حملة لمناصرة أسر الشهداء تبدأ من بوابة البرلمان

حملة لمناصرة أسر الشهداء تبدأ من بوابة البرلمان

كان ياسين القباطي بائع حلوى لكن تقاعس الدولة عن القبض على قتلة والده وشقيقه جعله يفكر في أن يكون بائعاً للموت،.. وأسرة القدسي تسأل الدولة: هل تريدون أن نخطف سواحا أو نقطع الطريق كي تقبضوا على القتلة؟
لم يعد ياسين حميد سعيد القباطي، 20 عاماً، بائعاً للحلويات كما كان قبل 10 يوليو الماضي. وأصبح تائهاً تراوده هواجس تدعوه لأن يكون بائعاً للموت، وثائراً لأقربائه الثلاثة الذين قتلوا أمام ناظريه.
ما زال المشهد يؤرقه. وفي باحة البرلمان بدأ في البوح لـ”النداء” بما يقاسيه وأسرته من حزن وألم منذ الحادثة، وكيف تتضاعف معاناتهم حين يتلقون أخباراً تفيد بأن الجناة يتمتعون بحرياتهم التامة “وجالسين يلفوا في المدينة من دون الأمن ما يمسكهم”، طبقاً لقوله.
ويقول إن تقاعس الدولة عن القبض على الجناة يشعره بالعار ويحفزه على أخذ الثأر بنفسه، لكن تضامن الناس ومنظمات المجتمع المدني هو ما يشد من أزره ويوصيه بأن يواصل مطالباته القانونية وألا يتصرف بغير ذلك.
فجر الجمعة 10 يوليو الماضي، فقد ياسين القباطي والده حميد وشقيقه خالد وابن خاله خالد علي عبدالله، في حادثة قتل هزت البلد بأكمله. منذ الأسبوع الذي تلى الحادثة، وبعد أن أبلغ ياسين الأمن بالمجرمين الذين يتقدمهم أحد ضباط الجيش، ولم يلمس أية جدية من قبل أجهزة الدولة، سخر نفسه وبمساندة من منظمات المجتمع المدني، تتقدمها منظمة التغيير، لمتابعة القضية واعتماد القانون مبدأً لتنفيذ القصاص من قتلة أقربائه.
ومنذ الحادثة يتردد (هو أو أقرباؤه ومتضامنون آخرون) على المؤسسات الدستورية (حكومةً وقضاءً وبرلماناً) يطالبهم بمناصرته وأسرته المحروقة وتطبيق العدالة الحائرة في إلقاء القبض على مرتكبي مذبحة حبيل جبر التي أودت بحياة 3 من أقربائهم منذ نحو 6 أشهر دون أن تتخذ الدولة أي إجراءات بحقهم.
في جلسة البرلمان الأربعاء الماضي، قدم نحو 66 نائباً من مختلف الكتل البرلمانية، طلباً إلى رئيس المجلس مفاده استجواب وزيري الداخلية والدفاع بشأن عدم القبض على الجناة في قضية مقتل الدكتور درهم القدسي، في 18 يناير الماضي، وقضية مقتل 3 من حبيل جبر في يوليو الماضي.
صباح الأربعاء الفائت، كان ياسين في مقدمة المئات من المواطنين الذين احتشدوا للاعتصام أمام البرلمان للمطالبة بالقبض على الجناة الذين يتصرفون بكامل حرياتهم في المنطقة، في ظل صمت مطبق من أجهزة وأفراد الأمن. وإليه أسرة الطبيب درهم الراشدي القدسي تطالب الحكومة بالقبض على الجناة.
وفي الاعتصام الذي دعت إليه منظمة التغيير لتذكير البرلمان بدماء القتلى، وتحريك قضاياهم أمام المجلس كمؤسسة تشريعية ورقابية، وبما يستحثه من مطالبة الحكومة ومساءلتها عن تلك القضايا التي تبدو على وشك المغادرة من جدول أولوياته، طالب المعتصمون البرلمان بتنفيذ وعوده في إلزام وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء لشؤون الدفاع والأمن بسرعة القبض على مرتكبي المذبحة وقتلة الدكتور درهم القدسي ومحاسبة الجهات الأمنية لتقصيرها في ملاحقة الجناة.
المعتصمون الذين رفعوا صور ضحايا مذبحة العسكرية في حبيل جبر بمحافظة لحج، وصور الدكتور درهم القدسي، نددوا بتواطؤ الأجهزة الأمنية مع الجناة، واتهموها بعدم الجدية في حل القضايا.
وأعلنت المنظمة أن اعتصامها هو تدشين لحملة مستمرة لمناصرة أولياء الدم والضغط على الجهات المسؤولة في ملاحقة الجناة وتقديمهم للقضاء. وتضمن الاعتصام عديد كلمات ألقاها برلمانيون وحقوقيون وإعلاميون وشهادات من معاناة أسر الضحايا.
شكا صالح محمد، أحد أقرباء أسرة شهداء القبيطة، على المعتصمين كآبة ساعاتهم وامتدادها. وقال إن “يوما ينقضي نعيش ساعاته ألف سنة على فراقنا من نحب حميد (سعيد القباطي) وابنه الطفل فائز حميد، والشاب خالد علي عبدالله، وبعدهم عثمان فتوان”.
وأضاف: “إن الأسرة ما تزال منهارة منذ 4 أشهر، وما زالت تحت وطأة الجريمة البشعة التي هزت كل كيان قلب حي في هذا الوطن”.
وانتقد تجاهل وصمت الأجهزة الأمنية المختصة، وعدم قيامها بواجبها تجاه القاتل الكبير والقتلة. موضحاً حجم القلق والخوف اللذين يسيطران عليهم لاسيما حين يرون “تعايش الأجهزة مع القتلة وتركهم طلقاء يسرحون ويمرحون وكأنهم لم يسفكوا دم ثلاثة لا ذنب لهم سوى أنهم أبرياء يكافحون في الحياة بعمل شريف”. مؤكداً أن تخوفهم وارتيابهم تضاعف و”تعمق أكثر بعد قتل وكيلنا الشيخ عثمان محمد فتوان بعد أسبوع من ارتكاب الجريمة الأولى”.
صالح القباطي طالب، باسم أسرة الشهداء، رئيس الجمهورية بصفته وشخصه، بإبعاد الريبة من صدورهم وإبراء الذمة بسرعة إلقاء القبض على الجناة وتقديمهم للمحاكمة، مشدداّ على تمسكهم بحقهم المشروع مهما كان الصمت الرسمي ومهما كانت الظروف.
وشكا عصام القدسي، شقيق الشهيد الدكتور درهم القدسي، حالة الصمت التي يواجهونها من قبل البرلمان والحكومة “فمنذ 10 أشهر ونحن نبحث عن العدالة المفقودة ولكن لم يلتفت إلينا أحد، ودم الشهيد الذي ذهب هدرا في مستشفى العلوم لا ذنب له سوى أنه كان يتحسس فيه آلام مرضاه، لن يذهب، وسنستمر في المتابعة حتى يلقى الجناة جزاءهم”.
وتساءل عن المطالب التي تريدها الدولة منهم لقاء القبض على القتلة: “هل تريد الدولة منا أن نقطع الطريق ونختطف السواح لتستجيب لنا؟”. ولفت إلى معرفة وزارة الداخلية لمكان تواجد القتلة، وإلى تقاعسها عن القيام بواجبها. مطالبا مجلس النواب بسحب الثقة عن وزير الداخلية.
واستعرض النائب أحمد سيف حاشد، رئيس منظمة التغيير، معاناة الأسر والأسباب التي حتمت على منظمته تبني قضاياهم “دفاعاً عن الحق في الحياة لتأسيس انطلاقة نوعية في مسار العمل الحقوقي وتبنّ مستقبلي لكل القضايا المماثلة على امتداد الوطن من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله”.
وإذ دعا الأجهزة الأمنية إلى القبض على الجناة باتباع الأساليب والطرق المحددة طبقاً للقانون، استنكر تصرفها في تدمير منزل أسرة قاتل الدكتور القدسي دون أي مسوغ قانوني لذلك. معتبراً ما أقدمت عليه خرقاً وافتراءً على القانون “ومخالفة تهدف منها إلى زرع الأحقاد وإثارة العداوات والحروب بين القبائل والمناطق”.
وبشأن قضية قتل 3 من أبناء القبيطة في حبيل جبر، قال حاشد إن الأمن تصرف بطريقة وترت المشكلة أكثر، فبدلا من العمل على ملاحقة الجناة وتقديمهم للقضاء؛ قتل وكيل وقريب أولياء الدم الشيخ عثمان محمد فتوان، ليلقي على أسرهم وأولياء الدم عبئا جديدا من المعاناة تزيد من وطأة المأساة على كواهلهم في ظل عدالة ما زالت مهدورة”.
واستغرب من ممارسة أجهزة الأمن عملية الضغط والتهديد على بعض وكلاء وأقرباء أولياء الدم بالاعتقال، وغياب هذا العمل مع الجناة والقتلة الذين يتجولون بحرية في حبيل جبر دونما مضايقة من السلطات، معتبراً تعامل الدولة تجاه الجناة مؤشراً قوياً “لجموحها ورغبتها في إذكاء الفتن وإشعال الحرائق والاقتتال بين أبناء مناطق وقبائل الشمال والجنوبـ”.
وشبّه خذلان وزير الداخلية لأولياء دم درهم القدسي بخذل البرلمان أولياء دم أبناء القبيطة عندما أقر تكليف نائب رئيس الوزراء للأمن والدفاع ووزير الداخلية بالقبض على القاتل خلال 48 ساعة ما لم يتم فإنه سيقوم باستجواب الوزيرين وسحب الثقة منهما. وأضاف: لكن الواقع مختلف برغم مرور أكثر من 3 أشهر على هذا القرار”.
وحثّ على الاستمرار في الاحتجاجات السلمية، داعيا الجميع إلى النضال ومواجهة القتلة والرصاص والفساد بالاحتجاج السلمي.
النائب محمد صالح القباطي (اشتراكي) أثنى على المعتصمين على دورهم الأمثل “كمناصرين للدستور وللقانون وحقوق الإنسان، وأمام المؤسسة (البرلمان) المعنية أولا وأخيراً بحماية الدستور والقانون”. مبدياً أسفه تجاه خذلان البرلمان لهم.
وإذ أشاد بعزمهم وإصرارهم على الاستمرار في نضالهم السلمي والديمقراطي والحضاري، الذي كرروه أمام الحكومة “الخرساء” و”قصدتم اليوم المجلس لعل صوتكم يخترق أسواره”، طالب مجلسه بالانتصار لقضيتهم حتى تتحقق العدالة وقوة القانون لا قانون القوة.
وصدر عن منظمة التغيير بيان إشهار لحملة مناصرة حق العدالة المهدرة، انتقدت فيه التواطؤ الرسمي تجاه الجرائم سالفة الذكر، واعتبرته دليلاً على الاستهتار بأقدس حق من حقوق الإنسان، وتنصل الدولة وأجهزتها من واجباتها تجاه حماية المواطنين، مديناً “استمرار النهج الرسمي المتواطئ مع الجناة المتمتعين بسياج وحماية أمنية توفرت بسبب هذا التواطؤ”.
وأعلنت المنظمة في بيانها عن مسارات قادمة كجهود دفاعية، أبرزها تنظيم اعتصام جماهيري شهريا لمدة ساعتين بالتعاون مع المنظمات الحقوقية والبرلمانيين، ومواصلة الضغط على الجهات الرسمية بسرعة القبض على الجناة وعلى مجلس النواب لتنفيذ وعده واستجواب وزير الداخلية وسحب الثقة في حال استمرار تقاعس الأخير.
كما أعلن البيان عن تشكيل هيئة دفاع قانونية بهدف تفعيل المسار القانوني برئاسة المحامي عبدالله نعمان، وضمت في عضويتها المحامين: أحمد الوادعي، محمد المخلافي، محمد المقطري، عبدالعزيز البغدادي، شمسان محسن، محمد البذيجي، يحيى المحجري، علي القباطي، محمد الشرجبي، محمد نعمان، عبدالسلام محسن، عبداللطيف يسلم، هائل سلام، شكيب الحكيمي، وعبدالمجيد صلاح.
وسمى البيان أحمد سيف حاشد رئيسا لحملة المناصرة، والصحفي باسم الحاج ناطقاً رسميا، وأحمد الزكري منسق الفريق الإعلامي، وبعضوية سامية الأغبري وعبدالسميع محمد، إضافة إلى عبدالسلام قاسم، حمدي ردمان، ردمان النماري، وعصام القدسي كأعضاء فنيين، وسكرتارية اللجنة والاتصال.