلبي لهذه المنظمة وتلك الوكالة مما يحدث في لبنان وفلسطين، معربين عن استنكافهم لتمثيل هذه المنظمة أو أن يكونوا سفراء لها.
ولكن السؤال المطروح: هل الاستقالة حل؟ أم أنه كان من الأفضل الاستفادة من هذا “المنصبـ” والقيام بحملة توعية لا تقتصر فقط على المحطات والفضائيات العربية، بل حملة عالمية تحمل هؤلاء” السفراء” إلى عواصم ومدن أوروبية وأمريكية لنراهم مع المتظاهرين مثلاً في كل من لندن أو باريس أو جاكرتا؟ أليس هذا المنصب الذي اختير له هذا الفنان أو تلك الفنانة أمانة في عنقه، وأداة في يده لتنبيه عشاق الفن على اختلاف أوطانهم ومشاربهم لما يحدث من مجازر وأهوال في لبنان وفلسطين, وليحركوا بأناملهم كفنانين، ويداعبوا بفنهم كموهوبين, مشاعر عشاقهم وأحاسيسهم، لعل صرخة الضمير الحي تنطلق من أفواههم وتوقظهم من سباتهم؟!
لا يمكن أن نواجه ما اعتدنا أن نواجهه منذ ستة عقود من تاريخ الوطن العربي، الذي يعيش اليوم ومواطنوه محنة من أكبر المحن التي يشهدها العقد الأول من الألفية الثالثة، إلا بالصمود، وتحمل المسؤوليات، كل من موقع عمله ومجال اختصاصه. ولعل أهل الفن اليوم أقرب إلى العقول والقلوب من غيرهم لذا فلا يجوز لهم أن يتخلوا عن “النوايا الحسنة”.

* كاتب وأكاديمي سوري مقيم في فرنسا