عبدالباري طاهر يتسائل عن الحداثة وفشل الثورة العربية!

عبدالباري طاهر يتسائل عن الحداثة وفشل الثورة العربية!

لا يتجلى فشل الثورة العربية في شيء كتجليه في فشل الحداثة ونكوصها. فالثورة العربية في مراكزها الأرقى حافظت وبقوة على القيم والتقاليد العتيقة والبالية. فقد حافظت المجتمعات العربية على تقليديتها وروابطها القبلية والأسرية والعشائرية والجهوية. ورغم مضي ما يقرب من نصف قرن على الثورة القومية في مصر وسوريا والعراق والجزائر واليمن؛ إلا ان التحولات العميقة:الاقتصادية الاجتماعية الفكرية قد توقفت منذ أمد، وأخذت في التراجع والانحسار.
وتمثل اليمن بشطريها مثالا لهذا النكوص، فالمحمية عدن التي عرفت الحريات الصحفية، ونشأة الأحزاب والحركة النقابية، وازدهار الحياة الأدبية والفكرية، وانتشار واسع لمؤسسات المجتمع المدني.. قد تراجع تيارها تحت ضربات الإجراءات الثورية شديدة التطرف والغلو مطلع السبعينات. وأدت هذه الإجراءات الاقتصادية الاجتماعية ” الاشتراكية ” إلى ضرب الطبقة الوسطى عماد الثورة والتغيير.
وأدى نظام الحزب الواحد إلى عودة القبلية العشائرية والجهوية لكن بلبوس ثورية أكثر بريقا والتباسا. لقد أطاحت الثورة في الجنوب 14 أكتوبر بالسلاطين، ولكن البنية القبلية حافظت على وجودها بسبب غياب التحويل المجتمعي. كما أسهم خنق الحريات العامة والديمقراطية في ركود المجتمع، واحتفاظ القبيلة بقوتها وقيمها وتقاليدها وعاداتها من حيث أراد التنظيم السياسي للجبهة القومية القضاء على يناير 86.
اما في الشمال (المتوكلية اليمنية، الجمهورية العربية فيما بعد) فان القبيلة كانت السند الوحيد والقوي لنظام الامامة ووجهت ثورة سبتمبر62 ضربة قوية للتركيبة القبلية التي انشقت على نفسها، جمهورين، ملكيين. ولكن الحرب الظالمة التي شنت ضد الثورة، والنجدة المصرية قد فرضا الاستعانة بمشايخ الضمان – عتاة المجتمع التقليدي – لمواجهة الحرب الملكية.
وقد قويت شوكت مشايخ القبائل مما مكنهم أولا من إعاقة تيار التطور والحداثة، ثم فيما بعد الانقضاض على النظام الثوري في 5 من نوفمبر 67.
لقد أعاقت الحرب الجهنمية، التي استمرت قرابة ثمانية أعوام، قطار التنمية والبناء والتحديث. وبقيت مناطق القبائل على حالها في الشمال والجنوب، واسهمت الانقلابات والصدامات المسلحة في الشمال والجنوب وبين شطري الوطن في تقوية عضلات المجتمع القبلي التقليدي، وإضعاف مؤسسات المجتمع المدني وتيار المدينة والحداثة. فقد أكلت الحروب الضارية موارد البلد -الشحيحة أصلا- وكانت على حساب التنمية والبناء والتطور. وكان التعليم والتطبيب وتحديث الزراعة والبنية التحتية، وتحديث جهاز الدولة مصدر الخلل الحقيقي في تجربة ومسار الثورة اليمنية في الشطرين. وفي حين أعاقت الحروب خطط التنمية فإنها بالقدر نفسه قد أعاقت التطور الديمقراطي، ومن باب أولى التحديث.
والواقع ان اليمن ذات تركيبة قبلية قوية وفاعلة. وقد استمدت قوتها من طبيعة بيئتها القاسية والشموس حسب وصف أبي الأحرار محمد محمود الزبيري.
كما ان التخلف محروس بامية مدججة بالسلاح. وقد واجهت دعوات الحداثة والتجديد القمع المروع منذ منتصف الأربعينات. والحداثة التي بشر بها “سبتمبر” وئدت بالحرب، وتسيد قوى شديدة المحافظة والتردي. وكان صعود التيار الاسلاموي المتحالف مع شيوخ القبائل بمثابة قيد اضافي على اتجاه الحداثة والاستنارة.واذا كانت الحروب وانتصار العسكرة والرؤية الواحدية -حسب تسمية بليخانوف- هي التي حكمت اتجاه الثورة (سبتمبر واكتوبر) فان الوحدة اليمنية كانت رافعة مهمة للتوجه الحداثي؛ فقد قامت الوحدة ودستورها على اساس التعددية السياسية والحزبية. ونص الدستور على حرية الرأي والتعبير.
ولم يدم فجر الحداثة أو ربيع الحرية؛ فقد نشب الصراع بين قطبي الوحدة: المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي، وتطور إلى حرب. وكانت الضحية الاولى “الحداثة” والحرية التي بشر بها ربيع صنعاء في مايو 90.
وقد اعادت الحرب الفاجعة اليمن إلى المربع الاول. ان مأساة الدولة اليمنية ومأزق شعبها انها مطلوب منها تحديث نفسها وتحديث مجتمعها، واعادة صياغة بنية مجتمعها الشائخة.
صحيح ان الحداثة العربية كلها ذات طابع هلامي وشكلي، فالمجتمعات العربية لاتزال مجتمعات زراعية ولاتمثل فيها الصناعة الا نسبة ضئيلة من الدخل، ومدنها تمثل امتدادا طبيعيا لريفها الامي والفقير. ومنذ السبعينات انتشرت احزمة كثيفة للفئات الفقيرة والمهمشة من حول هذه المدن. ومعها ازدهرت الافكار الجهادية
المتطرفة، وغدت الطفرة النفطية، وحرب افغانستان، ونشر التعليم والفكر السلفي والتكفيري عائقا من اهم العوائق امام تيار الحداثة.
والواقع ان الحديث عن التنوير أو الحداثة أو التجديد غير ذي معنى في ظل أنظمة مندغمة ومتماهية مع القبيلة، وحريصة على بناء مجتمع ما قبل الدولة، وعلى عدم تحديث مناهج التعليم وبناء الدولة العصرية الحديثة، والارتهان لعقلية ” حلولية الفرد في الجماعة، والتعامل مع الواقع وحقائق الحياة بروح عاطفية” واصباغ الوان من القيم والمثل الجامدة على مواطن الفكر والتعاطي مع الحياة، وعدم التمييز بين ما هو ذاتي وماهو موضوعي، والخضوع المطلق للخرافة، والاحتكام للماضي في كل شؤون الحياة، ويصبح الحديث عن التجديد لغوا من القول.
ان الحداثة التي شهدها المجتمع اليمني والفكر والأدب منذ مطلع الأربعينات في الشمال والجنوب، قد أعاقتها عوامل عديدة. ولا سبيل أمام الحداثيين غير إعادة القراءة للحداثة بما وصلت إليه في مختلف مناحي الحياة وتشخيص الداء في واقع الحياة. فقد شهدت الحياة والثقافة تجديدا محدودا ومحاصرا بالمجتمع التقليدي والفكر الثبوتي الراكد؛ مما يستوجب القطع المعرفي والوصل الإبداعي التجديدي. فامتصاص رحيق الجديد في الحياة الفكرية والإبداعية وإعادة صهره بروح العصر ومتطلبات التطور مهمة جيلنا والأجيال القادمة. وحقا فان الحرية هي الشرط الأكثر إلحاحا لنقتدر ونمتلك الفضاء الواسع للرؤية الموضوعية لواقعنا.
والدولة اليمنية تتحمل مسؤولية رفع لواء التجديد والحداثة. وبقدر ما تعمل على تجديد نفسها، وتحديث إدارتها وأساليب عملها، بمقدار ما تعمل على تحديث مجتمعها. وتتحمل مؤسسات المجتمع المدني والأدباء والكتاب والمثقفون والمبدعون وأهل الرأي والصحافيون مسؤولية الانفتاح على تيارات الحداثة المختلفة والمتباينة، وقراءة واقع الحال، وغرس شتل الثقافة الحديثة والأفكار النيرة في مجتمع يمتلك قابلية مدهشة للتعاطي مع الجديد.