ياء النداء – محمد محمد المقالح

ياء النداء – محمد محمد المقالح

من يريد أن ينظر إلى وجه الفساد في اليمن, فما عليه إلا أن ينظر إلى شوارع وطرقات مدينة صنعاء والمدن الرئيسة الأخرى، وسيجدها قبيحة مثل السلطة، ووجهها مليء بالأخاديد والحفر والحفريات والمطبات و”الرقع الإسفلتية” المنثورة في كل مكان, جراء تراكم الفساد والارتجالية عليها طوال 28 سنة أو تزيد.
اختر أي شارع في صنعاء, وجرب أن تسير يوما على سيارة أو “دبابـ” أو أي شيء آخر له عجلات، وأنا علي يقين انك ستجد نفسك عاجزا عن التمييز بين ما إذا كنت تسير في صنعاء وعلى شارع معبد “مزفلت” أنفقت عليه الدولة ملايين الريالات اقتطعتها من أقوات وأرزاق الناس المساكين، أم انك في قرية “المنازلـ” الجبلية وتحاول الوصول إليها جاهدا عبر” نقيل الشق” الصخري. إعلم سيدي أن هذه صنعاء و أن هذا هو الفساد الذي سلمها وشوارعها وميادينها العامة إلى السماسرة من مقاولي الباطن، ليعبثوا بها ويحفروا على وجهها الجميل تلك الأخاديد والبقع السوداء سواد أياديهم الملطخة بالفساد والإفساد المتعمد في كل شيء وعلى كل شيء.
 قبل 28 سنة كانت مدينة صنعاء جميلة وجذابة وتحيطها البساتين والمتنزهات الطبيعية من الجهات الأربع. أزهار اللوز والمشمش العرائيسة تغطي أفق ضاحيتها الجنوبية “حدة. وعناقيد العنب من كل صنف ولون تتدلى من كرمات وادي ظهر وسعوان، وبني حشيش، ثم تأتي ضاحيتها الشرقية (الروضة) وما أدراك ما الروضة وعجائب الصناعنة فيها!! في ذلك الزمن الجميل كانت هذه المدينة مخططة وكل من يريد أن يبني لأطفاله منزلا جديدا في “الصافية” أو في “بير الشايف” وغيرها من الحواري الجديدة آن ذاك, كان يذهب إلى البلدية ليستخرج رخصة البناء، وكان يجد على تلك القصاصة الصغيرة “الدولة ” وكل شروط ومواصفات البناء التي يجب أن يلتزم بها.
اليوم وبعد 28عاما من دولة الفساد، لم تعد رخصة البناء ومعها الدولة – دولة المواطنة والقانون- ضرورة إلا لمن لا يملكون وساطة كبيرة, أو سيارة فاخرة، وطقماً عسكرياً يمكن استئجاره للبسط على أراضي وممتلكات المساكين وبعشرة آلاف ريال فقط لا غير.
بعد 28عاما أصبحت صنعاء مجرد قرية كبيرة ولكن بدون ميزات القرية اليمنية صنعاء اليوم ليست مدينة وليست قرية، ولكنها شيء من هذا وشيء من ذاك وأكثر من هذا وذاك.
لقد دخلت إلى صنعاء قرى, وقبائل عديدة من سنحان وبني مطر وبني حشيش، وغيرها من بني بني، وهذا جيد وأمر طبيعي، والمشكلة ليست هنا ولكنها في الفساد والارتجالية التي جعلت من “بيت ردم”، و”الجرداء” و”بيت بؤس” بديلا للعلمي والفليحي وسينما بلقيس و”مداره” حارة الجلاء وغيرها من معالم ومتنزهات ومسارح المدينة -اقصد مدينة صنعاء الساحرة تلك التي نحبها.
الجديد في صنعاء اليوم هو توسعها وعشوائيتها وقبح شوارعها المرقعة، وغياب دولتها التي تصر على ظهور غيابها في كل شيء، في الشوارع والأزقة ومياه الأمطار الراكدة, في شارات المرور المعطلة وفي طريقة سير السيارات وطريقة إيقافها في وعلى الشوارع العامة، في “البلدية” وبائعي العربيات، في الارتفاع الجنوني لفواتير الكهرباء المقطوعة ومياه الشرب الشحيحة، وفي أسعار تلفوناتها الأرضية والسيارة عبر الأفلاك، في مكاتب الموظفين”الرسميين” وأطقم الأمن المركزي والحرس الجمهوري، في أسواق القات المزدحمة قبل أذان الظهر, في، وفي…إلخ. الحاضر في صنعاء وربما في كل المدن اليمنية هي فقط صورة الرئيس ومرشح “المستقبلـ” و”اليمن الجديد” منذ 28سنة.
مرة أخرى من يريد منكم أن ينظر إلى الفساد في اليمن فما عليه سوى النظر إلى شوارع صنعاء المرقعة والمليئة بالأخاديد والحفر والمطبات، وعليه حينها أن يتذكر ان هناك فرصة تاريخية واحدة لإخراج صنعاء وبقية اليمن من البؤس الذي تعيشه اليوم في ظل دولة الفساد وان 20سبتمبر القادم يوفر هذه الفرصة التاريخية.
اختم بالقول أنني أحب صنعاء, وصنعاء مدينة جميلة وساحرة فعلاً, ولكن “عاشقاها السل والجربـ”.

[email protected]