النيابة العامة تشرع العنف المدرسي

النيابة العامة تشرع العنف المدرسي

محاكمة صدام.. أم محاكمة نظام التعليم في اليمن!
– يحيى هائل سلام
التلميذ في الصف التاسع، بمدرسة 26 سبتمبر، صدام محمد سعيد علي (19 عاماً)، يمثل مجدداً صباح الأربعاء القادم أمام محكمة ذي السفال الابتدائية.
النيابة العامة اتهمت صدام بالاعتداء على مدرس، وبحسب قرار الاتهام في القضية رقم 68 /2009 (غ.ج)، أخذ الاعتداء أشكالاً مختلفة: لطمٌ بالحذاء، ثم اشتباك، وبعدها إيقاعٌ على الأرض، فانقضاض!
إلى أن تقضي المحكمة بإدانته، يظل صدام بريئاً، والبراءة، فسحة الحقيقة، وفرصتها للكلام:
يوم الاثنين 23/2/2009، وتحديداً في الفترة الانتقالية بين الحصتين الثانية والثالثة، كان صدام ماشياً في أحد طواريد المدرسة، التقاه المشرف، أمره بالتوجه إلى الفصل، امتثل التلميذ للأمر، وعند باب الفصل وقف، بيده دق على الباب يستأذن المدرس الدخول، لم يحصل على الإذن، فعاد، ومرة أخرى يلتقيه المشرف، كان يمتلك الحل لمعالجة الموقف: إفتح إيدك. قالها لصدام، لم يمتثل التلميذ، لكن المشرف، وبخبرته الطويلة، لم يعدم موضعاً للعقاب آخر في الجسد، وفي مواجهة العصى وأوجاعها، تسلح صدام بالحذاء، فكان الاشتباك، والذي سرعان ما انفض، لتنتهي الواقعة.
عند هذه النهاية، يمكن لعضوٍ في النيابة العامة، أن يطمئن إلى ضميره، وهو يمارس ضد صدام، ما يمكن وصفه بفعل الاستفهام التأنيبي: “الأستاذ مربي، ومن حقه أن يقوم بضربك، لمخالفات تربوية، فهو في مقام الأب، ومخول له قانوناً.. فما قولك؟”!
وعند تلك النهاية، في مواجهة التأنيب، صدام، ولأنه تلميذ فحسب، لم يرفع المادة 68 من اللائحة المدرسية، كما لم يحاجج بالقرار الوزاري رقم 10 لسنة 2001، وكلاهما يمنع العقاب البدني في سائر مدارس اليمن، لقد واجه رومانسية النيابة العامة، وقناعاتها الخاصة، ببساطة الحقيقة: “أنا داري، ولكن، المدير أخذني إلى وسط الصف، والأساتذة قاموا بضربي”!
إذن، فض الاشتباك في الطارود، لم يكن نهاية الواقعة، بل لعله البداية، إذ تم اصطحاب التلميذ إلى أحد الفصول، وفيما أسماه مدير المدرسة بالإجراء الإداري، جرى عقاب التلميذ بدنياً، ضرب بالعصى على اليد والظهر، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي خارج الفصل، مدرسون يصرحون بالرغبة في الانتقام، وثمة مدرس يحرض المشرف على الانتقام: ادخل خذْ حقك. قال له، تحريضٌ أفضى إلى اشتباك آخر عنيف داخل الفصل!
واقعة ضرب الطالب صدام داخل الفصل، 6 ما بين مدرس وإداري، ومعهم طالبان، اشتركوا فيها، ذلك ما تأكد للنيابة العامة، لينتهي عضو النيابة المحقق في مذكرته بالقضية إلى حصر الاتهام في 9، منهم صدام، بواقعة الاعتداء على المدرس، و8 آخرين بواقعة الاعتداء بالضرب على صدام.
في قرار الاتهام، تقلص العدد إلى واحد: صدام.
المتهمون الآخرون، رأى عضو النيابة أن لا وجه لإقامة الدعوى الجزائية نهائياً قبلهم، وذلك، لعدم الجريمة، فما قاموا به، وإن صاحبه الضرب بالعصى للتلميذ، إنما هو من باب المفارعة، والتأديب، بصريح العبارة: إنها أفعالٌ مباحة!
نيابة ذي السفال الابتدائية، لم تكتف بالتشريع للعنف المدرسي، وإباحة العقاب البدني في المدارس، فإلى جانب ذلك، حرمت صدام من حقه القانوني في استئناف القرار، إذ خالفت أحكام قانون الإجراءات الجزائية، فلم تبلغه بالقرار.
أنْ يقبع صدام في سجن النيابة ما يقارب الشهر، وأن يتقرر أن لا وجه لإقامة الدعوى الجزائية قبل المتهمين بواقعة الاعتداء عليه، من مدرسين وطلاب، ودون حتى أن تكلف النيابة نفسها الإشارة إلى وجوب اتخاذ إجراءات إدارية قبلهم، فتلك اختصاصاتها، ولا سلطان لأحد عليها، أما أن تقفز على القانون، وتضفي على قراراتها القداسة، بحرمان مواطن من حقه في استئنافها، فتلك محنةٌ، وعلى عاتق النائب العام، تقع مهمة الخروج بالنيابة العامة من هذه المحنة!
وبالمثل، فأن تبادر إدارة المدرسة عقب الواقعة، إلى إصدار قرارها بفصل التلميذ من المدرسة، وتبارك قرارها إدارة التربية بالمديرية، ثم تصطفان معاً، وثالثهما نقابة المهن التعليمية، في تحريض النيابة العامة ضد التلميذ صدام، من خلال مذكرات رسمية، اعتبرتها النيابة من بين أدلة الإثبات، فتلك أمور تعنيها.
ما لا يعنيها، وما لا يقبل به القانون ولا الأخلاق، أن يتلبس نائب مدير إدارة التربية والتعليم لباس أعوان القضاء، فيقف أمام القضاء ممثلاً للمدعي بالحق الشخصي في مواجهة التلميذ صدام، لا بوصفه نائباً لمدير إدارة التربية والتعليم، ولكن بوصفه محامياً، وهو ما يتنافى تماماً مع قانون تنظيم مهنة المحاماة، تعلن من خلاله المهنة التخلي عن استقلاليتها، فصدام، وخصومه، كما وشهود الواقعة، الجميع يخضعون لسلطات نائب مدير إدارة التربية والتعليم/ المحامي، وليس في غير المحكمة، يضع صدام، وأبوه العاجز الفقير، الثقة لتنقية ظروف المحاكمة من تلك الشوائب، لضمان محاكمة عادلة.
ما من شك أن صدام أخطأ، وخطأه يستوجب العقاب، لكن كثيرين أخطأوا، وكثيرين لايزالون يخطئون في حقه، ومع ذلك، هم يجدون من يمسح على رؤوسهم، ويقول لهم: لا عليكمْ… كل أفعالكم مباحة!