البرامج الانتخابية للمرشحين لمنصب رئيس الجمهورية.. هل لهذه القضايا مكان في البرامج؟ – ابو هبة ياسين – (الحلقة الثانية)

البرامج الانتخابية للمرشحين لمنصب رئيس الجمهورية.. هل لهذه القضايا مكان في البرامج؟ – ابو هبة ياسين – (الحلقة الثانية)

المسألة السكنية.. الأمن/ الأمان، السكن

من المؤسف والعار ان المسألة السكنية وقضية «الأمن السكني» مازالتا خارج اهتمام السلطة، التي لم تفكر، ويبدو انها لن تفكر، في أن تضعهما في مكانهما الحقيقي واللائق، وذلك بأن ترتقي بضرورة حصول المواطن على سكن الى مصاف الحقوق الاساسية والطبيعية للانسان، وأن تترجم هذا في خطط وطنية شاملة لحل مشكلة السكن، شعارها ومبدأها: «لا وطنية بغير مأوى»، «من ليس له سكن فهو بدون وطن»؛ لأن الوطنية هي انتماء الى الارض، اي ان يتوافر للمواطن مسكن يحتمي فيه هو واسرته. وهدفها (= الخطط) توفير المسكن لكل مواطن واسرة؛ وبدرجة اساسية توفير مساكن للفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل، على ان يتحمل ملاك السكن الفاخر والعقارات والمقاولون وغيرهم من اصحاب المليارات العبء الاكبر في دعم ميزانية هذه الخطط بالاموال، وهذا واجب عليهم تجاه المجتمع وتلك الفئات من السكان.
وفي كل الاحوال فإن الدولة هي المسؤول الأول والرئيس عن توفير السكن للمواطن، واذا لم تقم الدولة بهذا الدور ينتفي مبرر وجودها كدولة، وهي قادرة على فعل ذلك اذا غيرت موقفها وفلسفتها تجاه المسألة السكنية/ سكن المواطن، واعتبرت السكن كالماء والهواء وليس اقل منهما. اي اذا اقتنعت -ويجب عليها  ان تقتنع- بأن مقومات وجود وتطور الانسان لن تستقيم اذا كان يعدم سكناً، فالسكن من الشروط الحاسمة لجعله قادراً على الانتاج والمساهمة في بناء الوطن وفي الدفاع عنه. فالانسان الذي ليس له سكن كأنه بدون وطن، بل هو البطالة والخوف والجوع، وتنهار عنده قيم كثيرة منها الفضيلة والاخلاق، حتى الولاء للوطن ذاته ينهار عنده ويتحول الى طيف ذكرى.. فما الذي يربط الانسان بوطنه ان لم يكن له فيه سكن يؤويه وعمل شريف يكسب فيه لقمة عيش غير  مغموسة بالذل والمهانة؟! ان السكن هو المعادل الاول للمواطنة، وهو الحبل السري الذي يربط المواطن بوطنه، فلا يوجد وطن ووطنية معلقين في الفضاء!!
ان آدمية الانسان، لا تتحقق ما لم يتوفر له سكن مناسب وآمن يحتمي به ويعيش فيه واسرته، ويضمن له الحفاظ على خصوصياته واسراره الشخصية وكرامته وصحته النفسية والبدنية، وبدونه لا يستطيع ان يحقق اي شيء في حياته. فالمحروم من السكن او الذي يعيش في حياة الشقاء (العشوائيات) وبيوت الصفيح والاكواخ والعشش والمقابر… إلخ، فاقد الانتماء للوطن ويعمل ضده بقصد او بغير قصد، لان هذا الوطن لم يوفر له مكاناً يأوي اليه واسرته. ولا غرابة ان الغالبية العظمى من الارهابيين والمتطرفين يأتون من أحياء الشقاء وبيوت الصفيح والاكواخ.
ان الحق في السكن يوازي (يعادل) الحق في الحياة، وينتج عن انتهاكه انتهاك لحقوق اخرى مدنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تتمثل في انتهاك الحق في الحياة العائلية الكريمة والخصوصية، والحق في حرية التنقل الذي يشمل حق  الفرد في اختيار مكان اقامته ولا يتم اجلاؤه قسراً. باختصار: انتهاك حق السكن انتهاك لحق الحياة ذاتها!!
ينص الاعلان العالمي لحقوق الانسان على حق  كل شخص في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولاسرته. ويتضمن ذلك: التغذية والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة… الخ (المادة: 25). كما اكدت على هذا الحق اكثر من (20) اتفاقية دولية منها الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي اقرت بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف… إلخ (المادة: 11) وجاء في الفقرة (8) من الجزء الثالث من «اعلان فانكوفر للمستوطنات البشرية» المنعقد في عام 1976م: ان السكن والخدمات المناسبة حق اساسي يفرض على الحكومات واجب ضمان بلوغ جميع الناس له، بادائه بتقديم مساعدة مباشرة الى اقلهم حظاً عن طريق برامج موجهة تعتمد على الجهد الذاتي والمجتمعي، وينبغي على الحكومات السعي الى تذليل جميع العقبات التي تحول دون بلوغ هذه الاهداف (انتهى)، واصبح في العالم الآن منظمات للدفاع عن حق الانسان في السكن مثل: منظمة «هاتيبات» التابعة للامم المتحدة، وهي ترعى حقوق الافراد في السكن.
الدولة اليمنية صدقت بتاريخ 9/8/1978م على العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وبموجب تصديقها صار واجباً عليها ان تُعمل الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقية إعمالاً كاملاً بما في ذلك (حق السكن الملائم)، وقد ذكرت الفقرة الأولى من المادة (25) من الاتفاقية نصاً هاماً للغاية تعهدت بموجبه الدولة اليمنية بان تتخذ ما يلزم من اجراءات، سالكة في ذلك جميع السبل المناسبة، وبناءً على هذا النص/ الفقرة، الدولة اليمنية ملزمة بما يلي:
1 – حق كل مواطن التقدم لاستلام سكن بقروض طويلة الاجل تتناسب مع دخله، وان توفر للفقراء والعجزة مساكن.
2 – إلغاء كافة التشريعات التي تتناقض مع حق مواطن في الحصول على سكن ملائم.
3 – تجريم الاخلاء القسري والتعسفي.
4 – إصدار قوانين تمنع القائمين على مشروعات البناء من انتهاك حقوق المواطنين في السكن الملائم.
6 – منع اية انتهاكات للحق في مسكن ملائم، مثل: عدم توفير مياه الشرب النظيفة وقطع التيار الكهربائي، مع التزام الجهات المسؤولة بالتعويضات اللازمة اذا ما حدثت انتهاكات في هذا الصدد.
7 – الزام الدولة بتوفير الطرق الممهدة والمواصلات وشبكات الصرف الصحي وكافة الخدمات التي يستلزمها السكن الملائم.
8 – حث المجتمع الدولي على القيام بدوره تجاه هذا الحق، لما ورد في ميثاق الامم المتحدة في المادتين (55، 56) منه، على التضامن الدولي لإعمال كافة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وذلك عن طريق الآتي:
أ) الامتناع عن اتخاذ اي تدابير او ضغوط من شأنها إجبار الدولة على القيام بأعمال او إصدار قوانين من شأنها الاخلال بواجباتها تجاه مواطنيها في تمتعهم بالسكن الملائم.
9 – توفير مساعدات مالية للدولة للقيام بواجبها إزاء اي كارثة يترتب عليها تشرد أُسر… إلخ.
الدستور اليمني لا يتضمن نصاً بخصوص حق السكن، وفي الوقت ذاته يتضمن حكماً/ نصاً يقضي بحرمة السكن وعدم تفتيشه، وهذه إحدى مفارقاته العجيبة والمضحكة. وبرغم عدم وجود نص بحق السكن، فمن المستقر عليه إلتزام الدولة بهذا الحق بناءً على تصديقها على الاعلانات والاتفاقيات الدولية التي تنص عليه؛ مما يجعل لهذا الحق طبيعته القانونية التي ترتكز على التزام الدولة بهذه المواثيق الدولية، مما يجعلها ملزمة بكفالة هذا الحق لكل المواطنين، ومن باب أولى فهي ملزمة بعدم اتخاذ ما من شأنه المساس بهذا الحق.
للاسف، الدولة تضع (استراتيجيات) و(خططاً) وتعقد (مؤتمرات وطنية) لكل شيء ولأي شيء، إلاّ مأوى/ سكن المواطن مازال خارج استراتيجية وخطط الدولة والحكومة، في حين ان السكن يجب ان يكون في قلب استراتيجيتها (مع تحفظي على استخدام هذا المفهوم في المسائل الاجتماعية!!) وان يكون في صدارة خططها.. أليس الانسان هو محور وموضوع ومنفذ الاستراتيجيات؟ فكيف له ان يكون كذلك وهو بدون مأوى؟!!
مازالت الدولة/ السلطة/ الحكومة، تنظر الى السكن وتتعامل مع مشكلته كسلعة يجوز تركها لما يسمى بآلية السوق (العرض والطلب) وليس ضرورة وحاجة انسانية، وينبغي عليها ان تضمنها وتصونها، ومع ذلك فالذي يجري في مجال ايجارات السكن (مسواقة) و(بلطجة) وليس آلية السوق.
لابد من ايجاد قانون عادل ومنصف ينظم ايجارات السكن، يوضع وفق اسس علمية واقتصادية واجتماعية وتشريعية محددة ودقيقة، ويكون هذا القانون جزءاً من قانون أشمل/ أعم ينظم حق السكن.. نريد قانون يتعامل مع السكن كحق ويحدد مسؤولية الدولة تجاه هذا الحق.
نريد عقد مؤتمر وطني بشأن المسألة السكنية/ الأمن السكني، يشترك فيه علماء الاسكان والاقتصاد والبناء والطب والاجتماع والقانون، ويضع بين يدي السلطة حلولاً حقيقية وواقعية وانسانية… للمسألة السكنية وبما يحقق أماناً/ أمناً سكنياً لكل مواطن.
 

السلاح

بدلاً من ان يجرم القانون حيازة الاسلحة والاتجاه بها ويعاقب على ذلك، جعل حيازة واقتناء الاسلحة وكذا الاتجار بها حقاً من حقوق المواطن. وفي البلد حالياً -حسب بعض التقديرات عام 1997م- اكثر من (55) مليون قطعة سلاح ناري، بما في ذلك اسلحة متوسطة وثقيلة، لدى المواطنين، وعدد تجار الاسلحة واسواق بيعه في تزايد مستمر، ويستورد بالعملة الصعبة، بينما اقتصاد البلد بحاجة ماسة لهذه العملات، إذ تشكل اهمية خاصة لميزان المدفوعات والميزان التجاري والموازنة العامة للدولة وتسوية ديون البلد. ولا يعقل ان يتحمل المواطنون من ذوي الدخل المحدود وغيرهم آلام وتبعات ما يسمى بـ«الاصلاحات الاقتصادية والمالية». وكذا تسديد الديون وفوائدها للمؤسسات والبنوك الدولية وتقتطع الدولة من اجورهم ورواتبهم ضرائب ورسوماً باهضة، في حين تجار السلاح يشترون بملايين الدولارات ادوات الموت!!
الى ذلك -وهو الأخطر والأهم- ان السلاح تسبب ويتسبب في إزهاق ارواح آلاف المواطنين، ولا يمر يوم إلاّ وفيه حوادث قتل واقتتال (…) واختطاف او استيلاء على ارض. ووسيلة القتل بدرجة رئيسية: السلاح الناري. ووجود السلاح وانتشاره (…) بحد ذاته يشكل ضرراً نفسياً على المواطنين، إذ يجعلهم يعيشون في رعب دائم خوفاً من ان تصيبهم طلقات نارية طائشة او موجهة تنهي حياتهم. وفقدان الاحساس بالأمن -كما هو معلوم- احد منابع تدمير حياة المواطن والوطن. لقد صار رعب السلاح يسكن كل بيت وشارع وقرية، ويغيَّب عن الحياة آلاف المواطنين ويوطد اركان ثقافة العنف والارهاب.
مما يثير السخرية والسخط والعجب ان وزارة الداخلية -بين حين وآخر- تقوم بحملات تفتيش للتأكد من وجود تصاريح حمل السلاح لدى المواطنين، وتهدف من ذلك -حسب تصريحات مسؤوليها- الى نزع السلاح عن الذين لا يحملون سلاحاً بدون تصاريح وإخلاء المدن الرئيسة من مظاهر حمل السلاح.
هذه الحملات عمل عبثي ومضلل لا فائدة منه ويفضح خواء وانسانية وعدم سلامة العقيدة/ الفلسفة الامنية للدولة، فما الذي يقدم او يؤخر ان كان تصريح السلاح موجوداً او غير موجود؟! ففي كلا الحالتين لا تمنع او تردع حامل السلاح عن استخدام سلاحه لقتل او ترويع الآخرين.. فهل يحتاج حامل السلاح ترخيصاً لقتل مواطن؟ كما ان قضية الأمن كل لا يتجزأ، من امن مدن رئيسة وغير رئيسة، إلى امن مدن وامن قرى، إلى امن لمواطني الريف وامن لمواطني المدينة، فالامن إما أن يكون وإما ألاَّ يكون. ولا يمكن ان يُضمن لمكان دون الامكنة الاخرى، ولمواطن دون المواطنين الآخرين، لان الانسان ذاته لا يتجزأ وكذا أمنه غير قابل للتجزئة، وعلى السلطة ان تظلل كل ارجاء الوطن بالامن والسكينة والاستقرار، وعليها ان تدرك ان الامن حق من حقوق الانسان منصوص عليه في المواثيق الدولية لحقوق الانسان وفي دستور الدولة، وليس منها، بل هو واجب عليها ومن حق المواطنين مقاضاتها على اخلالها بواجبها الامني.
من المحال تحقيق الامن طالما اقتناء السلاح امر ميسر ومتاح ومشروع للمواطنين. ومهما قيل وسيقال عن الحملات الامنية واهدافها، فان ذلك هروب من مواجهة المشكلة وتكريس شرعية وجودها، فالامن واقتناء السلاح لا يمكن تعايشهما معاً، فإما الامن وإما السلاح، والسلاح لا يصنع ولا يقتنى إلاّ للقتل، وليس للزينة.
المطلوب هو: تجريم حيازة واقتناء الاسلحة والاتجار بها، ولا سبيل غير هذا لإنهاء رعب الاسلحة، وإلغاء القانون الحالي (قانون تنظيم حمل السلاح والاتجار به) وليس تعديله، هذا هو الحل، وفي ما يلي خطوطه العامة:
> أولاً: اصدار قانون يلغي قانون تنظيم حيازة الاسلحة والاتجار بها، على ان يقضي القانون بنزع (مصادرة/ استيلاء) الاسلحة النارية وغير النارية من المواطنين وتجار الاسلحة وكافة الجهات غير الحكومية، ويقضي ايضاً بما يلي:
1 – تعويض من صودر سلاحه تعويضاً عادلاً، ان كانت ملكية السلاح صحيحة.
2 – عدم تعويض من يحوزون اسلحة غير مرخص بها او انها بدون ملكية.
3 – تصادر بدون تعويض الاسلحة التي دخلت البلد دون ترخيص رسمي.
4 – تشكيل هيئة/ لجنة لنزع الاسلحة تتولى تنظيم عملية النزع ودفع التعويضات وفوق اسس وشروط يحددها القانون.
> ثانياً: إدخال تعديلات على قانون الجرائم والعقوبات يجرم الافعال التالية ويعاقب عليها:
– صنع او حمل اسلحة نارية او ذخيرة او متفجرات او الاحتفاظ بها او وعد بها او عرضها للتداول.
– تدمير او تعطيل او تسليم شخص آخر خلافاً للقانون اسلحة نارية او ذخيرة او متفجرات، يحق له حيازتها او استعمالها.
– من فقد الشخص بخطئه غير المتعمد اسلحة نارية او ذخيرة او متفجرات له الحق في حيازتها او استعمالها او التصرف فيها.
– من أخذ، خلافاً للقانون، اسلحة نارية او ذخيرة او متفجرات ليستولي عليها هو او غيره، او سلمت اليه مثل هذه الاشياء او ادخلت في حيازته بأية طريقة اخرى ليستولي عليها هو او غيره خلافاً للقانون.
– من نقل او  ارسل للنقل خلافاً للقانون مواد قابلة للاشتعال او مواد كاوية وترتب على ذلك نتائج جسيمة.
– تصادر الاسلحة واجزاء الاسلحة والذخيرة والمتفجرات التي يحظر إعدادها او حيازتها او تداولها، دون النظر الى الحقوق المتعلقة بها.
ويجب ان يكون هناك قانون ينظم استيراد وشراء الاسلحة للدولة وأسس وشروط الشراء والاستيراد او يكون هناك قانون شامل يسمى «قانون السلاح» تدخل فيه كل الامور المتعلقة بالسلاح بما في ذلك البندين (أولاً وثانياً) اعلاه.

الثأر، والحروب القبلية

الثأر والحروب الاهلية/ القبلية، اصبحتا ظاهرتين من اخطر الظواهر واشدها فتكاً بأمن وارواح المواطنين وبالنسيج الاجتماعي، فالحروب القبلية مواجهات مسلحة بين القبائل والعشائر تستخدم فيها كل انواع الاسلحة، سبب معظمها الثارات والنزاع على الارض وحدود القبائل. وبلغ عدد الحروب القبلية في سنة واحدة (69) حرباً، راح ضحيتها آلاف المواطنين (قتلى، جرحى، ومعاقين) دمرت عشرات المساكن والبيوت وخربت آلاف الهكتارات من الارض، وبعض هذه الحروب يستمر سنوات، وبعضها يتوقف (احتراماً) لاتفاق صلح او هدنة ويعود مرة اخرى اكثر ضراوة.
جرائم القتل بدافع الثأر تشكل أعلى نسبة من مجموع جرائم القتل عموماً، وهي في تصاعد مستمر وعدد ضحاياها يزداد كل يوم، وتؤكد احصائية وزارة الداخلية -بحسب التقرير الاستراتيجي السنوي للمركز العام للبحوث والاصدار عام 2002 – ان ما يربو على الألف شخص يذهبون ضحية هذه الظاهرة سنوياً، اي ما يعادل ثلاثة اشخاص يقتلون كل يوم، وهذه الاحصائية رسمية تعتمد على ما يصل الى الوزارة من بلاغات دائماً ما تكون اقل مما يحدث على ارض القبائل الذين يقتلون دون علم اجهزة الامن.
ان استمرار هاتين الظاهرتين وعدم انهائهما، وموقف السلطة (الاجهزة المعنية) منها وقبولها بفكرة «الصلح القبلي» لتسوية مشاكل الثارات والنزاعات القبلية وعدم معاقبة القتلة والمتحاربين على جرائمهم، يؤكد اننا مازلنا نعيش في العصور البدائية، وقبل ظهور الدولة، ولم نعرف بعد (الدولة) وسيادة القانون.
الغريب في الامر ان الثارات والحروب القبلية في المحافظات الشمالية قبل الثورة وقيام النظام الجمهوري، كانت حوادث نادرة جداً، واصبحت في ظل الجمهورية ظاهرة، وعكس ذلك في المحافظات الجنوبية والشرقية، كانت الحروب والثارات ظاهرتين، قبل الاستقلال، وخفتت تدريجياً بعد الاستقلال، وانتهت تماماً اعتباراً من عام 1969، لكنهما عادتا مرة اخرى بعد قيام دولة الوحدة.
السؤال الذي يطرح نفسه وبإلحاح: لماذا استطاعت الدولة التي كانت في جنوب الوطن حل مشكة الثأر والحروب القبلية، ولم تستطع حله/ حلها دولة شمال الوطن ودولة الوحدة؟ لماذا وكيف أُعيد انتاج ظاهرتي الثأر والحروب القبلية في شبوة وابين… إلخ، بينما كانتا قد اصبحتا سطوراً مكتوبة في دفاتر  التراث؟
ان الحديث عن حل مشكلة الثأر والحروب عن طريق عقد صلح، بعد مرور عقود على قيام الثورة، لا يمكن تبريره، فهي اكثر من فضيحة (وطنية) و(سياسية) و(ديمقراطية) و(قانونية) و(اخلاقية)… الدولة بابسط معانيها ان يسود القانون على الجميع، وان العقاب حكر على الدولة، وأجل واجباتها تحقيق وضمان الامن للمواطنين.
لنرى كيف حلت ثورة اكتوبر ودولة الاستقلال مشكلة الثأر وانهت الحروب القبلية، وبايجاز شديد للغاية، علَّنا في هذا نلفت انتباه الرئيس القادم الى ان هناك تجربة كان يجب على الدولة الالتفات اليها والاستفادة منها بدلاً من الحديث عن الصلح.
كانت الثأرات والنزاعات القبلية في الجنوب، قبل الاستقلال، وتحديداً في أريافه، ظاهرة اجتماعية خطيرة ومدمرة، سفكت بسببها دماء غزيرة واهدرت ارواح آلاف المواطنين، كانت تعالج وفقاً للاعراف القبلية، وقد اتبع بشأنها الانجليز (المستعمر)، والقوى الضالعة معه، سياسة «فرق تسد»، ولم يتخذ واعوانه اية اجراءات حاسمة لإنهائها ومعالجة آثارها، بل عمد بشتى الوسائل الى إذكاء نيرانها واطالة أمدها، بهدف إنهاك القبائل واصحاب الثأرات وخصومهم واشغالهم بما هم فيه من نزاعات وثأرات وصرف انتباههم عن وجوده والهائهم عن مقاومته وإبعادهم عن قضية التحرر والاستقلال كي يتسنى له مزيد من إحكام قبضته على الاوضاع في المحميات (الامارات والمشيخات والسلطنات…) وإضعاف نفوذ الحركة الوطنية الى تلك المناطق، حتى انه كان يراهن على الصراعات القبلية ونزاعات الثأر في (ردفان) لاجهاض انتفاضة 14 اكتوبر، فعمل  منذ اليوم الاول للانتفاضة على دق اسفين بين القبائل من جهة والانتفاضة من جهة اخرى، وعلى تأجيج الثأرات بواسطة عملائه، لكنه فشل في ذلك، حيث عقد الثوار صلحاً بين القبائل واخذوا يعالجون الثأرات، وكانت قبائل ردفان حصناً قوياً للانتفاضة وعاملاً هاماً في صمودها.
في أتون الثورة المسلحة التي دامت اربعة اعوام، تقلصت او خبت كثيراً ظاهرة الثأر والحروب القبلية، وكان ذلك لاسباب وعوامل عدة، منها واهمها -بحسب تقديرها- الثورة ذاتها، حيث رأى الناس فيها خلاصاً لهم من الاوضاع والسياسات و(الاعراف) التي كانت سبباً في نزاعاتهم وثأراتهم واطالة وشناعة حروبهم، فضلاً عن ان تنظيم الثورة (الجبهة القومية) كان له حضور قوي وفاعل في الريف، وكانت قاعدته الاساسية الفلاحين، وعمل منذ وقت مبكر على معالجة الثأرات والمنازعات القبلية كجزء من برنامجه/ مشروعه الوطني التحرري.
لقد تعاملت الثورة مع المشكلتين باعتبارهما مشكلتين وطنيتين وانسانيتين تخصان المجتمع برمته وتتعلقان بأمن وسلامة كل المواطنين، وينبغي حلها جذرياً بعد الاستقلال وقيام الدولة الوطنية، ولا يجوز بعد ذلك ان تترك دماء الناس لألاعيب ومساومات الاعراف القبلية. ولما كان هذا الحل غير ممكن قبل قيام الدولة الوطنية وترسيخ دعائمها وصدور قوانينها، لجأت الثورة الى اتخاذ تدابير تمهيدية للحل الشامل والنهائي، كان ابرزها: شروعها في عقد صلح بين القبائل عشية الاستقلال واستمرت في عقده طيلة عام 1968، وعقدت لهذا الغرض مؤتمرات/ اجتماعات اشهرها اجتماع موسع عقد في (ابين) حضره اعضاء اللجان القبلية، والذي كان اول خطوة نحو إلغاء الاعراف القبلية المكرسة للثأر والحروب القبلية.
قبل وأثناء وبعد ذلك اصدرت الدولة قرارات هامة لتوحيد اقليم البلد ولتكريس قيم اجتماعية جديدة (مثل إلغاء الكيانات الادارية القديمة والأسماء والكُنى والالقاب القبائلية). وفي 2 فبراير 1968 اصدر وزير الادارة المحلية قراراً باعلان صلح عام بين جميع القبائل لمدة خمس سنوات وتجميد قضايا الثار السابقة لهذا التاريخ، واوامر بمنع حمل السلاح. وقضى القرار، ايضاً، بأن من يخالفه ويقتل في وجه الحكومة يعتبر مجرماً ويحاكم وينفذ الحكم فيه فوراً، ولا يحق لاي شخص او قبيلة الاخذ بالثأر مهما كانت الاسباب، وعلى هذا الشخص او القبيلة الرجوع الى الحكومة بأي شكوى حول اي شيء يأتي ضمن الثأر.
تبع هذا القرار تدابير اخرى اكثر جذرية وعمقاً للتصدي لمشكلة الثأر ومعالجة آثاره وهو القانون رقم (22) لعام 1969 (في شأن قضايا الثأر) اصدره نائب رئيس الجمهورية الشهيد المناضل فيصل عبداللطيف الشعبي في 21 مايو 1969، اي بعد سنة وخمسة اشهر من الاستقلال وسنة وشهرين من قرار وزير الادارة المحلية، في ما يلي بعض احكامه، ونشير هنا الى ان القانون يعرف (قضايا الثأر) بأنها قضايا الثأزر التي لم تدفن او تنته قبل اصداره:
المادة (6): تصدر اللجان (اللجان او اللجنة، خاصة بالنظر في قضايا الثأر، شكلت بموجب القانون أ. ه) احكامها في القضايا المعروضة على ضوء العادات القبلية والعرف القبلي، ولها الحق بان تحكم باي تعويض تراه مناسباً لاي طرف من الاطراف المتنازعة وان تفرض العقوبات التالية:
أ) غرامة اقصاها عشرة آلاف دينار او السجن لمدة اقصاها عشرون عاماً بالنسبة لقضايا الثأر التي وقعت قبل 30 نوفمبر 1967م.
ب) غرامة اقصاها عشرة آلاف دينار او السجن لمدة اقصاها عشرون عاماً او الاعدام بالنسبة لقضايا الثأر التي وقعت في او بعد 30 نوفمبر 1967م.
المادة (10): اذا تنازل الطرف المطالب بالثأر عن مطلبه فعلى ذلك الطرف ان يشعر اللجنة المعنية بتنازله كتابياً، ويعتبر الثأر منتهياً عند ذلك.
المادة (13): كل شخص او قبيلة او فخيذة، يخالف احكام اللجان المعتمدة من قبل الوزير (وزير الداخلية أ. ه) او المصادق عليها من قبل رئيس الجمهورية يكون عرضة لعقوبة السجن لمدة اقصاها عشرون عاماً او لغرامة اقصاها عشرة آلاف دينار او لكلتي العقوبتين.
المادة (15): 1 – تباشر كل لجنة اعمالها خلال فترة لا تزيد عن ستة اشهر اعتباراً من تاريخ صدور القرار الخاص بتعيينها او اية قضية ثأر لا تقدم خلال تلك الفترة او خلال فترة التحديد التي قد يقررها الوزير تعتبر منتهية ولن تنطبق عليها احكام القانون.
وفي 1 مارس 1970م (أي بعد عشرة اشهر من صدور هذا القانون) صدر قانون بشأن (جرائم القتل في الريف) رقمه (12) قضى بان: كل من قتل نفساً عمداً مع سبق الاصرار والترصد يعاقب بالاعدام (المادة 3)، ومن قتل نفساً عمداً من غير سبق اصرار ولا ترصد يعاقب بالسجن لمدة 15 عاماً مع الاشغال الشاقة، ومع ذلك يحكم على فاعل هذه الجناية بالاعدام اذا تقدمتها او اقترنت بها او تلتها جناية قتل اخرى (المادة 4) والمشتركون في القتل الذي يستوجب الحكم على فاعله بالاعدام يعاقبون بالاعدام اوالسجن مدداً لا تتجاوز 15 عاماً (المادة 5).
وبعد ذلك جاء قانون العقوبات (القانون رقم 3 لعام 1976م) الذي اصدره في مارس من نفس العام رئيس مجلس الرئاسة الشهيد سالم ربيع علي، وهذا القانون ألغى القانون رقم (12) لعام 1970م واعتبر القتل بدافع الثأر (جريمة قتل عمدي مع توافر ظروف مشددة، وعقوبتها الاعدام)، حيث قضت (المادة 129) منه بما يلي:
1 – يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن خمس سنوات او بالإعدام من قتل انساناً عمداً بدافع الجشع او الثأر او بوسيلة وحشية او اذا وقع الفعل على شخصين فأكثر او شخص سبق ان ارتكب قتلاً عملاً او توطئة لارتكاب جريمة اخرى او لاخفائها او على امرأة حامل… إلخ.
2 – ويسري الحكم نفسه اذا كان الفعل جريمة ضد السلام او الانسانية او حقوق الاانسان او من جرائم الحرب او ارتكبها بدافع العداء للجمهورية.
3 – ويعاقب على التحضير والشروع (انتهى).
ماذا يعني هذا الحكم/ النص بالنسبة للثأر وللفلسفة الجنائية/ التشريعية للدولة؟
يعني الكثير والكثير، لعل أهم معانيه انه:
أولاً: اعتبر الثأر جريمة قتل عمد.
ثانياً: اعتبرالقتل بدافع الثأر ظرفاً مشدداً للعقوبة.
ثالثاً: ان يعاقب القاتل بدافع الثأر (او بسبب الثأر) وفقاً للقانون الجنائي كغيره من مرتكبي جرائم القتل لأي سبب كان.
رابعاً: مساواة المواطنين امام القانون وبسط سيادة القانون على الجميع.
خامساً: الدولة وحدها مسؤولة عن حماية حياة وأمن المواطنين، وقانونها وحده المعني بتجريم وتأثيم الافعال ومعاقبة مرتكبيها.

* تنويه: قبل أيام حكمت قبيلة على احد افرادها بالإعدام لقتله
      شخصاً من قبيلة اخرى!! ويحدث هذا كثيراً.

* الاسبوع القادم: مشكلة القات والفقر