الجرذ والصرصار

الجرذ والصرصار

– منصور هائل
تبدأ الأزمة بمهرج يستولي على السلطة ويندفع إلى حشو مؤسسات الدولة -الجيش، الأمن، القضاء، الإعلام ..- بأعضاء من جماعته، قبيلته أو عائلته، ويندفع أكثر في إطلاق رصاصة الرحمة على الحكومة التي تزول من الوجود بفعل عملية الاختطاف التي تقوم بها كتيبة من قطاع الطرق الذين لا يرتدعون بأي وازع، ويستخدمون ماكينة الدولة لنفخ جيوبهم، وتعظيم أرصدتهم عبر نهب ثروات البلاد، وتحويل الدولة إلى «دراكولا» مصاصة دماء، وإلى
– منصور هائل
تبدأ الأزمة بمهرج يستولي على السلطة ويندفع إلى حشو مؤسسات الدولة -الجيش، الأمن، القضاء، الإعلام ..- بأعضاء من جماعته، قبيلته أو عائلته، ويندفع أكثر في إطلاق رصاصة الرحمة على الحكومة التي تزول من الوجود بفعل عملية الاختطاف التي تقوم بها كتيبة من قطاع الطرق الذين لا يرتدعون بأي وازع، ويستخدمون ماكينة الدولة لنفخ جيوبهم، وتعظيم أرصدتهم عبر نهب ثروات البلاد، وتحويل الدولة إلى «دراكولا» مصاصة دماء، وإلى جمهورية جوز الهند. فحكم القانون مهزلة، وقطاع الطرق في موقع المسؤولية، وضحاياهم في السجون، والشرطة تحمي النصابين، وتتضافر عوامل «الإقصاء السياسي» والانهيار، ويطفح الكيل من الوضع القائم على العفن، وينفلت عنان التململات والتمردات بما في ذلك التمرد المسلح، وينفسح المجال لزعامات متمردة لا تسعى إلى إعادة ترسيم الحدود وصياغة السيادة، وإنما تريد السلطة وتنزع بجموع إلى الاستيلاء على العاصمة و… إلخ.
ويقول جورج ب. ن. آييتي رئيس مؤسسة أفريقيا الحرة بواشنطن، إن الحروب التي تعقب ذلك تتسبب بدمار هائل وذبح مريع، ويستولي زعماء المتمردين على السلطة، وغالباً ما يكونون أسوأ من الطغاة الذين حلوا محلهم، ومن ثم تبدأ الدورة مرة أخرى. وكما يقول الأفارقة غالباً: “نحن نكافح بمشقة كبيرة لإزاحة صرصار عن السلطة، ولكن الجرذ التالي يأتي بعد ذلك لكي يفعل الشيء نفسه” (مجلة «فورن بوليسي» الأمريكية، سبتمبر أكتوبر 2009). وبالمناسبة وردت الإشارات الآنفة من قبل الكاتب المذكور في معرض مقاربته لسؤال فشل الدولة في الكثير من الدول الأفريقية. ورغم أن الكاتب ضرب المثل بالعديد من الدول التي ذكرها بالاسم، ومنها بنين وكايب فيردي، وملاوي، وزامبيا، إلا أن كاتب هذه السطور يجزم بأنه سيربح المليون في حال سؤاله عن حاصل ضرب مجموع تلك الدول الفاشلة باليمن، ولن يتردد عن الجهر بأن الحاصل أو النتيجة هو: اليمن.
فاليمن، ولا حسد، تتوفر على سلطة ناجحة في إنجاز حركات التمرد، ولا يجرؤ أحد على منازعتها مثل هذه المنجزات /الحركات، فهي المتعهد الأول لعمليات تفريخ الحركة ونقيضها، اعتباراً من وهلة تدشينها لحركة الجبهة الإسلامية لتكون على الضد من الجبهة الوطنية، والحركة الحوثية من لحظة بزغتها الأولى تحت مسمى الشاب المؤمن، لتكون على الضد من حزب التجمع اليمني للإصلاح، والحركة السلفية الوهابية لتكون ضداً على الحركة الحوثية والإحيائية الزيدية، والمجاهدين الإسلاميين ضد المناضلين الثوريين، ولم تنقطع قط عن توليف وتأليف النسخ البديلة والنقيضة للأحزاب والحركات والجبهات والزعامات السياسية والقبلية، ولم تنقطع همتها قط عن تصريف هكذا حركات على مختلف الاتجاهات من اليمين إلى اليسار، إلى الماء، إلى الغبار و… إلخ.
ولأن الحركات زادت عن الحد حتى خرجت عن مدار السيطرة والتحكم، فقد انقلب معظمها على الساحر، وكان ما نشهد اليوم من اقتتال واحتراب، ومقاطعات وإمارات تعلن الحرب على السلطة وتنزع إلى الانقلاب والهيمنة واختطاف مقدرات وثروات البلاد.
وعلى هذا النحو كان ما حدث يوم الأحد المنصرم حينما قام علي سيف العبدلي وجماعته العسكرية بمديرية ردفان بمحاصرة أطقم وقوات الأمن ومركز إدارة الأمن بمديرية حبيل جبر وضيق عليهم الخناق، ولم يقتنع بوساطات مشائخ وأعيان ردفان الذين طالبوه بإطلاق سراح أفراد المجموعة الأمنية الذين قدموا بقصد اعتقاله وتحولوا إلى معتقلين ورهائن رفض إطلاقهم إلا في حالة تعهدهم بعدم العودة إلى المنطقة، واعتذارهم عن خطأ شروعهم باعتقاله كمجرم قاتل لثلاثة من باعة الحلوى من القبيطة، في منطقة العسكرية في يوليو الماضي.
وهناك الكثير من المؤشرات والمعطيات التي تفيد بأن «الحركة العبدلية» ستضاف إلى قائمة منجزات السلطة، ومن غير المستبعد أن تكون الحركة جاهزة وناجزة بمناسبة حلول ذكرى الاستقلال 30 نوفمبر من هذا العام، وألا تقل شأنا عن غيرها من الحركات ذات «السيادة» كالحركة الحوثية، والحركة الجهادية، والحركة الفضلية، وحركة «القاعدة»، ولا تختلف حتى في المستوى الذي يعني بأن تكون شوكة في خاصرة الحراك الجنوبي وفي معقله الرئيسي: ردفان، وذلك ليس إلا غيض من فيض.
[email protected]