أصدقاء الثقافة = أصدقاء الحرية! – عبدالعزيز البغدادي

أصدقاء الثقافة = أصدقاء الحرية! – عبدالعزيز البغدادي

المعنى المجرد للمسميات يغذي الحرية ويحميها، ويجعل الإنسان فاعلاً طالما تمسك بالتجريد كعنوان دائم للأمل الدائم. وللصداقة معنى إنساني حميم يختلف باختلاف نوع الصداقة. والأصل أن الصداقة منبتها الصدق بين الأصدقاء ولهذا النوع الأصيل من الصداقة مكانة تعدل الكينونة والحياة ولذلك قيل:
«ولا خير في الدينا إذا لم يكن بها
صديق صدوق صادق الوعد منصفا»
هذه الصداقة في معناها ودلالاتها معنى متصل بالعلاقات الانسانية بين الأفراد والمجتمعات، وموضوعها إجمالاً قد يكون متعلقاً بلا شك إما بالشأن العام وإما بالشأن الخاص. وقيمة الصداقة تثمر عند إدراك أهمية الايمان بمحورية الصدق في تشكيل نسيجها والاستعداد لتحمل تبعاته. البعض يرى في الصداقة طريقاً لتماهي الصديق معه بمعنى أن أحد الأصدقاء يذوب في شخصية الآخر. هذه الحالة لو جاز التغاضي عنها في الشأن الخاص أقصد في العلاقات الانسانية المتصلة بحياة الأفراد المباشرة فإنها غير جائزة في الشأن العام.
ولذلك لا يجوز أن نصنع من الأفراد مهما علا شأنهم رموزاً فتتحول هذه الرموز مع الأيام واتساع دائرة الاعلام غير الواعي تتحول إلى أصنام تضعف التفكير عند من يصنع الأصنام ثم يعبدها ومن ثم تزيد التزامات الرمز الذي صار صنماً مما يدفعه إلى العجز التام قبل الأوان لأنه بالتدريج سيفقد الاحساس بانسانيته وبكونه يخطيء ويصيب وحينما يفقد الانسان هذه الخاصية يفقد طعم الحياة فالحياة فعل يعيش بالتناقض ومن خلال التناقض يصنع الانسان النماذج ويبدلها.
ومن هنا فإن أي إنسان يجب أن يظل إنساناً يحافظ على حياته ونحن أيضاً يجب أن نحافظ على حياته ليبقى بيننا إنساناً، ولا يجوز أن نقتله بتحوله إلى رمز، أي إلى صنم مهما كان عطاؤه، كي يستمر في العطاء أي في الحياة.
وإن الحر لا يعبد الاصنام ولا يقبل بأن يتحول إلى صنم. لهذا فإن أي إسم مجرد كالصداقة والثقافة والحرية، إذا التف الناس حوله فإن ذلك يبقي باب الحياة مفتوحاً أمامهم أما اسماء الأشخاص فيستحيل تجريدها؛ كون الانسان أي انسان مهما اجتهد في صناعة شخصيته بما يجعله عظيماً أو اجتهد غيره في صناعته حينها، من خلال اتباع المدرسة النازية في الدعاية فإن هذه العظمة لا يمكن اطلاقاً أن تلغي محتوى إنسانيته. قد يكون إنسان نموذجاً لكن استمرارية الحياة تجعل من حق أي إنسان أن يتجاوز هذا النموذج المصنوع قبله وكهذا.
نعود إلى الصداقة والصديق فنقول إن الصداقة بمعناها الانساني يجب أن لا نسمح بضياعها أو بأن نحول معناها إلى عناوين قد نخذع بها لبعض الوقت ولكن قد تفقدنا ما تعنيه الصداقة من دفء وحياة نابضة بالحياة ومع الحياة الإنسانية الصادقة. هذا رأي فأرجو أن لا يساء فهمه من أي صديق!
نحن صناع الزمن ولهذا يجب أن نتوقف عن سبِّ الزمن ووصفه بالرديء، يجب أن لا نسب الصداقة لأننا صناعها. كذلك نحن الاصدقاء المثال وهي التجريد لهذا فإنها الأبقى, والثقافة أفق مفتوح بينما المثقف ليس سوى مثال صنعه فعله في الزمان والمكان, مهما كان نصيبه في جودة الصناعة ستأتي الحياة بمن هو أتقن منه صنعاً.
لقد سقطت مقولة «الزمن لا يأتي بأحسن» تحت أقدام المؤمنين بالحياة الحرة، لنرفض جميعاً صناعة الأصنام والمعابد وننطلق فنكون جميعاً أصدقاء، قوتهم الصدق وعشقهم الحرية..