يطلبون التغيير ويرون في ناخبي الرئيس استمراراً لمصالح لا قناعات .. ناخبو بن شملان ناقمون يتوارون حذراً والكتاب يعتبرونه المستقبل

يطلبون التغيير ويرون في ناخبي الرئيس استمراراً لمصالح لا قناعات .. ناخبو بن شملان ناقمون يتوارون حذراً والكتاب يعتبرونه المستقبل

– “نيوزيمن”، عبد العزيزالمجيدي:
لم يُبد يوسف البعداني، وهو مواطن يملك “بقالة” صغيرة في احد شوارع صنعاء، ترددا في الإفصاح عن مرشحه للانتخابات الرئاسية، وقال بسرعة كمن يستعجل الموعد: “فيصل بن شملان”.
وسرعان ما خفت اندفاعه، فقد علم النيَة من السؤال، لكن التزامي بعدم الإشارة إلى اسمه الحقيقي إن هو أراد تحوطا من تبعات ما -حد اعتقاده- أعاد إليه بعض الحماس مع قليل من المخاوف التي لم تفارق ملامحه.
واتفقنا: هو يوسف البعداني كما فضل تسمية نفسه بدلا عن اسمه الحقيقي، وأنا صحفي عليه الوفاء بما وعد.
ولم يكن الالتزام الوحيد الذي قطعته، فقد اكتشفت ان محاولة تلمس توجهات الناخبين نحو مرشح هو تحديدا معارض، مجلبة للكثير من الريبة والهواجس، ومزيد من الالتزامات أيضا لاستطلاع الأعماق.
كان منير الشرعبي مثالا آخر لما بدأناه، اسمه الأول حقيقي، وطلب تعديل الثاني بلقب لم يكن ملحقا باسمه من قبل، وبرر ذلك “احتياطا من أي مضايقة” حد قوله.
بالنسبة للانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في 20 سبتمبر فإنها ستكون وفقا للمراقبين،الانتخابات التنافسية الأولى في اليمن على المنصب الأول، وذلك ما يجعل منها محفوفة بالكثير من القلق لدى الطبقة السياسية في البلاد، وهي تعكس نفسها مخاوفا لدى المواطنين مع احتدام وتيرة الحملات السياسية بين الجانبين.
يبدو منير متحمسا لترشيح بن شملان لمنصب رئاسة الجمهورية ويرى فيه خلاصا من عشرات السنوات العجاف التي مرت بها اليمن. ويمتدح الشرعبي ما وصفه بالرصيد النضالي المشرف والنزيه لمرشح المعارضة فضلا عن ذلك فإنه يبدي اعتزازا بالأحزاب التي قدمته للناخبين.
وأضاف منير: “بن شملان رجل خبرة وكفاءة. وأحزاب المشترك قدمت مبادرة لإصلاح أوضاع البلاد”.
قناعة “الشرعبي” لم يشكلها فحسب تعاطفه مع أحزاب المشترك، فالواقع المعاش أيضا دفع بتلك القناعات إلى أقصى السخط، إذ يعتبر إعادة ترشيح الرئيس صالح “تكريسا للفساد وسلطة القبيلة”، فضلا عن خشيته من العودة مجددا إلى الاستماع لخطابات الرئيس.
ويقول المدرس (36 عاما) ” الرئيس يكرر ذات الكلام من عشرات السنين ولا يوجد شيء من خطاباته يلمسه الناس وتتحقق منه الفائدة، وفي عهده الفساد ينمو بدرجة أكبر بكثير من النمو الاقتصادي”.
الرغبة في التغيير والتغيير فقط هي التي تحث المقطري بن سعيد لترشيح بن شملان، ويستدرك: “نحن بحاجة لشعب وليس إلى رئيس”.
تطرز السنوات الأربعون وجه المقطري بن سعيد بياضا قبل رأسه، يظهر نقمته على الرئيس وحكمه كما لو كان بين الاثنين ثأر، ويقول بأن” 28 عاما كفيلة بأن يفهم المجنون ناهيك عن العاقل بما يكابده الشعب بأكمله خلال فترة حكم على عبد الله صالح”.
وليس ثمة خيار آخر أمام المقطري (وهو موظف حكومي فضل استخدام لقبه بدلا عن اسمه الحقيقي) سوى “التغيير الذي لابد من حدوثه”. منفعلا باستغراب: “مش معقول ان 22 مليون يمني يستعصي عليهم الإتيان برئيس جديد”.
أكثر الأشياء التي تدفع يوسف البعداني الآن لترشيح بن شملان تجربة شخصية تأخذ منحى الانتقام مع قليل من السخط على الأوضاع العامة في البلد.
لقد أحب يوسف (35 عاما) الرئيس صالح من قلبه، لكن يوما ما أبغضه من قلبه أيضا.
في 21 يوليو من العام الماضي اندلعت التظاهرات في محافظات الجمهورية احتجاجا على رفع أسعار المشتقات النفطية وتنفيذ الحكومة لما صار معروفا لدى اليمنيين بالجرعة. أشد تلك المظاهرات اشتعلت في صنعاء وكان سوء حظ يوسف ينتظره على أحد أرصفتها.
كان عليه ان يقفل دكانه الصغير توخيا للحذر ففعل، غير أنه وجد نفسه فجأة في قبضة الأمن السياسي عندما كان خارجا للتو من منزله لمعرفة ما يحدث. وقال البعداني: “احتجزوني أربعة عشر يوما، وكان بجانبي 700 معتقل آخر”. ما حزَّ في نفسه أن الرئيس كان يحضر شخصيا إلى جهاز الأمن السياسي “ما ادريش ليش” حد قوله.
يوسف لا يعرف الكثير عن المرشح المعارض فيصل بن شملان، لكنه تعهد بالنشاط لصالحه والتأثير على من يستطيع من معارفه لترشيح بن شملان.
كلما تذكر يوسف أيام اعتقاله في الأمن يزداد غيظا وحسرة أيضا على ما كان يقترفه من اجل الرئيس الذي أحب.
أضاف البعداني: “في الانتخابات الأولى كنت أفتش في الكشف عن أي اسم لميت أو غائب وأقترع بدله ورشحت الرئيس أكثر من مرة”.
موعد بدء الدعاية الانتخابية للمرشحين لم يبدأ بعد لكن ذلك لا يعني ان لاطراف لم تشن بعضا مما تخبئ في جعبة التراشق الانتخابي، وهو ما قد يضاعف حدة الاستقطاب بين جمهور الجانبين تجاه بعضهم، تأخذ بعضها منحى تجريحياً.
يوسف لا يكترث بمن سيرشح الرئيس، ويقول: “كل واحد الله يفتح عليه” أما هو شخصيا فيردد: “لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين” مع انه يعد بن شملان بالنشاط لصالحه.
الأمر مختلف عند شخص آخر، والحاجة إلى التغيير تضغط بقوة على “بن سعيد” لدرجة تدفعه إلى مهاجمة من سيرشح الرئيس صالح.
يعتبر “بن سعيد” من يتحدثون عن ترشيح الرئيس لا تصدر آراؤهم عن قناعة، ويربطها بمصالح ذاتية لكنه لا يتمالك نفسه عندما يتذكر أن هناك من سيرشح الرئيس وينظر إلى من سيصوت لمرشح المؤتمر الشعبي العام على أنه “إما نصاب أو فاسد أو مرتشي أو في وضع مالي مميز يخدمه حكم علي عبد الله صالح “. ويطلب منهم النظر إلى ما آل إليه حال الوطن والمواطن على حد سواء لتغيير قناعاتهم لكنه يرى في وجود هذه الأصوات سر بقاء الرئيس صالح في السلطة طيلة 28 عاما.
ومع تأكيده على انه يؤمن بحرية الآخرين في الاختيار إلا أنه يرى أن “من يريدون التحديث وبناء الوطن لن ينتخبوا علي عبد الله صالح وسيقفون مع التغيير”.
بالنسبة لمنير فإنه يؤكد على حق من يريد انتخاب علي عبد الله صالح ويعتبرها قناعة شخصية لكنه لا ينسى تقديم ما يراه نصحا “على الناخب ان يفكر مليا قبل أن يدلي بصوته وان ينظر إلى واقعنا كما هو ليقرر من سيرشح وأيهما الأصلح”.
وبعيدا عن كل تلك الآراء فقد بدا فواز (وهو صاحب محل إكسسوارات) مرتبكا. في البدء قال إن مرشحه فيصل بن شملان، وإذ أدرك أن رأيه سينشر في مادة صحفية تراجع على الفور، ليؤكد بأنه سيرشح علي عبد الله صالح، وذهب مادحاً “الرئيس حقق لنا الثورة والوحدة وكثير من الأشياء “.
خلافا لما يسكن في طوايا المواطنين حيال مرشحيهم فقد كان طبيعيا ان يكون للصحافة والكتاب المناصرين للمعارضة رأيا صريحا وواضحا.
عقب الإعلان عن فيصل بن شملان مرشحا لأحزاب اللقاء المشترك في 2 يوليو الماضي تواترت الآراء المؤيدة لقرار المعارضة بخوض الانتخابات منافسا لدودا للرئيس وحسن اختيارها للمرشح كذلك.
استبشر الكاتب أحمد صالح الفقيه في مقال له في صحيفة “الثوري” المعارضة، بإعلان المعارضة مرشحها واعتبرها “لحظة جليلة وتاريخية ” و”عملا سياسيا موفقا (…) يشير إلى حنكة سياسية وجدية بالغة”.
بن شملان بالنسبة إلى الكاتب الفقيه مرشح إجماع وطنيا وعربيا وإقليميا ودوليا ” لما يتمتع به من خبرة وكفاءة واستقامة وصلابة في الحق وخلو من المطامع الشخصية التافهة “، مستندا إلى سيرته ومواقفه “طوال عمره المديد”، ويراهن عليه بالتعاون مع أحزاب اللقاء المشترك في إخراج البلد مما وصفه بالنفق المظلم.، وقال إن ” فوز المهندس فيصل بن شملان سيكون موعدا مع مستقبل مشرف ليمن سعيد “.
أما الكاتب الصحفي عبد الله صبري رئيس تحرير صحيفة “صوت الشورى” الموقوفة، فقد وجد في الشعار “أكمل المشوار” الذي رفعته حملة إعادة ترشيح الرئيس نفسه للانتخابات بعد قراره السابق بعدم الترشح، مناسبة لبدء مقال مناصر لمرشح المشترك فيصل بن شملان.
وفي ذات صحيفة “الثوري” الناطقة بلسان الحزب الاشتراكي اليمني اعتبر ان على مرشح المعارضة فيصل بن شملان بدء المشوار مع كل شيء تقريبا، ويتساءل صبري عن أي مشوار تقصده الموالاة على الرئيس إكماله: في الصحة أو التعليم أو الإدارة أو التحديث أو التنمية بشكل عام؟ لكنه يرد مجيبا: “لو كانت مشاوير الرئيس ناجحة لما فكر أحد في البديلـ”، مشيرا إلى ان الأرقام والحقائق تؤكد أن مشوار (الصالح) يقود البلد إلى شفا جرف هار.
المشوار الوحيد الذي رأى صبري ان الرئيس صالح مناسب له هو مشوار الفساد “إذا كان هو المقصود في شعار: “إكمل المشوار”، ذاكرا ان “الرئيس قد أعلن العجز -في أكثر من مناسبة- عن محاربة الفساد والمفسدين، ودعاهم -كخطيب جمعة- أن يتقوا الله فحسبـ”.
بن شملان وفق رأي صبري بعد تحقيقه الفوز في الانتخابات إذ يطلق عليه صفة الرئيس سيبدأ مشواره بمحاربة الفساد والمفسدين باعتبارهم العائق الحقيقي أمام الإصلاحات المنشودة متوقعا انه” لن يجد تعاونا من غالبية القائمين على أجهزة الدولة”.
فيما يراه فسادا مطبقا، فإن “صبري” يعتقد بان بن شملان سيجد نفسه أمام هيئات معطلة وموازنة بلا رصيد “إثر استنزاف المال العام في حملة الرئيس صالح الدعائية والانتخابية ” بالإضافة إلى” ألغاز لا يملك شفرتها إلا الرئيس السابق الذي هيأ نفسه وأسرته لتوريث الحكم على الطريقة الجملكية” لكن ذلك لا يراه صبري مانعا أمام استمرار بن شملان مرشحا، مع اعتباره المنافسة “مغامرة كبيرة لا يحسد عليها ” داعيا إياه إلى بدء المشوار ” ونحن والشعب معك “.
يقر الكاتب الصحفي جمال انعم أن لا طاقة كافية لديه لانتظار “الكهرباء النووية”، معلنا انه سيذهب “إلى النور” بعدما بات مأخوذا -حد قوله- بمرشح أحزاب المعارضة بن شملان إذ يصفه بـ” العقل الراسخ، أنيق الحضور مثقف عملي من طراز رفيع يعرف ما يريد ويعبر عن نفسه ورؤاه بحصافة واتزان.. لا خلط في كلامه ولا تشوش أو اضطراب، يقول جديدا غير معاد، لغة عالية لا نزق فيها ولا رعونة ولا عنف، رؤية نافذة تشخص الواقع بشفافية”.
وفي المقال الذي نشرته صحيفة “الصحوة” الناطقة بلسان التجمع اليمني للإصلاح أكبر أحزاب المعارضة يبشر جمال انعم بالمرشح فيصل بن شملان ك “أمل مشترك، وكمرشح للتغيير متقدم وصاحب قضية”.
يلمح “أنعم” اليوم في الشعب الذي وصفه بالمنسحق تحت حوافر الألم إدراكا بان ” اصطباره على طول المهانة والعذاب محض إثم لا يؤجر عليه البتة بل يجازى عليه مزيد هوان وضعة “.
إن ما يقرأه هو أن الجمهور قد وصل حد الانفجار، يتوق إلى النور ساخرا من الوعود الرسمية بإدخال الطاقة النووية لتزويد المواطنين بالكهرباء، وقال إن الجمهور” سئموا المشهد الوحيد والنص الواحد والفرجة القسرية، ضاقوا ذرعا بالصالة المظلمة، بالعتمة الدائمة. والكهرباء ” النووية ” لا تصلح لإضاءة الطريق مجددا إلى الرئاسة وأبناء العتمة ما عادوا يحفلون بقناديل الكلام “.
يخاطب رئيس الجمهورية تعليقا على ما قال إن الدفاع عن الوحدة والجمهورية دفعه للترشح مجددا، ويقول جمال أنعم: “كنت أتمنى ان يكون بين مهامه الحفاظ على الشعب اليمني من سياسات الإفقار ومن قوارض الفساد”، موجها حديثه للرئيس: “الجوع فخامة الرئيس وحش لا يمكن أن ننساه لأنه ينهشنا صباح مساء يقتات أكبادنا على مقربة من التخمة الحاكمة”، وقال ان الفقر هو “القوة السياسية الكبرى في كف الفساد “، واعتبره “لعنة ماحقة لا تبقي مساحة للتباهي “، متسائلا: “ما الذي يبقى من الثورة الجمهورية والوحدة إن ضاع الإنسان؟”.
ويشكر الكاتب المعارض أحزاب المشترك لأنها أنصفتهم حد قوله باختيار بن شملان مرشحا للرئاسة، مؤكدا أن المرشح سيدخل ملعب المنافسة على المنصب ” واثقا ليكتسح على رأس لاعبين مصرين هذه المرة على خسران الخسارة ذاتها وفي مقدمة جمهور سئم الفرجة ومل دفع ثمن الخسارات أمام حزب وحيد ولاعب واحد… هو على امتداد عقود الأكثر غشا والأوفر حظا”.
الواضح ان الانتخابات المقبلة ستكون ساخنة إلى حد قد يصل الحريق، وسيخوض المتنافسون ما يطلق عليها البعض المعركة الانتخابية بكل ما يملكون من قوة في مرحلة تبدو استثنائية على أكثر من صعيد، إذ ستكون شاهد افتراق عملياً لتحالفات تقليدية تبدو على مرمى أقل من شهر ونصف من موعد إفراغ احتقانات سخط وغضب ورضا موال أيضا.