مزهر.. لطمة سهو!

مزهر.. لطمة سهو!

* كان عقيداً في مطار صنعاء تحول إلى باحث عن لقمة عيش
* لديه (5) أبناء مصابون بالسرطان
* فُصل من عمله أثناء سفره لعلاجهم
* الرئيس وجه بمنحه أرضية في لحج، حال متنفذون بينه وبينها

– محمد العلائي

لا يمكن لمزهر، إثر تمزقه المباغت، إلا التشظي في وجه الرعونة، الانمحاء في زبد المكدس, المدفون؛ ليس عليه اكثر مما يستطيع.
اعترك ببسالة مع أدوات المحو, ضداً على أسنة الشطب, فلم يكن إلا أن يلغى هكذا، ويزال من الحياة، كما لو انه قشة تمتهن الرياح ذروها إلى اللامكان.
مزهر نبت على أيكة تزهر قوارض وأرضات, تتناسخ مدكات ومناشير بتر وسحق.
أيكة, فيها الشجرة لا تموت واقفة بل “مُفحَط” عليها, متهاوية مداسة، وهنا الفرق. في وطن ينتعل ذويه ليتفلهم ليس، إلى الاسكافي، بل عمال التنظيف يتولون كنسهم إلى الفلاة، إلى الفراغ، إلى التلاشي والانسحاق بعد ذلك.
لنتخيل شعباً مسؤولوه من محترفي الكنس، وبخفة يجرفون رعاياهم إلى المزابل، أمعقول هذا؟!
العقيد مزهر عبده عبدالحكيم فقير، المدير الأسبق لاتصالات مطار صنعاء الدولي، لديه من الأبناء ستة ذكور وثمان إناث، يجيد 3 لغات في بلد ليس فيه إلا لغة واحدة لا سواها، تلك هي التي مضغته بحدة، وحدها لغة الإقصاء والمصادرة ذات اثر هنا.
 خاتمة القرن المنصرم، تحديداً 1/6/1999م كانت كوميدياه السوداء، كنجيع متخثر، بدأت مشهديتها الاستهلالية، وهو المعيل ل 14 ابناً, بزحف فجائي لأدواء مستعصية استوطنت بلقيس منذ ما يناهز 15 سنة، وفوزية (20عاماً) حملت المرض وهي في مهدها, وفاطمة (13 عاماً) داهمها في السادسة من عمرها.
أصبن جميعهن بمرض الأنيميا المنجلية (سرطان) في النخاع الشوكي. وتالياً لحق بهن إيهاب (18 عاماً) وأفراح (5 سنوات). هذه حالته إجمالا.
تجاذبت أنفاسه النكبات تلو النكبات، وأوغلت بفسحته في سم ابرة، واحتضنته بفجاجة. ولما لم يجد له مؤازراً عامئذٍ, لجأ إلى إعلان مأساته عبر صحيفة “الأيام”. وكانت رسالة لم تخب.
رُخص له من إدارة المطار بسفرية علاجية إلى سلطنة عمان في وقت لم يخبُ عطاؤه الوظيفي بعد.
حسن، إلى هنا تبدو عتمة كان مواتياً انفراجها لو لم يظل الإهمال والتهميش يتدفق ناحيتها ليزيد قتامتها وحلكتها, ما سوف يعني إنهاكاً نفسياً وعصبياً للرجل فضلاً عن استنزاف مخيف لروحه.
 وعطفاً على ما سرد قبلاً فمزهر عُين العام 64م في مطار عدن، وفي العام 93م عين في مطار صنعاء الدولي الذي لم يكلف نفسه أي عناء لمعاضدته في محنته كما لو كان إضافة كريهة يتعين إزالتها.
إذاً, اجيبت استغاثته عبر صحيفة “الايام” وتكفل فاعل خير بنفقات سفره إلى السلطنة. وعوض أن تعمل إدارة المطار شيئاً حسناً إزاءه، وجد نفسه إثر عودته مقضياً عليه بالاستغناء عنه من خدمته.
في الواقع, كانت الحالة الصحية لبناته الثلاث ميؤساً منها؛ ما أجبر الدكتور على التراجع عن إجراء العملية؛ تحسباً لأية مضاعفات قد تفضي إلى الوفاة.
ومزهر هذا عقيد، غير أنه لا يفرق كونك كذلك طالما متكأك خاوٍ، ليس من حشو له إلا دستور، الأخذ به رخو، وقانون، الالتزام به متفسخ.
لتنجو من عثراتك يلزمك أن تعمد بميسم حاشدي أو بكيلي، أو جعشني على أقل تقدير, «أما عدن.. يا تعب حالي».
اتصالات مطار صنعاء تسلمتها ذات سهو يا مزهر, وقد تهجدوا بأناتك كثيراً كيما يتحنثوا من الإثم ويكفروا عن سهوهم، وهم كلهم على ذياك الهزال الإنساني مذ اعتلونا. الاستغناء عنك ليس أكثر من لطمة سهو اغتسلوا بها من خطيئة كونك معهم.
ليس في الأمر تنويه، أبداً, أصيب ابناؤك بعلل خبيثة وهذا قدرهم، أما هؤلاء فمتلبسون بأدواء التوحش والاكفهرار “والبهررة”، مغلفون باليباس، بالشح والشبق، هذا كل ما في الحكاية.
 وإذ يحن إلى ماضيه, أهو مطالب ألا يبدو حاقداً ساخطاً؟
لمزهر من النبل والدماثة ما جعله يُنئي الرئيس عن وجعه. فالأخير وجه بصرف ارضية بقيمة 40 ألف دولار من أراضي الدولة بمحافظة لحج، وهنا انتبه الأول وإذا هو مطمور بصد وتجهم بشعين، فالجهات المعنية هناك ما استجابت قط لتوجيه الرئيس وتوصيات الشيخ الأحمر ومناشدات يحيى الراعي.
يكن للرئيس امتناناً وإن لم يعثر على شبر من الأرض الموصى له بها, وكذا لحامد فرج مدير الطيران المدني والأرصاد.
مؤخراً استأجر له مسكناً في هامش صنعاء،وكان سافر قبل عام من الآن إلى المملكة العربية السعودية طلباً لعلاج بناته الثلاث وكذا لإيهاب وأفراح، للذين غزاهما المرض الآونة القريبة.
حلقة فجائعية واقعية. ليس حائكها راوٍياً يناكش العواطف بتلفيق نهايات ومصائر دامعة عابراً باللغة “سيركـ” العبث، كلا ليس كذلك مطلقاً.
رضي برفده من عمله مع أنه لم يبلغ سن المعاش اما الفصل النهائي فهو الموت بصورته الأقذر. وهو يطالب بإعطائه الراتب الأساسي مع البدلات بوصفه غير متقاعد ويتنازل عن عودته إلى العمل.
على أية حال، مزهر: خسارات، خيبات، فجائع، 14 ولداً، منهم 5 أنهكهم المرض، واغتيال وظيفي متعمد، وفي طرف الممر تسول، تفاصيل حافية من ضوء، مجللة بكل احتياطات الألم.
هو ذا أخيراً «يمد كفه للريح» بتعبير جمال أنعم، لم تغوه عدمية الحياة المحيطة لكي يدع المرض يبدد أولاده بيأس, لم يذعن تماماً، ما يزال مصراً على ألا يموت واقفاً فقط بل محلقاً.
نهايات ومصائر تشي بمخاوف ليست مؤجلة، تقتنصنا وتزدرد ما لم يمت من فرائحنا، ما لم يمت منا.
دفع قسراً من متن الحياة إلى حاشيتها، إلى حافتها. يكور راحتيه كمرآة مقعرة ويناولها للفراغ. مرايا تعكس كم هم اقزام حقراء اولئك الذين شكلوا منه متسولاً اضطرارياً.