وأخرى.. غلبت اصالح..

وأخرى.. غلبت اصالح..

وأعود للموجع، هنا، هذه المرة أقوى وبرغبتي، ذهاباً في سادية عظمى لا مناص منها لسلخ روحي. الموجع العنيف في «غلبت اصالح في روحي».. ولي فسحتي كما ورخصتي. هي، على الأقل، رخصة موازية لتلك السادية الباذخة التي كتب بها أحمد رامي أغنيته، «المذبحة» سافحاً إياها تحت قدمي القلب غير المهتم وغير المنشغل «برفقة السادي الآخر السنباطي رياض»، كلاهما فعلا ما ينبغي وأكثر لاحترام ساديتهما، و«ثومة»، كعادتها، لا تهتم بالاثنين معاً.
في العام ستة وأربعين من قرن فائت، كتب رامي ولحن رياض «غلبت اصالح»،وهي (ثومة)، لا تهتم بغير مجدها ونزواتها.. مع الملكية أولاً.. وما بعدها تالياً، والثورة الناصرية وضباطها الاحرار أخيراً وليس آخراً. وبين كل ذلك نجد جمهوراً عريضاً، ومهللاً ومنادياً أن أعيدي يا «ست».. أعيدي كل ساديتنا وكرريها وصبيها فوقنا وتحتنا، في القلب وفي الحساس منه.. «على الجراح اللي فيه/ الليل يردد نواحو/ طول ما أليفه مجافيه/ لما الزمان غدر بو/ بعدك كنت نديم شكواه/ رماك وجه السهم في قلبو../ حتى الزمان اللي كان/ عطفك يعني عليه/ خلاني أرضى الهوان/ واسلم الروح ليه»..
هي السادية العربية ذاتها.. ذاتها ما كان وجاءنا على وزن حب وغناء ووطنية، سابقاً، ومقاومة في أيامنا السوداء الحاضرة وما بعدها يقيناً. أيامنا السوداء تماماً إذ لا ريب أنها ستطول.. ستطول حتماً مادامت تلك الاصوات والقلوب المطروبة على حالها رداً على ما تقوله «الست»…
وما إليها!! هي السادية العربية ذاتها التي انطربت، وطنياً، على أجنحة «حنحارب»، و«قلنا بنينا، وأدحنا بنينا»، وكذا «صورة، صورة تحت الراية المنصورة..» وما من نصر جاء!!
ما إذ وخلاصة ما جنيناه من كل هذا كان خراباً تاماً، ونوماً على وسادة القومية وسواها.. واسترخاء فيما بعد كل هذا، على قوة المقاومة وعنفوانها!! استرخاء على المقامات الخالية من أرباع الدرجات، العجم والنهوند والكرد والسوزول.. استرخاء لا يصل حد التأثير على المنصت والرائي لهول ما يحدث في نبذ لقاعدة أن اختلاف درجات الركوز في سلالم المقام الكبير تأثيره على نفسية السامع.
لا احترام هنا لأية قواعد أُتفق عليها من زمان.
ما يقال مثلاً على أن المايسترو المقتدر هو من ينجح في إدارة جوقته ذهاباً بها نحو الحد الأقصى. ما يقال أيضاً أن الملحن البديع هو من يستطيع اخراج الطاقة القصوى للمطرب وذلك من خلال اللحن الذي يغطي كامل المساحة الصوتية المطرب، سواء من ناحية القرار أو الجواب مروراً بالوسط. لا أدري أين قرأت هذا وعرفته، لا يهم.
لنبدأ الآن بإحصاء قتلانا..

– جمال جبران