اليمن أغلى!! – ياسر ثامر

اليمن أغلى!! – ياسر ثامر

ربما لست معنيا بتقييم أنشطة الحملة الوطنية للتوعية بأضرار الفساد، فلا علاقة لي بالانشطة ولا أعلم إن كان يديرها الجانب الحكومي أم المجتمع المدني؛ لكنني سأحشر أنفي فيما قد يعتبره البعض فضولا وأضنه (مسؤولية الجميع) لارتباطه الوثيق بأحلام المجتمع، التي ربما تهدف الحملة إلى تحقيقها. وعليه فإن من المهم أن تسير الحملة نحو أهدافها وفقا لتفاصيل السيناريو والكيفية التي تحكيها أحلام المجتمع تجاه الفساد وبدون أي اجتهاد أو معالجة درامية من شانها أن تجعل الحملة وجهودها في واد، وما يريده الناس في واد آخر.
في إطار أنشطة الحملة انتشرت رسالة مصورة تتضمن: “اليمن أغلى”، في مختلف وسائل الدعاية والإعلان. هذه الرسالة بدت كالأحجية فهي لم تضف شيئا يذكر، والكل يتساءل عن معناها و المعني باستقبالها واستيعابها!! بينما تبقى الإجابة والمعنى في بطن الحملة.
إنها رسالة مطاطية تفتقد إلى الوضوح والشفافية التي يحلم بها المجتمع. ألا يعلم رجال هذه الحملة عموما أن من أهم واكبر الأسباب المسؤولة عن ظهور وتفشي الفساد في أي زمان ومكان يتمثل في غياب الشفافية و الوضوح؟ فكيف نواجه الفساد بأسبابه؟! ألا يذكرنا هذا بقصة اللجنة المكونة لإعداد تصور آلية الحد من زراعة وتعاطي القات؟!!
المجتمع يتطلع إلى رسائل واضحة ومفهومة: معا ضد الفساد، يمن بلا فساد، لا للفساد، لا بناء مع الفساد…الخ. في أماكن عدة تتلقى الشعوب رسائل عملية جريئة كفتح ملفات الفاسدين وتقديمهم للعدالة. في بلادنا لا نطمع بأكثر من أن تصاغ الرسائل الإعلامية على الأقل بشكل يشعر معه المتلقي بقوة المعنى والدلالة. وبدون ذلك لن نشعر بجدية الأمر، حيث يتساوى الجميع أمام الرسائل العامة والغامضة، الفاسدون والمتضررون على حد سواء، فعلى سبيل المثال قد يُسأل المسؤول الفاسد عن الأسباب التي دعته للاستثمار في اليمن رغم أن الفرص المتاحة في الخارج أفضل بكثير، فيجيب بكل بساطة: “اليمن أغلى”، هذا المستثمر قد لا يدفع ضرائب الدولة، في حين يلتزم بائع متجول على الأرصفة بالامتثال لكل شروط الدولة رغم إمكانية التحايل عليها، لأنه يرى اليمن غالية.
قد يبرر مخترع الرسالة انه حاول إيجاد صيغة غير مباشرة، وخفيفة، ومعبرة، قريبة من التفاؤل، بعيدة عن التشاؤم، ولا تؤذي مشاعر الآخرين. ومع احترامي لتلك المبررات الافتراضية فقد كان من السهل تحقيق كل ذلك بعبارة أقوى وأوضح من “اليمن أغلى” وبغض النظر عن معيار الوضوح والشفافية تظل الرسالة غير مناسبة على الإطلاق، حيث يجب الاعتراف بأن من صاغها قد اجتهد متأثرا للغاية بالإعلانات التي تقدمها أمريكا بملامح عراقية عبر القنوات الفضائية بهدف زرع التفاؤل الشعبي والسيطرة على ما تمر به العراق من أزمات: عرقية وطائفية ومذهبية، بدأ العراقيون يفقدون معها الأمل باسترجاع الوطن المستباح. ولا ادري هنا إن كان مخترع “اليمن أغلى” قد لاحظ أن ثمة تشابه بين اليمن والعراق! وهل اعتبر نتائج الصراع بين السنة والشيعة والأكراد والاحتلال على النفوذ والسيطرة لا تختلف عمَّا يصنعه الفساد وأهله باليمن؟ هل المسألة بهذا الحجم من التعقيد والتأزم الوطني؟ اعتقد أن المسألة ليست موضة إعلانات والسلام، كما أن اليمن لم يكن في يوم من الأيام رخيصا حتى نكتشف اليوم هذه المفارقة، كل ذلك يعتبر نوعا من المغالطة التي لا نقرها ولا يمكن لقيادة الحملة الدفاع عنها لمجرد عدم القبول بحقيقة الوقوع في ذلك الخطأ غير المقصود. ربما كان شعار “اليمن أغلى” مناسبا أثناء تمرد الحوثيين لكنه اليوم أبعد ما يكون عن أهداف الحملة وأحلام المجتمع في التصدي للفساد.
من جهة أخرى سنجد قبل تلك الرسالة وفي نفس السياق أنه كان على قيادة المشروع الإمعان بشكل أفضل في تسمية الحملة بما هو أبعد من “الحملة الوطنية للتوعية بأضرار الفساد”. وهنا يفرض السؤال نفسه: هل المجتمع -كل المجتمع- يمارس الفساد وهو غير مدرك لأضراره؟ هل يتشابه -في هذه الحالة- الفساد مع التدخين مثلا؟ وبالتالي هل يتطلب الأمر أن نحصر الفاسدين لإقناعهم عبر ندوات ومحاضرات التوعية بأن ما يقومون به ليس في صالح اليمن؟ وماذا عن الفاسد الذي يصعب علينا توعيته وإقناعه شأنه شأن المدخن الذي لا يمكننا أن نحول بينه وبين التدخين؟!
إن المجتمع بحاجة إلى من يرفع عنه الفساد بدلا من التوعية بأضراره، فليس من المنطق أبدا أن نقوم بزيارة مجموعة من المساجين لنحدثهم عن أوجاع القيد وجمال الحرية، في الوقت الذي يمكننا فيه تحريرهم؛ حيث سيكون المشهد غاية في البشاعة الإنسانية. الكل يعاني الأمرين من الفساد، رائحة الموت الحضاري والإنساني تنبعث من كل مكان يغزوه الفساد، لا يوجد فرد من المستضعفين إلا وقد طالته سياط الفساد بأي شكل من أشكاله… أليس ذلك كفيلا أو كافيا لتشكيل الوعي الجماعي بأن الفساد “مش تمام”؟ الأمر ليس بحاجة إلى تجارب معملية، لكننا للأسف إلى جانب الخوف من الشفافية نحاول بفساد الوعي أن نؤصل وعيا للفساد، وهو ما جعل الحملة مجرد توعية غير عازمة / قادرة على الاستئصال أو المكافحة أو التصدي والمواجهة، لأنها تظن الفساد -كما اشرنا- أمرا عاديا اعتاد عليه معظم الناس، كالتدخين تماما، حيث لا يمكن إعلان الحرب، ولذلك فإنه من السهل والفخر أيضا أن تقاد الحملات الوطنية لاستئصال شلل الأطفال؛ لكن من الصعب والمحرج أن تقاد لاستئصال شلل الأوطان. ربما هناك من لا يريد أن يؤذي مشاعر الفساد لا سيما في ظل علاقة قد يسودها نوع من الاحترام والتقدير.. ربما.