الدولة والقبيلة في اليمن.. تداخل المهام، وتلفيق الهوية

الدولة والقبيلة في اليمن.. تداخل المهام، وتلفيق الهوية

* قادة النظام أضعفوا القبيلة، والمشائخ أضعفوا مؤسسات الدولة، فتحقق للنخبتين إنجاز نظام سياسي رعوي
* تحولت القبيلة من بنية اجتماعية قائمة على المساواة إلى بنية اجتماعية تراتبية قائمة على التمايز
* تلعب الدولة دورها كمصهر للانتماءات التحتية، إما لا تتدخل في النزاعات بين القبائل، أو أنها تساهم في بذر الشقاق بين القبائل
* وضاح المقطري
يعتقد ماكس فيبر أن ولادة الدولة تشكل نهاية الوراثة، أي أن ولادة الدولة نهاية للتنظيمات القبلية، بيد أن ذلك لا يحدث في اليمن، ليس لأن فيبر على خطأ، بل لأن الدولة والقبيلة تصالحتا معاً، ونشأت كل منهما بالاستفادة من الأخرى.
تكشف دراسة من 6 فصول نفذها المرصد اليمني لحقوق الإنسان، أن احتواءً متبادلاً تمَّ بعد حرب عام 1994 بين قادة النظام وشيوخ القبائل، فتشكلت نخبة مُركبة، سعت إلى إضعاف الطابع المؤسسي للدولة والقبيلة على حدٍّ سواء، فتبنى قادة النظام في تعاملهم مع القبيلة إستراتيجية تقوم على ممارستين متناقضتين شكلاً ومتكاملتين موضوعاً، تهدفان إلى إضعاف القبيلة كمؤسسة اجتماعية، وتقوية القَبَلِيَّة كمنظومة ثقافية، وكذلك الأمر بالنسبة لشيوخ القبائل، فهم يدعمون النظام ويسعون في الوقت ذاته إلى إضعاف الدولة كمؤسسة، وذلك يصب في خدمة النخبة السياسية والنخبة الاجتماعية في آنٍ واحد، فهما نخبتان متكاملتان، وليستا نخبتين متنافستين، وبالتالي فمن مصلحتهما إضعاف المؤسستين؛ فالنخبة السياسية الحاكمة حتى تستديم هيمنتها على السلطة السياسية تعمل على تعويق مؤسسة الدولة، وهو ما يتلاقى مع رغبة شيوخ القبائل في إضعاف الدولة، للحفاظ على قوتهم السياسية، ذلك أنه مع مؤسسة الدولة سوف يغدو مبدأ المنافسة والكفاءة هو المبدأ الوحيد المنظم للوصول إلى السلطة السياسية، وهم لا يمتلكون القدرات التي تؤهلهم للمنافسة، في حين أن من مصلحتهم إضعاف البنية القبلية التقليدية التي كانت تقوم على المساواة، بحيث يتحررون من الخضوع لمساءلة أفراد قبائلهم، وبالتالي فقد دعموا تحول القبيلة من بنية اجتماعية قائمة على المساواة إلى بنية اجتماعية تراتبية، قائمة على التمايز.
وفي ظل تمفصل القبيلة بالدولة، لم تعد العلاقة بينهما علاقة تناقضية، بل باتت علاقة تكاملية، الأمر الذي تمخض عنه تولُّد نظام سياسي رعوي، يقوم على تقاسم السلطة السياسية بين الدولة والقبائل، وتنازل الدولة عن بعض وظائفها لصالح شيوخ القبائل، الذين تحولت علاقتهم بالنظام في ظل هذا التمفصل بين الدولة والقبيلة إلى علاقة التزام سياسي، وبالتالي باتت القبيلة تمارس بعض مهام الدولة، وتتصرف الدولة أحياناً كقبيلة، فهي دولة ضعيفة مسلوبة القدرة، فعلى الرغم من تواجدها في أكثر مناطق البلاد، إلا أنها ضعيفة وخاضعة، وغير قادرة على فرض سيادة القانون.
الدراسة التي أعدها 5 باحثين أكاديميين، وصدرت في كتاب باسم “القصر والسلطان.. الدور السياسي للقبيلة في اليمن”، تنتقد الدولة لأنها لم تستطع بناء الأمة باستخدام مؤسساتها القمعية والأيديولوجية حسب تعبير لويس التوسير، فسعت إلى تلفيق الأمة عن طريق المال، وأسست لذلك مصلحة شؤون القبائل، كجهاز لتوزيع الهبات المالية على شيوخ القبائل لضمان ولائهم للدولة، الأمر الذي أضفى على الدولة سمات الدولة الريعية، فضلاً عن ذلك استخدمت الدولة الريع الإداري لشراء ولاء شيوخ القبائل عن طريق بيع الوظيفة العامة.
ويورد الباحثون أرقاماً ونسباً للتدليل على خضوع المؤسسات الحكومية لهيمنة النخبة القبلية، فحوالي 65% من وكلاء المحافظات والوكلاء المساعدين البالغ عددهم 139 وكيلاً ووكيلاً مساعداً، هم من أبناء شيوخ القبائل، ويشكل شيوخ القبائل وأبناء شيوخ القبائل حوالي 62% من محافظي المحافظات، و50% من أعضاء مجلس النواب، وحوالي 35% من أعضاء مجلس الشورى، فكل أسرة من الأسر المشيخية الكبيرة، لها عضو في مجلس النواب أو مجلس الشورى، وعضو في المجالس المحلية ومحافظ أو وكيل محافظة أو وكيل محافظة مساعد، أما الأسر المشيخية الكبيرة التي ليس لها ممثل في السلطة التشريعية، فتعوض في السلطة التنفيذية، فيعين 2 أو 3 من أفرادها وكلاء محافظات أو وكلاء محافظات مساعدين. وبشكلٍ عام فإن شيوخ القبائل وأبناء شيوخ القبائل يستحوذون على ما يزيد قليلاً عن نصف المراكز العليا في مؤسسات السلطتين التشريعية والتنفيذية، فقد خلص تحليل فريق البحث للانتماءات الاجتماعية لشاغلي المواقع العليا في هاتين السلطتين عام 2009، إلى أن شيوخ القبائل والمنتمين لعائلات مشيخية يشكلون حوالي 50.5% من أعضاء مجلس النواب، 35% من أعضاء مجلس الشورى، 62% من محافظي المحافظات، وحوالي 64.75% من وكلاء المحافظات والوكلاء المساعدين.
ويصل فريق البحث المكون من الدكتور عادل الشرجبي رئيساً، وعضوية كل من الدكاترة محمد المخلافي وعبدالقادر البناء وفؤاد الصلاحي وعفاف الحيمي، إلى أن شيوخ القبائل باتوا بحاجة إلى الدولة لأن مصلحتهم مرتبطة بها، وأن قادة النظام أصبحوا بحاجة إلى القبيلة لأن بقاءهم في السلطة يعتمد عليها، ومصلحة النخبتين تقتضي إضعاف المؤسستين، وبالتالي فقد عملتا على إضعاف الدولة وإضعاف القبيلة، ولكن ليس إلى الدرجة التي تصبح إحداهما قادرة على القضاء على الأخرى. ولتنفيذ ذلك عمل قادة النظام على إضعاف القبائل من خلال خلق ظروف الصراع والحروب بينها، وعمل شيوخ القبائل على خلق الأزمات والصراعات السياسية، وتوتير علاقة الدولة بالمجتمع المدني، لضمان استمرار مصالحهم.
تصف الدراسة التقسيم الإداري الحالي للجمهورية بالقبلي الذي لا يقوم على أسس تنموية، مشيرة إلى أن الدوائر الانتخابية تم توزيعها بالشكل الذي يؤدي إلى نجاح المشائخ في الانتخابات البرلمانية، وإلى وجود تضخم في وكلاء المحافظات إلى درجة أن هناك وكلاء يفوق عددهم عدد المديريات، وغالبيتهم من أبناء المشائخ.
وعلى الرغم من أن شيوخ القبائل هم القوة المهيمنة على المجالس التشريعية التي تشكلت منذ قيام الوحدة حتى الآن، وبالتالي فهم القوة ذات الثقل في إصدار التشريعات، إلا أنهم أنفسهم ساهموا في اختلال التوازن بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية لصالح السلطة التنفيذية، وقد قبلوا بذلك في ظل توافق غير معلن على تقاسم السلطة بين قادة الدولة والنخبة القبلية، فمنح قادة الدولة السلطات المركزية، ومنح شيوخ القبائل السلطة على المستوى المحلي، وبالتالي فإن نشاطهم في البرلمان هو نشاط سياسي بالوكالة عن السلطة التنفيذية.
تكشف الدراسة عن تباين القوة السياسية للقبائل اليمنية المختلفة وفقاً لمدى تماسكها الداخلي، وقوة تأثير شيوخها، ومدى تمسكها بطابعها الحربي، ومدى اعتماد النظام عليها، فاتحاد قبائل حاشد، هو أكثر الاتحادات القبلية تأثيراً في السياسة اليمنية، بسبب هيمنة شيوخه على جهاز الدولة، والقبائليون يلتفون حول الشيخ الذي له علاقات وارتباطات بالدولة، فيما قبائل حمير ومذحج وكندة في محافظات تعز، الحديدة، إب، لحج، أبين، حضرموت، شبوة والمهرة، لا تتمتع سوى بقدر محدود من القوة والتأثير السياسي، ويرجع ذلك إلى طبيعة التطور التاريخي للتنظيم القبلي لهذه القبائل، وطبيعة علاقتها بالدولة، فعلى الرغم من أن اليمن افتقر إلى وجود دولة مركزية خلال معظم فترات تاريخه الإسلامي حتى ستينيات القرن ال20، إلا أن المناطق التي تعيش فيها قبائل حمير ومذحج وكندة، شهدت تأسيس بعض الدول التي اتسمت بطابع مؤسسي، منها الدولة الأيوبية، الرسولية، الطاهرية، ثم الاحتلال العثماني والإنجليزي، فيما خضعت المناطق التي تسكنها قبائل حاشد وبكيل للدولة الزيدية، التي اتسمت بطابع فردي بونابرتي.
وتذكر الدراسة أن الأئمة الزيديين لم يؤسسوا أية مؤسسات حكومية خلال تاريخهم، فقد كانوا خلال تلك الفترة كلها أشبه بحركة تحرر تخوض حرب أغوار، بل إن الجيش الذي قاده الأئمة الزيديون كان جيشاً قبلياً، وذلك خلافاً للدول التي قامت في مناطق قبائل حمير ومذحج وكندة، التي أسست جيوشاً محترفة، ومؤسسات حكم. لذلك تعزز الطابع الحربي لقبيلتي حاشد وبكيل وضعف عند القبائل الأخرى. وعلى الرغم من أن النظام عمل منذ 1990 على إحياء البنى والعلاقات القبلية في هذه المحافظات، إلا أن السكان المحليين فيها ظلوا متمسكين ببعض التوجهات المدنية التي اكتسبوها خلال العقود والقرون الماضية.
يرجع تمسك المواطنين بالعلاقات القبلية إلى طبيعة علاقة الدولة بالمجتمع، فالدولة لا تتعامل بشكل مباشر مع المواطنين، بل تتعامل معهم عن طريق شيوخ القبائل والنخب التقليدية، فالمواطن لا يستطيع أن يكون مواطناً فاعلاً إلا إذا تم ارتباطه بالدولة مباشرة، وتعاملت معه مباشرة دون وسطاء، فتعامل الدولة مع المواطن عبر وسطاء يُقوي العلاقات العصبوية القائمة على الموالاة والتبعية الشخصية، والمجتمع العصبوي هو مجتمع يحتفظ بملامح إقطاعية، تتسم الممارسة السياسية فيه بطابع عدائي وشقاقي، ولا يمثل بيئة ملائمة للديمقراطية الليبرالية والتداول السلمي للسلطة.
تلعب الدولة دورها كمصهر للانتماءات التحتية، فإنها إما ألا تتدخل في النزاعات بين القبائل، الأمر الذي يمثل مظهراً من مظاهر ضعف الدولة، وفي ظل ضعف الدولة أو غيابها تفرض القبائل قوانينها العرفية، أو أنها تساهم في بذر الشقاق بين القبائل، فقد لعبت الحكومة أحياناً دوراً أساسياً في إثارة أسس الانقسامات العميقة والعنف، بهدف كبح التهديدات المحتملة للإدارة، وتوظيف البنى والمعايير القبلية لأهداف ولائية وسياسية، وإحياء الجوانب السلبية للقبلية، وتغييب جوانبها الإيجابية. لذلك يسود بين شيوخ القبائل اعتقاد بأن الحكومة تريد أن توقع الشقاق بين القبائل لفرض سيطرتها، وجاء في أحد أشهر المؤتمرات القبلية بند يحمِّل الدولة بشكل صريح ومباشر مسؤولية بذر الصراع بين القبائل، ونص البند الثالث من بنود مؤتمر سبأ على أن المؤتمرين “يحملون الدولة مسؤولية كل ما حدث بين القبائل وأبناء اليمن عامة من حروب وقتل وسفك دماء واغتيالات سياسية، ويعتبرونها مفتعلة من الدولة”.
وترجع الدراسة تدني نسبة مشاركة المرأة كمرشحة في الانتخابات البرلمانية والمحلية، إلى طبيعة البنى الاجتماعية والتوجهات الثقافية السائدة في المجتمع اليمني، فهي بنى ذكورية وتوجهات بطريركية، فالقبيلة باعتبارها التنظيم الاجتماعي الأساس في المجتمع اليمني، وهي بنية ذكورية، موجهة بمنظومة قيم اجتماعية وأطر ثقافية تحدد للمرأة مكانة اجتماعية أدنى من مكانة الرجل، وتمنح الرجل حق المشاركة في أدوار المجال العام، فيما تحصر مشاركة المرأة في إطار أدوار المجال الخاص، وبالتالي تمنح الرجل مكانة اجتماعية قيادية ومستقلة، وتمنح المرأة مكانة اجتماعية تابعة للرجل، لذلك فإن ارتفاع نسبة مشاركة المرأة كناخبة لا تمثل مؤشراً على تطور مستوى المشاركة السياسية للمرأة، بل على العكس من ذلك تماماً، فهي تعكس مدى قدرة الرجال على تعبئة النساء للمشاركة في الانتخابات لصالحهم، وهذا النوع من المشاركة ليس مشاركة واعية وقائمة على أساس الإرادة الحرة، بل هي مشاركة تابعة، فمتى ما أراد الرجل للمرأة أن تشارك في تسجيل اسمها في سجلات قيد الناخبين والمشاركة في الاقتراع، فإنها تفعل ذلك، وتمتنع إذا منعها.
قامت الدراسة، حسب ما جاء في مقدمتها، على التفريق بين المجتمع القبلي من المنظور الاجتماعي، والمجتمع القبلي من المنظور الثقافي، فالمجتمع القبلي بالمعنى الاجتماعي، هو مجتمع تمثل القبيلة فيه التنظيم الاجتماعي الوحيد، وتضم القبيلة عدداً محدوداً من الأفراد، وهي تنظيمات تقوم على المساواة. أما القبلية من المنظور الثقافي، فإنها تشير إلى المجتمع الذي يقوم على القيم والثقافة القبلية، أو الهوية القبلية. لذلك تم التحليل على المستويين الاجتماعي والثقافي، فعلى المستوى الاجتماعي، تم تحليل البنية القبلية ذاتها وما شهدته من تحولات، أما على المستوى الثقافي، فقد تم تحليل علاقة القبيلة بالدولة، والدور السياسي الذي تلعبه القبيلة، ومدى تأثيرها على التحول الديمقراطي، وكيف استطاعت القبيلة فرض منظومتها القبلية على الدولة والمجتمع. وقد نفذت هذه التحليلات في ضوء إدراك الفرق بين الدور السياسي للقبيلة والأدوار السياسية لشيوخ القبائل، فكثير مما يوصف بأنها تمثل أدواراً سياسية للقبائل هي في الحقيقة أدوارٌ سياسية لشيوخ القبائل، كون الدولة هي من تمكن من احتكار الفساد السياسي.