وجاء نصرُ الله والفتح – نادرة عبدالقدوس

وجاء نصرُ الله والفتح – نادرة عبدالقدوس

خسئ من يظن -مجرد الظن– أن حرباً أهلية تنتظر اللبنانيين إذا لم يتم وقف إطلاق النار من قِبل مجلس الأمن بين الطرفين المتحاربين.. والمؤسف أن وزيراً عربياً قالها أمام الملأ في مجلس الأمن وكأن أميركا ودول أوروبا وإسرائيل يخافون على لبنان من هذه النتيجة، وهم الذين يترقبون ذلك بفارغ الصبر.. فأي بلادة هذه؟! لا، بل ذهب إلى ابعد من ذلك عندما راح يصف ما تقوم به إسرائيل من عدوان يؤدي إلى خلق الإرهاب والتطرف في الوطن العربي! ما هذه القريحة التي تفتقت عن فكرة هذا الوزير ال… عربي؟! وكان أفضل له الصمت كما كان طوال شهر كامل، ويكتفي بعار بلده التي سمحت للطائرات الحربية الأمريكية بنقل القنابل الذكية للإسرائيليين من قاعدة أمريكية رابضة في أرضها لتقتل الأبرياء من المدنيين العزل.
إن اللبنانيين أثبتوا خلال ابتلائهم بالعدوان الصهيوني على أرضهم أنهم أكثر تعاضداً وأكثر تكاتفاً وأكثر وعياً من ذي قبل. وهذا الذي زادهم قوة وإيماناً بالنصر والصبر على الابتلاء دون أن يمدوا أيديهم لأبناء جلدتهم طلباً للعدة والعتاد لمساعدتهم على التصدي للعدوان الصهيوني. بل أن بعض النازحين من مناطقهم بعد العدوان على مساكنهم الآمنة رفض الدعم المادي والغذائي الذي يقدم من بلدان عربية تعتقد أنها بذلك نالت الأجر عند الخالق!
إن دموع رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة لم تكن تعبيراً عن الضعف أو الانهزام وإنما كانت تعبيراً عن الحسرة والألم وهو يرى أشباح الهوان العربي أمامه تستمع إلى كلماته الحزينة وتنظر إلى تعبيراته المؤثرة وعبراته المؤلمة، بعيون جافة وعقول جامدة وقلوب باردة.. حتى أنه قالها بكل جرأة وصراحة تخنقه العبرات، بأن يكفوا عن صراعاتهم وأن عروبة لبنان غير مشروطة وليست إرغاماً.. وأن العرب إذا أرادوا المساعدة الحقيقية فعليهم أن يفعلوا شيئاً جديراً تذكرهم به الأجيال بكل فخر.. بيد أن العرب خذلوه.. وخذلوا لبنان الحر الأبي، وخذلوا الأمة العربية.. وهذا ليس بالغريب على الحكام المنتمين إلى العروبة كما نعرف.
وزراء الخارجية العرب أثبتوا أنهم يكذبون وأنهم غير قادرين على تغيير الواقع قيد أنملة. فحكامهم المبجلون لم يعد لديهم ذرة شعور بالكرامة أو عزة نفس بعد أن باعوا أنفسهم لأمريكا منذ زمن بعيد، وبعض هؤلاء الحكام ربط مصيره ومصير بلاده بالدولة الصهيونية ورفع الراية البيضاء منذ أمد بعيد – أبعد من مرحلة كامب ديفيد سيئة الصيت. والبعض يلعب مع الدولة الصهيونية من تحت البطانية!! ألم يصرِّح رئيس أكبر دولة عربية تدّعي ريادتها بين البلدان العربية بأن حزب الله ارتكب خطأ فادحاً عندما اختطف جنديين إسرائيليين؟ وكأنه لا يفقه في السياسة! ألم يسانده في الرأي عدد من البلدان العربية المعروفة بعلاقتها بدولة بني صهيون؟ وهي ذات البلدان التي تتمنى القضاء على حزب الله بأسرع وقت ممكن. وقد شعر هؤلاء بالسعادة حين قامت الحرب في جنوب لبنان، لأنها فرصة لتحقيق هذه الرغبة، ودارت الاتصالات بينهم وبين رئيس الوزراء الصهيوني حول هذه المسألة وطالبوه بالإسراع في تحقيقها. وكان هذا الأخير اعترف بذلك قبل أيام، دون أن يذكر اسم هؤلاء المحسوبين علينا حكاماً وعرباً، ودون أن يكذبه أحد منهم خوفاً من الفضيحة، رغم أنهم معروفون للقاصي والداني، فقد سقطت ورقة التوت عن سَوأتهم وكشفت الحرب الجارية في الجنوب اللبناني حقيقتهم. فهؤلاء الحكام، أليس باستطاعتهم سحب سفرائهم من إسرائيل إذا كانوا صادقين في مواقفهم العروبية والإسلامية؟ وأما كان بإمكانهم على الأقل التنديد بهذه الحرب الغاشمة وهو أضعف الإيمان؟ وأما كان بإمكانهم التهديد بقطع العلاقة مع هذه الدولة الدموية كما فعلها زعيم شجاع لا يمت للعروبة ولا للإسلام ويترأس دولة ليست عربية ولا مسلمة؟ وأخيراً ها هو قرار الأمم المتحدة (1701) المنحاز إلى الدولة الصهيونية في كل بنوده و الحقيقة أنه قرار أميركي، بعد أن تأكدت إدارة بوش من هزيمة ربيبتها عسكرياً وسياسياً. ومر القرار دون أي استنكار من أية دولة عربية ولا حتى من السفراء الدائمين في منظمة (الولايات المتحدة) وليست الأمم المتحدة.. بل ولا من الوزراء وأمين عام الجامعة العربية الموفودين إلى هذه المنظمة!! وواضح أنهم جميعاً يعتقدون أن حزب الله سيسلم سلاحه انصياعاً للقرار.. هيهات أن يفعل طالما العدوان الصهيوني لن ينتهي وطالما مازالت إسرائيل تحتل أراضٍي لبنانية والأرض الفلسطينية.. والمؤكد أن الحال سيبقى كما هو عليه، فإسرائيل لن تنفذ القرار رغم موافقتها عليه كعادتها منذ وجودها، ورغم أن القرار لصالحها لأنها بعد لم تحقق مبتغاها في احتلال مواقع في الجنوب اللبناني، وستبقى المناوشات بينها وبين المقاومة اللبنانية وإن ليست بالصورة التي كانت عليها خلال شهر.
إن النصر الكبير الذي يجترحه المقاومون الأفذاذ خير رد على كل هؤلاء الذين ينتظرون بفارغ الصبر هزيمة لبنان، ظناً منهم أنهم سيسلمون من فك أمريكا وإسرائيل المفترس المتعطش للدماء، ولا شيء غير الدماء، والعربية منها بالذات، لأنها الخطة الإستراتيجية الأمريكية الهادفة إلى تفتيت الشرق الأوسط وإلغاء الوطن العربي الكبير من الخارطة، ومعظم الحكام العرب على بينة من هذه الجريمة بل وبمباركتهم ليتسنى لهم الالتفات إلى مصالحهم وعربدتهم ضد شعوبهم، التي ستستفيق يوماً – وهو قريب – لتعيد أمجادها التي غابت شمسها قرونا طويلة.. وها هو حزب الله والشعب اللبناني بشرفائه الصامدين يؤكدون لنا ذلك بقدرة الله.
الكل كان يعلم عندما ذهب الوزيران بصحبة الأمين العام للجامعة العربية إلى مجلس الأمن لتعديل مشروع القرار الأمريكي الفرنسي فور انتهائهم من اجتماعهم الطارئ في بيروت الأسبوع المنصرم، أن ذهابهم إلى هناك ما هو إلا مضيعة للوقت وما هو إلا حركة مسرحية لإظهار قلقهم الكاذب، والتعبير عن حسهم القومي، المفقود، أمام شعوبهم التي أحرجتهم، أولاً، وأمام شعوب العالم التي خرجت تندد بالعدوان على لبنان، ثانياً، وشعورهم بالخزي ( رغم عدم وجود ماء في وجوههم ) بعد أن أقدمت فنزويلا على استدعاء سفيرها من إسرائيل وتهديدها بقطع علاقتها بهذه الدولة!! ذلك لأنهم يدركون تماماً اللعبة السياسية القذرة التي تمسك أمريكا بمفاتيحها، ففرنسا وغيرها من الدول الأوروبية سلّمت نفسها لأمريكا بعد الحدث التاريخي في 11 سبتمبر 2000م وإبرامها مع الإدارة الأمريكية اتفاقية تقضي بمحاربة – ما يسمونه بعُرفهم- الإرهاب، و حزب الله وحركة حماس وغيرها من الحركات التحررية العربية والإسلامية في أي بقعة أرض عربية ومسلمة حركات إرهابية يجب القضاء عليها.. أما إسرائيل الوديعة.. حمامة السلام فهي دولة تدافع عن نفسها!! لذا فإن القرار الأخير لم يحملها أية مسؤولية بل واعتبرها الدولة المعتدى عليها. والمهرولون من الحكام العرب راح لاهثاً يلعق ما تبصقه لهم الإدارة الأمريكية من فتاتها لتضمن تمرير خططها ومخططاتها المعادية للعرب والمسلمين وفنائهم من على وجه الأرض، لأنهم حكام بلداء.
لذلك فإن الحكام العرب الصامتين كالأموات لن يقدموا ولن يؤخروا في القضية اللبنانية بالتأكيد، فلبنان وحده كفيل بحلها، وقد قالها السيد حسن نصر الله الزعيم العربي – الذي أعادنا إلى الوراء سنوات من تاريخنا المعاصر، حين هتفت الشعوب العربية بأكملها من المحيط إلى الخليج بإسم زعيمها البطل جمال عبد الناصر الذي صرخ في وجه الاستعمار مطالباً إياه بحمل عصاه ويرحل، وتحدى الدولة الصهيونية بصلابة وبكبرياء وبإيمان صادق، ولم يستكن ولم يخنع ولم ينكس رأسه لها ولا لمن وراءها – قال: “فكوا عنا ” أي اتركونا ولا تشغلوا أنفسكم بقضيتنا، “فنحن كفيلون بتحقيق النصر على الدولة التي نشبهها ببيت العنكبوت والتي تعاني اليوم من هزيمة نكراء على أرض لبنان القوي والكريم والصامد والمتوحد بشرفائه “.
إن النصر آتٍ آتٍ والفتح المبين قريب بإذن الله تعالى. وليخسأ الحكام العرب المنشغلون في شهواتهم وشراء الأسلحة الفتاكة ليمارسوا ساديتهم في تعذيب شعوبهم وقمعها. فما تحققه المقاومة الإسلامية على الأرض من مجد لهو خير رد عليهم جميعاً وتأكيد على حقيقة هذه الدولة الهشة. وهو تحدٍ عظيم لحزب الله الذي حتى اللحظة وسيظل يشكل كابوساً رهيباً مرعباً ترتعد منه فرائص الجنود الصهاينة، وباعترافهم، لأن مجاهديه متدثرين بالإيمان بالله والنصر المبين على أعداء الله وهو الإيمان الذي أوصل صواريخه إلى المستعمرات الصهيونية لأول مرة في تاريخ الدولة الصهيونية، وفي تاريخ الأمة العربية والإسلامية، وكانت هذه المفاجأة صدمة للصهاينة والحكام العرب على حد سواء، الذين في غيهم يعمهون و قلوبهم غُلف وفي آذانهم وقر. الذين ما زالوا ينتظرون دفن حزب الله والتخلص من زعيمه الفذ دون حياء أو خجل أو وجل من الله… والله المستعان!!
[email protected]